حوار مع الشاعر العُماني سيف الرحبي

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • حوار مع الشاعر العُماني سيف الرحبي

شاعر عُماني ينتقد الخصومة في الإبداع

الرحبي: الاقتراح الجمالي الذي أسعى إليه هو الحرية في الكتابة والمغامرة 

حاوره : زياد العناني

   ولد الشاعر العُماني سيف الرحبي في العام 1956 في قرية "سمائل" بسلطنة عمان, درس في القاهرة وعاش في اكثر من بلد عربي واوروبي، عمل في المجالات الصحافية والثقافية العربية، ترجمت اعماله الادبية الى العديد من اللغات العالمية.

    أصدر في العام 1980 مجموعته الشعرية الاولى "نورسة الجنون" ثم "الجبل الاخضر" في العام 1981 ثم "اجراس القطيعة" في العام 1984 وفي العام 1986 اصدر مجموعة "رأس مسافر" وبعدها "مدينة واحدة لا تكفي لذبح عصفور" و"رجل من الربع الخالي" اضافة الى كتابه "ذاكرة الشتات" و"منازل الخطوة الاولى" و"معجم الجحيم" وغيرها من الكتب الشعرية وصولا الى آخر اصدار وهو "قوس قزح الصحراء".

    يعمل الشاعر الرحبي حاليا رئيسا لتحرير مجلة "نزوى" الثقافية التي تصدر في مسقط, الغد التقت صاحب معجم الجحيم وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه لتجربته الشعرية والتغيرات التي طرأت على القصيدة وانزياحها نحو السرد في تجربته وتجارب الشعراء العرب اضافة الى تعلقه بالمكان والصحراء تحديدا واقتراحاته الجمالية على صعيد القصيدة التي يكتبها.

* بداية دعنا نسأل ما هو جديدك على صعيد النص الشعري؟

- يوجد عندي مجموعة قصائد ربما تشكل ديوانا قادما احاول اصداره في مطلع العام القادم, هذا على صعيد الشعر, في هذا العام اصدرت ثلاثة كتب ليس فيها جديد شعري بالمعنى المحدد للكلمة وهناك نص سردي عبارة عن يوميات تتناول المعيش والحياة اليومية في المكان العماني بتفاصيله وخصائصه وكتاب مقالات بعنوان "الصيد في الظلام" تتناول ربما مشكلات ادبية ومعرفية تشكل بعض هواجسي الاساسية في هذا السياق, اشرت ليس هناك جديدا شعريا وحتى الكتاب الذي صدر في القاهرة وهو "الاعمى في ظلام الظهيرة" يضم مختارات شعرية من اكثر من مجموعة شعرية ومرحلة زمنية.

* كيف تفسر الاتجاه او الانزياح نحو السرد في تجربتك وتجارب الشعراء العرب؟

- بالفعل ثمة ميل واضح نحو السرد سواء في المشهد الشعري ، او في السرد اذا صحت هذه الثنائية واذا لم نصل الى نوع من النمطية والقصيدية في هذا المجال، فاعتقد انها مسألة تحمل كثيرا من الثراء في المشهد الشعري والكتابي العربي وتبشر بالخروج من نمطية القيم والاجواء التي وصلت اليها الشعرية العربية وارتطمت بجدارها حسب تعبير الراحل يوسف الخال الذي استخدمه بمجال الارتطام في مجال اللغة على طريقته الخاصة، وهذه المسألة تندرج ربما في سياق التجربة الخاصة لتاريخ الشعر العربي الحديث كما انها تأثرت بشعراء وكتاب على الصعيد العالمي واللاتيني خاصة، وهناك ملاحظة في قراءتي للمشهد الشعري والكتابي في هذا المنحنى فهناك من يستثمر السرد في النشر ويستثمر امكانياته النثرية ليصهرها ويدمجها في التجربة الشعرية دافعا بها نحو مدارات وآاق تعبيرية تحمل الكثير من الطزاجة، وهناك شعراء يكتبون الرواية بمواصفاتها المعروفة على نحو ما وهناك الكتابة التي تؤرخ للمكان والروح والكائن في اضطراره وتوتره وضياعه، اتصور ان ثمة افقا حالما وجديدا على نحو ما لهذه الكتابة لكن العبرة في التحليل الاخير كما يقال للانجاز الابداعي والروحي وليس في التقنيات الشكلية التي يمكن ان تنجز شيئا مهما وتاريخيا في الكتابة والابداع ومن الممكن ان تؤدي الى لفظية وشكلانية مفعمة بالخواء والمجانية.

* كيف ننظر الى الكتابة التي تؤرخ للمكان والروح والكائن وما مدى استظهارها لمفردة الاغتراب التي تؤكدها الدراسات النقدية التي تناولت تجربتك؟

- أتصور ان معظم الكتابات موسومة بهذا الميسم وربما تختلف نسبتها وكثافتها وأصالتها من نص الى آخر ومن عصر الى آخر وربما هي موجودة لدي بكثافة اكبر وتشكل مفردات اساسية لنسيج النص والكتابة ان الشعور بالمأساة والتيه والصحراء والضياع والاغتراب الاجتماعي والوجودي هي نسيج هذا النص ولحمته، ليس هذا من باب تسويق المأساة او الكارثة وانما هو قدر الكائن والكتابة التي تنوء بأعباء هذا الكائن وتوتره وخرابه اللامحدود ان الجميع يضطرب ويتخبط بأعماق هذه المتاهة التي لا سقف لها ولا قرار.

* برأيك من أين جاء الشعور بالمأساة والتيه بداية؟

- هذا الشعور المأساوي بالوجود، بثقل الحياة والزمن، هو قدر المنفصل عن قيم الجماعة والقطيع، ويمكن الزعم انني انفصلت عن هذه القيم بشكل مبكر مثل الكثير من افراد جيلي بأماكن مختلفة، وهناك ايضا الاحساس الوجودي المدمر بمرور الزمن ومأساة هذا العبور، وهذا التغيير وهذا المحو والمحق بحق حلم في الكائن او البشري، وهذا الشعور ربما يختلف من شخص الى آخر اتذكر دائما فضاءات المكان العماني الذي ولدت فيه وقصة الشطر الاول من طفولتي في منحدراته الصخرية والعنيفة. ان تلك الاضاءات والتضاريس في جبالها الجرداء الشاسعة والموحشة ربما تكون من المنابع الاساسية لهذا الشعور بمرارة الكائن واغترابه وانسحاقه امام الزمن، وتذكرني ايضا بقدرة هذا الكائن وجبروته على الصمود رغم الطبيعة القاسية والظروف الصعبة، وفي قدرته ايضا على العيش والانتاج والتكيف بهكذا ظروف التي تذكر بقدرة الانسان على الابداع عكس ظروفه الصعبة وغير المواتية.

* لكل شاعر حلمه او اقتراحه الجمالي الذي يسعى اليه ما هو اقتراحك الجمالي على صعيد الشكل والمعنى؟

- الاقتراح الجمالي بالدرجة الاولى هو الحرية، حرية البحث والكتابة والحياة وهذه الحرية تقود الى افق الابداع الحر على صعيد الاشكال والتقنيات الكاسرة للحدود والتابوات شكلا ومضمونا، ان صح التعبير، وفي خضم هذا النوع من المغامرة تنبثق اقتراحات جمالية وشكلية ورؤية في سياق الكتابة اي ان هذا النوع من الممارسة الحرة والشعور بالامتلاء بها يساعدنا على التعبير عن انفسنا وعن العالم بشكل افضل. احاول الاستفادة دائما من قراءاتي المتنوعة حتى في المجالات العلمية مثلا، ومن تأملي الدائم للمشهد المكاني والبشري، والتحديق في الفاعلية التدميرية التي يمارسها الزمن على هذا المشهد الماضي الى حتفه الحتمي.

* يرى بعض النقاد ان صورة المرأة في تجربتك الشعرية خافتة ولم تأخذ حقها, ماذا تقول في هذا المجال؟

- انا اختلف مع هذا الرأي اذا صحت القراءة لما اكتب، فهاجس المرأة الانثى يخترق كل التجربة الشعرية والكتابية التي مضيت فيها حتى اللحظة بالفعل لا اعرف مدى اهميتها على صعيد الانجاز الابداعي، فهناك دائما هذه الحيرة وهذا القلق وانعدام الرضا تجاه ما نكتب، لكن يمكن الزعم ان في بعض ثيمات هذه الكتابة الثيمة الاساسية هي المرأة التعبير عنها اتخذ اشكالا وتجليات مختلفة ربما تكون في تجربة ما ذاتية في نسيج النص في المكان والجبال والصحراء والمنافي والشتات على سبيل المثال في ديواني "جبال" خاطبت شعريا هذه الجبال هذه الاوابد الدكناء العنيفة والحنونة والشرسة كملاذ روحي امام قسوة الذي نعيش هناك تجليات مختلفة في الانثى وفي الكتابة من الرمزية والسريالية والواقعية اذا صحت هذه التعبيرات المدرسية حتى الصريحة جدا كما في الكتاب الاخير "ألق الصحراء" يختلط الواقعي بالخيالي وبالحلمي على صعيد الانثى بشكل لا يمكن فصله او تمييزه لكن طبعا ليست هناك التصنيفات الغزلية التقليدية وانما المرأة الانثى ذائبة في النسيج الشامل للكتابة وربما تشكل اساس وجودها "اي الكتابة" وجذر بنيتها وربما ايضا الدافع في غالب الاحيان هو الانثى نفسها.

* منذ البداية وانت تكتب قصيدة النثر غير ان احدا لم يرك تدافع عنها او تقف في وجه من يحاربها, السؤال لماذا؟

- بالفعل ليست معنيا بالدفاع عن قصيدة النثر او غيرها مثلما يدافع الانسان عن قبيلته او حزبه، لكني بتبني هذا النوع التعبيري لا بد ان اتبنى الدفاع عن منجزاته الابداعية، وهي كثيرة جدا تجاه الجهلة الذين يهاجمون هذا النوع من الكتابة لمجرد انه قصيدة نثر، من غير الدخول في حكم القيمة ومعيار الوزن الابداعي، والانجاز فهذه المعركة شبه المفتعلة حول انواع الكتابية والتعبيرية لا اعتقد ان لها مردودا ايجابيا على صعيد السجال الثقافي، وانما تفضي الى توترات ومشاحنات وعصابيات لا معنى لها في سياق الكتابة الباحثة عن نفسها في معترك خراب هذا العالم ورعبه وتصدعاته الكثيرة لكن على الشاعر ان يدافع عن خياره الابداعي بالكتابة والشعر الحقيقي والموقف الحقيقي واحترام خيارات الآخرين, ثمة مسألة باعتقادي اساسية في المناخ الثقافي العربي ينبغي ويجب ان يربي نوعا من المحبة في قراءة النصوص سواء كانت شعرا ورواية ونقدا حتى قراءة اولئك الذين يزعمون الخصومة وحتى قراءة اصحاب النوازع العدوانية تجاه الآخر علينا ان نبذر بذرة الصداقة والمودة تجاه بعضنا اشخاصا ونصوصا عبر العزلة والاجتماع, كنت اريد ان اتحدث عن نوع من ديمقراطية ثقافية لكني استبدلت هذه الكلمة بالمودة والمحبة وكبح نوازع العداء المتوهم تجاه الآخر المختلف.

التعليق