خربة الرشادية: كنائس بيزنطية بأرضيات من الفسيفساء

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • خربة الرشادية: كنائس بيزنطية بأرضيات من الفسيفساء

تعكف دائرة الآثار حاليا على إعادة ترميمها

 

فيصل القطامين

   الطفيلة – الى الجنوب من مدينة الطفيلة وعلى بعد 22كم في منطقة التجمع الأثري المنوع قريبا من عاصمة الآدوميين بصرى" بصيرا" على الطريق الملوكي، تتربع كنيسة الرشادية ذات الأرضيات الفسيفسائية التي تشهد على حقبة من الزمن، وتؤرخ لحضارة البيزنطيين التي سادت في المنطقة.

   كانت الكنيسة ضمن تجمع كنسي شمل ايضا خربة النصرانية التي تبعد عن هذه الكنيسة حوالي 4 كيلومترات الى الجنوب الغربي الذي دمرته إضافة الى هذا الموقع الزلازل، ولم يبق من المكانين إلا البوابات وبعض معاصر العنب.

    وقد تم الكشف عن آثار هذه الكنيسة في العام 2002 من قبل دائرة الآثار العامة لتقوم بعدها بالتنقيب الأثري عن المكان لأهميته وقد قامت الدائرة بترميم أجزاء كبيرة من الكنيسة وما يزال التنقيب عن بقية المناطق المجاورة للكنيسة قائما حتى الآن.

    وتأتي أهمية خربة الرشادية كما يقول مدير مكتب آثار الطفيلة رائد الربيحات لما تحتويه من فترات تاريخية مختلفة، ودل على ذلك الشواهد الاستيطانية عدا عن البقايا المعمارية المختلفة بدءا بالفترة الآدومية وحتى البيزنطية والتي تمثل بيوت سكنية وكنائس مختلفة ومعاصر للعنب وبقايا أعمدة متناثرة على الشارع العام المحاذي للموقع باتجاه البتراء النبطية رغم أن بعض الأعمدة جرى إزاحتها من أماكنها الأصلية ما ألحق تدميرا واضحا ببعض أجزاء الكنيسة.

    ويعود الفضل الأول للعالم نلسون جلوك الذي أشار الى هذا الموقع في العام 1934 عندما قام بإجراء مسوحات أثرية في الأردن حيث أكد وجود آثار استيطان في الموقع امتد تاريخيا من الفترة الآدومية وحتى فترة البيزنطيين المتأخرة وهذا ما أكده نقش عثر عليه داخل أرضيات الكنيسة ويعود تاريخها الى 512-513 ميلادية الى جانب المسوحات التي قام بها العالم الكندي بيرتون ماكدونالد في الفترة بين 1979- 1981 ومسوحات قام بها المعهد البريطاني للآثار في العام 1996 بالتعاون مع دائرة الآثار العامة، ومن خلال ذلك وضعت المخططات الأولية للموقع وجمعت بعض العينات التي أكدت ان الاستيطان بدأ في الموقع منذ الفترة الآدومية واستمر الى الفترة البيزنطية.

    وبعد اعمال التنقيب تم العثور على الكنيسة التي بلغت مساحتها( 25م في 15.5م) وعثر على المشغولات الفسيفسائية التي تزينت بها أرضية الكنيسة على شكلين الأول أرضية فسيفسائية مرصوفة بالقطع كبيرة الحجم، والأخرى قطع فسيفساء صغيرة الحجم.

    وجاء المخطط المعماري للكنيسة على نظام( البازيليكا) حيث تتكون من قاعة تنقسم الى اجزاء ثلاثة وهي الرواق الأوسط( nave) ويتقدم المبنى في جهته الشرقية(حنية) الكنيسة وتبلغ ابعادها حوالي 25 مترا شرق – غرب وعرضها 15.5 شمال جنوب، ثم أخيرا الرواق الشمالي والرواق الجنوبي وتتوزع في أطراف الأروقة قواعد حجرية مثبتة كانت تقوم عليها حجارة بناء أو أعمدة ترفع أقواسا متناظرة ترفع بدورها سقف الكنيسة.

    ويضيف الربيحات أن هناك بوابات في الجهة الشمالية وترتبط بالكنيسة بدرج نازل يبدأ من مستوى الأرضية الفسيفسائية وعثر في المكان على مجموعة من الحجارة المشذبة وبعض الأدوات الفخارية وقناديل الأضاءة الفخارية، ويضم صحن الكنيسة وهو استمرار لبناء الكنيسة، وتوجد حجرة ذات شكل نصف دائري عليها رسوم لرأس رجل ورأس امرأة ذات أجنحة الى جانب الرسوم التي تمثل النباتات في المنطقة، ويقع ذلك على تاجية حجرية ارتفاعها 40 سم ونصف قطرها 65 سم نقش عليها صليب إضافة الى رسم هندسي على شكل نجة ثمانية يتوسطها صليب وفيها رسوم نباتية وهندسية تشبه قرص الشمس.

    أما بالنسبة للأعمدة على الأرضية الفسيفسائية فتوجد اربع قواعد مربعة تحمل الأعمدة بقياس 140 سم في 70 سم ونصف، وقطر العمود 80 سم وارتفاعه 75سم، وتتشكل الأرضية الفسيفسائية من قطع على أشكال هندسية كالمثلثات والأشكال السداسية وغيرها، أما في الجهة الغربية للكنيسة فتظهر أرضية فسيفسائية مهمة احتوت على كتابة يونانية تتكون من ثلاثة عشر سطرا داخل شكل ثماني أحيط به زخارف هندسية ومربعات وطول ضلعه 55 سم، وجاءت الترجمة على النحو التالي:

"في هذا المكان وحسب رغبة الأم العذراء أم المسيح الكلمة غير المنظور وبتدبير الإيمان بالله تم إنجاز الفسيفساء عام 407 ( 512-513) ميلادي من أجل خلاص مغاليستي المحبة لله واستكمل العمل على يد أنندرياس بن اليوتوس".

     وبالنسبة لحنية الكنيسة فهي ذات شكل نصف دائري بلغت قياساتها 520 سم عرضا وبطول وبقطر 3م ويتوسطها ثلاث درجات قياساتها 50 في 45 سم وعثر على ثلاثة أعمدة رخامية تراوحت أقطارها بين 30 – 35 سم وبأطوال متفاوتة اضافة الى الغرف المتعددة التي استخدمت كمساكن للرهبان والتي رصفت أرضياتها بحجارة مربعة مصقولة والجدران السميكة التي تحيط بالكنيسة وتؤلف جدارها الخارجي والتي يصل سمك البعض منها المتر. والجدران عبارة عن مدماكين وضعت بينهما الملاط والحجارة الصغيرة لتزيدها قوة ومقاومة للظروف الخارجية.

    وتراوحت ألوان الفسيفساء المستخدمة في رصف أرضية الكنيسة بين الأحمر الغامق والبني والأصفر والأخضر، واستخدم الملاط لتثبيتها في مكانها، واشتملت أشكالا هندسية رائعة وبالغة في الدقة ومتنوعة من حيث الصور التي جاءت على اشكال أوراق الأشجار والأشكال الهندسية وصور لبعض أنواع الورود البرية صغيرة الأوراق لتشكل نسيجا زخرفيا فسيفسائيا جميلا، ولكن بعض أجزاء هذه السجادة الفسيفسائية مشوه بفعل عوامل الزمن والطمر تحت التربة لفترات طويلة وتعكف دائرة الآثار حاليا على إعادة ترميم الأرضيات الفسيفسائية والتي تغطيها بصفائح من البلاستيك وتعلوها طبقة رملية للحفاظ على تلك الآثار الهامة التي شكلت دليلا على حقبة تاريخية دينية هامة في المنطقة، كونها تمثل تجمعا لكنائس عديدة.

    ويتوقع الباحثون في علم الآثار أن يكتشفوا كنائس أخرى في المنطقة حيث لم تصل التنقيبات لغاية الآن لخربة اصطلح على تسميتها شعبيا باسم"خربة النصرانية"، وتقع بالقرب من خربة الرشادية أو كنيسة الفسيفساء حيث يعلو صليب بشكل واضح على حنية كنيسة خربة النصرانية ويبدو أن المكان تعرض للدمار نتيجة الزلازل ما أدى إلى تناثر أجزاء الكنيسة وأعمدتها.


التعليق