دمشق: عاصمة الأسواق القديمة والليل الذي لا يهدأ

تم نشره في الجمعة 5 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • دمشق: عاصمة الأسواق القديمة والليل الذي لا يهدأ

   دمشق- الساعة تقترب من منتصف الليل، لكن صفارات السيارات في شارع ميسلون، الذي يقع فيه فندق الشام ، لا تتوقف.. الشارع مزدحم بالسيارات والمارة.. سوق صغير ينتصب على جانب الطريق، ومحلات البوظة و"الآيس كريم" والعصائر والمطاعم مشرعة أبوابها، والحركة فيها لا تتوقف.. هكذا هي دمشق، وقد ألقت بيوتها ما في بطونها إلى الشارع، في هذه الأيام الصيفية الساخنة، بعد أن خفّ لهيب الشمس وبدأ الهواء يميل إلى الرطوبة المنعشة، وخف نزيف العرق المتصبب من الجبين، من دون أن ينقطع.

    والتجول في سوق الحميدية  له متعة رغم الازدحام الشديد، فالمتاجر في قمة عملها، والناس يسيرون الهوينى في الاتجاهين في السوق القديم، المزدحم بالناس وبالبضائع من كل لون ومن كل صوب وحدب ومن كل منشئ.

    الشاب معن مصطفى ابن التاسعة عشرة ربيعا يلعب بكؤوسه في الهواء، ويسكب فيها عصير التمر هندي، بطريقة مشهية.. يسكب الماء من إبريق صغير من مسافة قصيرة ثم تبدأ المسافة في التباعد، ثم تتقاصر فجأة.. يسكب الماء.. يبل الأرض الظمأى بشيء من إكسير الحياة، هي أحوج ما تكون إليه في هذه الأيام القائظة، ثم يسكب التمر الهندي من إبريقه الكبير، المعلق على ظهره، ويضيف إليه قطرات رقيقات من ماء الزهر، ويقدمه لزبائنه مبتسما في وجوههم..

    يستلم معن من الزبون عشر ليرات لكل كأس، أو ما يعادل 20 سنتا من الدولار.. يضعها في جيبه، ويقدم كأسا جديدا لزبون جديد، بعد أن يغسله ويسكب فيه عصير التمر الهندي وماء الزهر، في حركة مستمرة لا تكاد تتوقف.. أما إذا أعطاه الزبون ورقة مالية من فئة 50 ليرة أو أكثر، فإن معن يمد يده بلطف ومهارة إلى طربوش جميل يضعه على رأسه.. يضع فيه الوريقات المالية، ويرد الباقي إلى الزبون الذي يكون قد ارتوى من العصير.

    غير بعيد عن معن مصطفى ينتصب بائع تمر هندي آخر.. له حركاته الخاصة، وطريقته المميزة في جلب الزبائن.. إنه تمام محمد الربيع البالغ من العمر 25 عاما، بائع التمر هندي منذ 8 أعوام كاملة. يصف لباسه وعدته بالقول "هذا الصف بينحط فيه الكاسات.. هذا إبريق تمر هندي ينحط في قلبه التمر هندي والثلج.. فيه هون عندك إبريق مي (ماء)، وفيه الطربوش.. الطربوش هذا فيه المصاري، ومنه منظر، وفيه عندك هاي الصدرية: اللباس العربي، والشروال والكسرية.. طبعا هذا كلاته (كله) زي عربي أديم (قديم).. وهذا كله تراث سوري".

    يقول تمام إنه تعلم هذا العمل عند شخص اسمه أبو بشارة "هو صاحب هاي الشغلة بالأساس.. أبو بشارة الحلتة.. صاحب كل شي إبريق تمر هندي بالشام.. بسورية كمان". وأضاف "الحميدية.. شارع النصر.. القصر العدلي.. كله هذه إيلو.. هاي إيلو وأنا أشتغل عندو". وسكت قليلا ثم قال "هذا تمر هندي.. تمر هندي عادي طبيعي.. هو من الهند بيجي.. بس عصيرنا".

    خارج سوق الحميدية.. في الأسواق الشعبية، التي تمتد على كثير من الأرصفة في شوارع دمشق القديمة.. أباريق التمر هندي لا تغييب.. إنك تجدها، في هذا الصيف الحارق، حيث ما وليت وجهك، لكن الأسعار تختلف، فغير بعيد من دوار المزة مثلا، حيث يوجد سوق شعبي يغزو جميع الأرصفة القريبة، ينخفض السعر.. يصبح 5 ليرات سورية فحسب لكأس العصير، والكل يشرب، ويخفف ما به من حريق.

     "طيبة باردة .. طيبة باردة.. تع روق دمك".. "دمعة أصلية.. تشربها العجوز ترجع صبية".. إنه عصير التوت، الذي يعرضه البائع ضياء عبود، ذو الـ34 ربيعا، مع اثنين من "الصناع" الماهرين، يبدعان في وصف ما يبيعان من عصير للعطشى الملهوفين.. شربت كأسا من العصير مخلوطا بالثلج، وسألت البائع هل لي من أمل في أن يسود ما ابيض من شعر رأسي، إن كان عصيره يرد العجوز صبية، لكن البائع، الذي يبدو معتادا على طرح السؤال عليه أجابني بسرعة وبخفة دم قائلا إن عصيره يرد القلب شابا بعد أن يهرم، أما الشعر الأبيض فليس لي حظ في سواده من جديد.

    البائع عبود يبدو أكبر من سنه، وهو بائع متجول منذ سنين بعيدة، يبيع كل موسم ما يقدّر أنه مدر للمال من ذرة وفول وما سواهما.. وفي كل صيف يختار بيع عصير التوت الشامي، غير بعيد من المسجد الأموي.. يقول إنه قضى عشرين عاما وهو يبيع هذا العصير، وأنه مع الوقت ومرور السنين توسع عمله، وصار لديه من يعاونه.. يأتي بالتوت من جبل الشيخ، ويقوم بعصره وتصفيته، ثم يأتي به لعرضه على الزبائن، مشهيا إياهم فيه بمعسول القول، فيشربون ما لذ منه، ويجمع هو من المال ما يستعين به على نوائب الدهر.

    يقول عبود إنه يحرص على الأخلاق في التعامل مع زبائنه، وأنه يعتبر الزبون دائما على حق، ولعله يستوي في ذلك مع من سواه من التجار، وأنه يضطر للصبر على مكاره بعض الزبائن، حتى تمشي الأمور، ويستمر في عمله،"فحتى لو شتمنا الزبون نسامحه.. نقول له الله يسامحك، لأن مصلحة العمل تتطلب الهدوء والمسامحة والعمل الجيد".

ويقول إنه لا يعرف الراحة، وإنه يعمل في اليوم أكثر من 15 ساعة كاملة.. وحين مازحته قائلا "تبدو الصحة حديد"، أجاب مبتسما "الحمد لله.. الحمد لله.. الصحة منيحة".

    أما عبدالفتاح حلوان "الصانع" عند المعلم عبود فيدرس في الجامعة، وهو في السنة الرابعة في كلية الاقتصاد، لكنه اعتاد منذ عامين، مثله مثل كثير من نظرائه وأنداده من الشباب، أن يبيع عصير التوت الشامي في الصيف ليجمع بعض المال يساعده على مصاريف الدراسة. يتحدث عبدالفتاح معي قليلا ثم ينادي على زبائنه بصوت جهوري "طيبة باردة .. طيبة باردة.. تع روق دمك".. "دمعة أصلية.. تشربها العجوز ترجع صبية".. أو يسكب ببراعة عصير التوت في كأس ويقدمه لزبونه مثلجا لذيذا. وحين سألته عن أطرف شيء قابله في عمله هذا، خلال العامين الماضيين.. فكر قليلا وقال إن أطرف ما قابله أن شابا جاءه يوما وطلب منه أن يعطيه ثلجا دون عصير.. وسكت قليلا وأضاف ضاحكا "يبدو أن قلبه كان سيحترق فطلب ما يطفئ به النار فأعطيته".

    وفي نهاية سوق الحميدية  حيث تواجهك البوابة الرئيسية للجامع الأموي.. الذي  بدا عظيما شامخا في السماء.. الناس يدخلون ويخرجون.. آذان المغرب يصدح، والناس خارجون من الباب الرئيس، بعد أن تجولوا في أطراف المسجد العظيم.

    نساء وأطفال يتجمعون في حلقات ، يجلسون في فناء المسجد على الرخام البارد الجميل، هربا من الهواء المختنق في الخارج.. مجموعات أخرى في الداخل تتحدث أو تصلي في خشوع، وأصوات المؤذنين تنساب رائعة رتيبة بأنغام ساحرة..

    ولا تكتمل الرحلة دون زيارة حديقة تشرين، والوقوف على نهر بردى، الذي أعطاه أمير الشعراء أحمد شوقي شهرة طارت به في أرجاء الدنيا.. إنها أعظم حديقة في العاصمة دمشق.. بل هي رئة دمشق التي تتنفس منها في ظل الزحف المتزايد للعمران والسيارات.. لكن بردى بدا لي صغيرا منكفئا على نفسه، كجدول هامشي. إنه يفيض ويمتلئ في الشتاء، فصل نزول الأمطار.

    الناس في الحديقة حيث ما اتجهت.. الهواء رائق وممتع.. العائلات تجلس مجموعات مجموعات.. هنا يأكلون ويشربون ويتسلون، والأطفال حولهم يمرحون ويتخاصمون ويضحكون ويبكون.. غير بعيد من ذلك  تجمع ما بين 15 أو 20 شابا يغنون، ويرقص أحدهم ببراعة في وسط الحلقة التي شكلوها بشكل تلقائي.. يتجمع حولهم بعض الأطفال، وكثير من السوريين والعرب يجدون في الحديقة الكبيرة متنزها بعد أن قضوا شطرا من الوقت في المطاعم والمقاهي المنتشرة على ضفة بردى من جهة جبل قاسيون. هنا يلتقي العشاق، ولهم في الحديقة ساحة عظيمة بالغة الجمال باسمهم.. أو يلتقي أصحاب الأعمال ومن أراد أن يتمتع بجمال الحديقة، من دون أن يخالط "العامة" من الناس.. لكن العامة يبدون أسعد في هذه الحديقة من سواهم .

التعليق