مصر: آب شهر الأفراح المزدحم وموسم للطلاق بالجملة!

تم نشره في الأحد 14 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً

  عمان - الغد - يقولون في مصر إن"حصيرة الصيف واسعة"، في إشارة إلى إمكانية السهر والإقامة والنوم وإقامة الأفراح، في الخلاء والهواء الطلق بسهولة، في فصل الصيف، على عكس فصل الشتاء، الممطر البارد.

   وعلى الرغم من أن شهر آب/أغسطس هو أكثر شهور السنة حرا وقيظا في مصر، فقد أكدت إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء،‏ بأنه أكثر شهور الصيف كثافة، في عدد الأفراح، متقدما على شهور الشتاء في أعوام سابقة، وأكثرها أيضا في حالات الطلاق!.

   وفي جولة سريعة على الفنادق والأندية وقاعات الأفراح، أو حتى الشوارع الجانبية في الأحياء الشعبية المصرية، يتضح بجلاء أن الحجوزات"كامل العدد"، ولم تعد هناك أيام محددة للأفراح، مثل الخميس والجمعة والأحد، إذ صارت قاعات الأفراح محجوزة مقدما طوال أيام الأسبوع، وطوال شهور الصيف، خصوصا في هذا شهر آب/أغسطس .

   وتشير أرقام الجهاز المركزي المصري للإحصاء، إلى أن عقود الزواج في آب/أغسطس من عام 2004 بلغت ‏66‏ ألفا و‏426‏ عقد زواج، أي إن ما يزيد على ‏132‏ ألف رجل وامرأة دخلوا قفص الزوجية في هذا الشهر فقط، تلاه شهر أيلول/سبتمبر في المرتبة الثانية‏، وإن‏ أقل الشهور في الزواج هو شهر نيسان/إبريل، الذي تصل فيه حالات الزواج لحوالي ‏33‏ ألفا و‏758‏ عقد زواج فقط، إضافة إلى شهر رمضان الذي يتفرغ فيه المصريون للعبادة، ولا يشهد سوى القليل من الأفراح، في نهايته، ومع اقتراب أعياد الفطر.

   وتختلف أفراح المصريين بين أفراح الفقراء والأغنياء، وأفراح الطبقة الوسطى، فأفراح الفقراء غالبا ما تجري في أندية صغيرة، وقاعات أفراح جمعيات بسيطة، وأغلبها يجري في الشوارع، حيث يتم نصب صيوان (أشبه بالخيام) في منتصف الشارع، يتصدره مكان عال، وكرسيان كبيران، يجلس عليهما العريس والعروس، وتصدع فرق من الشباب الجدد بأغان مقلدة، عبر سماعات "دي جي" قوية، تصم الأذان، وتخرق الأسماع، وتحرم سكان الشوارع المجاورة من الراحة، إلى ما بعد منتصف الليل، وبعض هذه الأفراح، تقام على أسطح البنايات أحيانا!.

   ويعيب أفراح الشوارع أنه ينضم لها، بلا دعوات، الكثير من الشباب العاطل، وأرباب السوابق، لأن الفرح يكون في عرض الطريق. كما تمارس فيها أحيانا مظاهر سلبية، مثل تدخين الشيشة، وربما تعاطي ممنوعات أخرى، ما قد يؤدي لتحول الفرح إلى معركة لأتفه الأسباب،    وينتهي الأمر إلى قضاء العروسين الزفة في قسم الشرطة أو المستشفى، فضلا عن تحرير بعض الجيران محاضر في أقسام الشرطة، بسبب الإزعاج، الذي تسببه الضوضاء الصادرة من هذه الأفراح، عبر أجهزة الـ"دي جي" .

     أما أفراح الأغنياء و"الكبار"، التي تقام غالبا في فنادق وقرى سياحية من فئة خمس نجوم، أو في فيلات خاصة، ومنتجعات سياحية، والتي تتنافس الصحف المصرية المستقلة الفضائحية في نشر تفاصيلها، طوال أيام الصيف، مستعرضة ما بها من أطعمة، بعضها مستورد، وأنواع من المأكولات والمشروبات، لم تخطر على قلوب الفقراء والمساكين، حتى إن هناك أرقاما بالملايين تنشر عن تكاليف هذه الأفراح .

لماذا آب؟

    يقول خبراء في مركز الدراسات الاجتماعية والجنائية، إن سر كثافة الأفراح في شهور الصيف، يعود غالبا لكونه موسم عودة العاملين المصريين في الخارج، إلى قضاء إجازاتهم الصيفية، إذ إنهم الأكثر استعدادا من الناحية المادية للزواج، كما إن غالبية المصريين باتوا يفضلون فصل الصيف عموما، على عكس أشهر الشتاء، والتي غالبا ما تنشغل فيها الأسر بالدراسة والدروس الخصوصية، ومصاريف أخرى كثيرة، كما إن عقد الأفراح في أيام الصيف الجميل يتيح فرصة للسهر، على عكس ليالي الشتاء المتقلبة.

    ويقول خبراء في المركز، إن مواسم الزواج في مصر عموما تغيرت، نتيجة تغير التركيبة الاجتماعية، وعوامل الزمن، إذ كان المصريون يفضلون غالبا شهور الشتاء، بداية من أيلول/سبتمبر لأسباب بيولوجية، ولا تعقد الأفراح في الصيف سوى في القرى، حيث الأفراح مرتبطة بمواسم جني المحاصيل الزراعية، وتحصيل عوائدها، والزواج بها، ولكن انقلاب مستويات الدخل لصالح فئات اجتماعية جديدة، أدى لتفضيل غالبية الأسر أشهر الصيف للزواج، مما أدى لحجز غالبية قاعات أفراح الفنادق، لعدة أشهر قادمة، وقبل الأفراح أحيانا بشهرين أو أكثر.

وللطلاق في الصيف نصيب!

   الغريب أن إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، تشير أيضا إلى تزايد حالات الطلاق في الصيف، وتشير إلى أن أغلب الزيجات، التي يقع فيها الطلاق يقع في العام الأول للزواج، أو بعد مرور عام تقريبا، مما يعني أن الطلاق يكثر أيضا في شهور الصيف، وربما أكثره في آب/أغسطس أيضا.

   وكشف الجهاز عن أرقام مذهلة بشأن الطلاق في مصر، إذ سجل في اليوم الواحد 240 حالة طلاق، أي بمعدل حالة في كل ست دقائق، وأن من بين كل 100 حالة زواج تتم في القاهرة، ينتهي 33 حالة منها بأبغض الحلال، ليصل عدد الأسر التي تتفكك سنويا نتيجة الطلاق إلى 90 ألف أسرة. وتسجل بذلك مصر أعلى معدلات طلاق في الدول العربية، تليها الأردن، ثم السعودية، فالإمارات والكويت، ثم البحرين وقطر والمغرب.

   وبخصوص في أي سنوات الزواج يقع الطلاق؟ اتضح أن 34.5 في المائة من حالات الانفصال، تتم في السنة الأولى، و12.5 في المائة في السنة الثانية، و40 في المائة في سن الثلاثين للعروسين، في حين يقل اللجوء للطلاق عندما تبلغ المرأة الأربعين، كما إن أعلى حالات الطلاق تتم في الفترة العمرية من العشرين إلى الثلاثين.

   وكان تقرير سابق صادر من جهاز الإحصاء، أكد أن عدد المطلقات في مصر بلغ مليونين و459 ألف مطلقة، وكشف التقرير عن أن 42 في المائة من حالات الطلاق، يقع بسبب الحالة الاقتصادية للزوجين، وعدم قدرة الزوج على الوفاء بالتزامات واحتياجات الأسرة.

أفراح إسلامية

   بدأت تنتشر في مصر موضة ما يسمى"الأفراح الإسلامية"، وهي غالبا ما تنقسم إلى نوعين: الأول وهو عبارة عن عقد القران في مقر مشيخة الأزهر، أو دار الإفتاء، أو قاعات المساجد الكبرى، المعدة لذلك، والتي لا تتعدى تكلفتها قرابة 20 دولارا، يليها توزيع حلويات وإطلاق بعض الزغاريد، على أن يقام الفرح الأصلي(الزفاف)، في فندق أو قاعة حفلات أخرى بفرق موسيقية.

   أما النوع الثاني، فيعقد بأكمله داخل قاعات أفراح إسلامية ببعض الفنادق، يتم فيها الفصل بين النساء والرجال، أو يقتصر، في أفراح الفقراء، على عقد القران في المساجد، أو قاعات الأندية المهنية، مع زفة إسلامية بسيطة، من فرق إنشاد، يقتصر ما تحمله من آلات على الدفوف، وبعضها يفترش الشوارع أيضا، ويقتصر على مكبرات صوت وتسجيلات لأناشيد دينية، وأغاني أفراح إسلامية، مع توزيع الحلوى على المدعوين الجالسين على مقاعد في الشارع.

    وقد بدأت مصر تشهد مؤخرا انتشار الأفراح الإسلامية على نطاق واسع، وتركزها في المساجد، وامتدادها إلى الفنادق الكبرى، بحيث صار لهذا النوع من الأفراح طقوس أيضا، على غرار أفراح الفنادق، ولكن بطريقة مختلفة، تتضمن قرع الدفوف، وأداء الأناشيد الإسلامية، وإلقاء أحد علماء الدين المدعوين خطبة دينية، قبل عقد القران، بل وصارت هناك فرق إسلامية معروفة تعلن عن نفسها في الصحف المصرية، لإحياء الأفراح مثل فرق: "الفجر الإسلامية"، و"النور"، و"اليشمك" وغيرها، المنتشرة في مدن القاهرة والإسكندرية والمنوفية والشرقية.

ثم تطورت هذه الأفراح الإسلامية، وزاد الإقبال عليها، بسبب انتشار التدين بين فئات الشعب المصري، بشكل كبير من جهة، ولرخص تكاليفها، مقارنة بأفراح الفنادق، من جهة ثانية، وصارت الفنادق المصرية الكبرى تتكيف مع هذا الإقبال الشديد، ومع هذا النوع من الأفراح، وتعد ترتيبات خاصة لها، إذ يتم حجز قاعتين، واحدة للنساء والثانية للرجال، بحيث تستمتع العروس بحريتها بين قريناتها، وترقص مع عريسها دون خجل، ويبقى العريس مع الرجال، لحين عقد القران، ثم ينتقل إلى عروسه، ويتنقل بين القاعتين.

   وتختلف الزفة الإسلامية عن الزفة الفلكلورية، التي غالبا ما تقال في الأفراح(اتمختري يا حلوة يا زينة)، وتتقدمهم راقصة تزف العروسين للسيارة المجهزة بالورود، وتتضمن الزفة الإسلامية أغنية ذات إيقاع هادئ، لإحدى الفرق الإسلامية الجديدة، أو لمطربين ينشدون أغاني دينية، مثل أغنية(نور هلَ من السماء) للمطرب السوري عماد رامي.

   ويقول العروسان اللذان يلجآن إلى هذا النوع من الأفراح، إن هدفهم هو إرضاء الله، والابتعاد عما يحدث في أفراح اليوم من محرمات، واختلاط ورقص، وإسراف غير مبرر، وينفون أن يكون الهدف الأول هو خفض التكاليف، كما يقال، بدليل انتشار عقد الأفراح الإسلامية، في الفنادق وحجز قاعتين، وليس قاعة واحدة، مما يزيد من كلفة الفرح، ولكنهم يقرون بأن الفرح على الطريقة الإسلامية، يوفر مع ذلك نفقات الراقصة والفرقة الموسيقية، ونفقات لمظاهر أخرى لا لزوم لها.

    وتصل كلفة الأفراح التي تعقد في فندق أو قاعة أفراح عدة آلافا من الجنيهات المصرية قد تصل بين 10 و15 ألف جنيه(ما يزيد على ألفي دولار)، وقد تزيد التكاليف وفقا للترتيبات المطلوبة، حيث تصمم بعض الفنادق زفات فرعونية أو تاريخية، يلبس خلالها العروسان ملابس تناسب نوع الزفة، ويركبان عربات تتناسب أيضا مع نوعية الزفة، وهذه تكلف عشرات الآلاف من الجنيهات .

     وقد بدأت غالبية الأسر المصرية، تختار منذ عدة سنوات، عقد القران في أحد المساجد الكبرى، في حضور عدد من الأهل والأصدقاء، حيث يتم العقد في هدوء، باستثناء الزغاريد، وذلك خفضا للنفقات في ارتفاع تكاليف الزواج من سكن وأثاث وغيرها، على أن يجري الزفاف فيما بعد في حفل يقام في الطريق العام(في الأحياء الشعبية الفقيرة) أو في قاعات الحفلات.

قواعد الزواج تغيرت .. والحب ليس معيارا

   تشير دراسات مصرية إلى أن ظروف الحياة الاقتصادية الصعبة، بدلت كثيرا من قواعد ومعايير الزواج، فلم يعد الأمر يقتصر على فكرة الحب، كمعيار وحيد للزواج، في عرف الفتيات، وقد أجرت مجلة"آخر ساعة" استطلاعا للرأي بين 300 فتاة أعمارهن ما بين 18 إلى 30 عاما، مع تفاوت مستوياتهن المادية والاجتماعية والدراسية، فأظهرت النتائج بأن 83 في المائة من الفتيات، رفضن أن يقوم زواجهن على الحب فقط، مع أهميته في نظرهن، وقلن إنه يجب اقتناع العقل أولا بظروف الزواج المادية، وتناسب مستواه الاجتماعي والفكري .

    كما أكدت النتائج عدم تمسك الفتيات المصريات بشروط الزواج التقليدية، وأنهن صرن ينظرن إلى فتى الأحلام والمعيشة، بتساهل أكثر من الماضي، وصرن لا يتمسكن بتقارب السن، ولا بالشهادات العليا، أو كثرة الإنجاب.

    وأكدت نصف الفتيات، اللائي شملهن الاستطلاع، على عدم أهمية فارق السن بين الزوجين بالنسبة لهن، وهي نقطة مثيرة للجدل بين أسر الفتيات التي كانت ترفض العريس كبير السن، إذ يمكن أن يصل الفارق لأكثر من عشر سنوات، فيما رأت 78 في المائة من العينة، عدم الاهتمام بشكل العريس الخارجي، واشترطت 52 في المائة منهن القبول والوسامة في الرجل.

   ورأت 41 في المائة من العينة أن"الشبكة"، وحفل الزفاف، وشهر العسل، صارت جميعها إسرافا مرهقا لا داعي له، وأصرت نفس النسبة على استمرار العمل بعد الزواج، واستبعدن تماما فكرة المكوث في البيت، لرعاية الزوج وتربية الأولاد.

    وكشف الاستطلاع عن تمسك 82 في المائة من زوجات المستقبل بالمعيشة في شقة مستقلة، بعيدا عن الحماة، وإن كان 27 في المائة منهن، يقبلن بالشقة المتواضعة، في بداية الحياة الزوجية، وأكدت 53 في المائة على الرغبة في الإنجاب بعد الزواج مباشرة، وفي حدود طفلين فقط، وقبلت 69 في المائة أن يكون أزواجهن أقل منهن تعليما، بشرط وجود الحب، وتوافر دخل جيد من عمل شريف.

     والمثير، كما جاء في الاستطلاع، أن زوجات المستقبل، قلن بصوت عال إن"الشهادات الدراسية والجامعية لم تعد تفتح بيوتاً، بعد أن كان هذا شرطا أساسيا لقبول الزوج في سنوات ماضية!.

     وقد أعد الدكتور إسماعيل عبد الباري أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة الزقازيق بمصر، دراسة على عينة أخرى مكونة من 1500 زوج وزوجة، كشفت بأن 96 في المائة من حالات الزواج التقليدي تنجح و75 في المائة من زواج الحب فشلت!.

     وجاء في الدراسة أن ثلاثة أرباع حالات الزواج، التي تمت بعد قصة حب فشلت تماما، وانتهت بالانفصال بين الطرفين. أما الزواج الذي يتم عن طريق الخاطبة أو الأقارب والأصدقاء والجيران، فإن نسبة نجاحه تتعدى 95 في المائة. وأكد الباحث من خلال الدراسة، أن نسبة زواج الحب عموما، لا تزال محدودة في المجتمع المصري، حيث لا تتجاوز 15 في المائة فقط.

     ويبرر الدكتور إسماعيل فشل غالبية زواج الحب، بأنه "ينقصه التعقل والتريث والاتزان، ويغلفه الاندفاع واللهفة والكذب". ويقصد بالكذب الانجذاب للمظهر دون الجوهر، والمبالغة في تقويم كل طرف للآخر، ورؤيته في صورة مثالية، فالعاشقون يحلقون في الفضاء، ويبنون قصورا في الهواء، ولا يقفون على أرض الواقع الصلبة، بعكس الزواج التقليدي الذي يكون كل شيء فيه مدروسا عقليا.

التعليق