"سوق الحميدية" يرسم صور التراث الاولى في النسيج المعماري لمدينة اربد

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • "سوق الحميدية" يرسم صور التراث الاولى في النسيج المعماري لمدينة اربد

 كوكب حناحنة

   اربد- في احد الشوارع الذي يتفرع عن ميدان الملك عبدالله وعلى مقربة من سوق الخضار"الحسبة" في وسط المدينة، وبالجهة المقابلة لمسجد اربد الكبير، تقصيك الخطوة عن اصوات تتعالى بهدف الترويج لاصناف مختلفة من الخضار والفواكة، الى اقدم سوق في منطقة الشمال عموما ومحافظة اربد خاصة، وهو سوق الحميدية الذي شيدت جدرانه مع بداية السبعينيات، وتعود ملكية ابنيته الى عائلة ارشيدات.

وما ان تخلص من ضجيج الباعة في الحسبة حتى تجد نفسك في مكان مغاير تماما، فالسمة التي تغلب على هذا السوق الذي تجاوزعدد محلاته الـ "60 "محلا ويختص في بيع الالبسة والمكياجات واجهزة العرائس والتي يندر وجودها في اسواق اخرى في مختلف محافظات المملكة وفي مدينة اربد ايضا، هي هدوء المكان الذي يجبرك على الوقوف قليلا للاستراحة من العناء والتعب والصخب الذي يجاوره، ويلاقيك اصحاب محلاته بالترحاب والتحية الى لحظة مغادرة اخر محل فيه.

هذا ما يؤطر زيارتك وللوهلة الاولى لسوق الحميدية، مما يشدك الى ضرورة معرفة تفاصيل الصورة التراثية التي يحملها هذا السوق وتاريخه وقصته التي تحكيها جدران امتد انشاؤها عقودا من الزمن، ولن تجد خير مترجم لتفاصيل" الحميدية" الا الحاج ابو محمد الشوهة صاحب اقدم محل البسة في السوق، الذي يطلق عنان الفكر الى ما قبل عام 1972 عندما كان سوق الحميدية مكانا لـ"حسبة الخضار" يرتادها ابناء اربد لتأمين حاجتهم اليومية للطعام.

   وبصوت يبوح بحب المكان وعشقه، وبتقسيمات وجه اعتاد على استقبال الزبائن والمارة بحفاوة بدأ محمود فالح حديثه مسترسلا في وصف بدايات تشكيل وبناء أولى لبنات السوق فيقول: كان سوق الحميدية قبل السبعينيات مكانا يرتاده اهالي اربد لشراء الخضار والفواكة، ولكنه تحول في العام 1972 وبناء على رغبة رئيس البلدية انذاك محمد احمد سليم الى سوق تجاري لمحلات لبيع  الملابس الجاهزة "نوفوتية" وبعد موافقة وزارة البلديات تم ذلك وبوشر في بناء السوق فعليا على ارض الواقع، فاحتضن محلات متجاورة ارضيتها مزركشة بالبلاط القديم في حين كان طرازها المعماري على شاكلة ما هو شائع في بلاد الشام انذاك، وتختص المحلات ببيع الملابس الرجالية والنسائية والولادية والبناتية وملابس الاطفال، وليشيد بذلك اول سوق "نوفوتيه" في اربد.

وتابع الحاج فالح "72" عاما وهو يسترجع ثلاثين عاما هي عمر انطلاقته في عالم التجارة في هذا السوق: كان قرار مجلس واعضاء البلدية في ذلك الوقت ان يحمل السوق اسم" الحميدية" ولعل هذه التسمية جاءت من قبيل التأسيس لسوق مشابه في دمشق ويحمل الاسم ذاته، وانبرى اصحاب المحلات وبعد انهاء المالك صلاح ارشيدات انذاك من تشييد المكان واتخاذهم لمحلاتهم والتي بلغت 45 محلا، في توفير مستلزمات اسر مدينة اربد وما يجاورها من المناطق من الملابس المختلفة التي تواكب الموضة وتحافظ على توفير الزي التراثي لمن يطلبه.

   وأ كد ان الاقبال على السوق وشراء موجوداته بلغ اوجه في الاعوام الاولى من الانطلاقة الحقيقية له، واستمر الحال على هذه الشاكلة بتحقيق الربح الجيد لاصحاب المحلات حتى حرب الخليج الاولى، بعده انقلب الحال الى الضد، واصبحت الحركة الشرائية تتراجع شيئا فشيئا الى ان وصلنا هذه الايام الى حد اذا بعنا فيه ببعض الدنانير خلال اليوم نقول اننا اشتغلنا.

ويذهب الى ان التطورات دخلت على سوق الحميدية، حيث كانت المحلات المختلفة التي تطل ابوابها على الساحة تم استغلالها في عام 1985 حيث تم انشاء العديد من المحلات مع الابقاء على ثلاثة مداخل رئيسية تعمل على وصل السوق بثلاثة شوارع هي شارع "بلال بن رباح" وشارع "السينما "وشارع "الجامع الكبير"، وقبل عشرة اعوام تم ادخال تجديدات اخرى على السوق، من ضمنها انشاء عشرة محلات ،اخذت مكانها في الطابق الثاني من البناء وتنوعت في معروضاتها بين الاكسسوارات والمكياج، في حين احتضن الطابق الثالث من البناء مشاغل للخياطة تزود السوق بما يلزمه من الملابس مختلفة الموديلات، مؤكدا الى ان محلات السوق تتغذى بالبضاعة من مشاغل خياطة في جبل الحسين ووسط البلد الى جانب استيراد بضائع اخرى من سوريا ، مشيرا الى ان الاجرة كانت مع بداية انطلاقة السوق تبلغ 100 دينار سنويا، ومع تعديل قانون المالكين والمستأجرين تضاعفت الاجور السنوية بشكل يخدم المالك.

   في حين يؤكد ابن الحاج فالح الشاب محمد الذي اختار العمل في محل "للمكياج" في هذا السوق بعد ان رافق والده في هذا المجال اعوام طويلة، ان الحركة الشرائية في السوق جيدة مقارنة مع الوضع الاقتصادي في المملكة، مبينا انه وخلال 15 عاما من عملة في هذا المحل استطاع ان يكون علاقات جيدة مع الزبائن مما جعلهم يتردوون عليه باستمرار.

ويشير الحاج فالح "شجعت ابنائي على خوض تجربة التجارة في سوق الحميدية بعد ان اصبح المحل لا يستوعب وجودي وابنائي الثلاثة، فجاء قراري باستئجار محلين لمحمد ويحيى ، في حين آثرت ان يبقى ابني الاصغر بلال الى جانبي يساعدني في ادارة شؤون المحل وكان هذا القرار بعد ان علمتهم اسرار المهنة وخفاياها"، لافتا الى ان "علاقاتنا ببعضنا كاصحاب محلات اخوية والروابط بيننا قوية ومتينة، وامتدت الى عائلتنا، مما شكل نسيجا اجتماعيا قويا في السوق، وانعكس ذلك على المكان ورواده، فلا يوجد اية مشاكل وفي حال وجود اية مشكلة فاننا نتظافر جميعا لحلها، كما ان الزبون يشعر بالراحة والطمأنينة والهدوء وهو يتجول في"الحميدية".

   ويروي فالح قصة من سكنوا هذا المكان قبل عقود، وكيف غادر الكثير من اصحاب المحلات الحياة وتركوا ابنائهم ليكملوا المسيرة مع اهالي اربد وقاطنيها بكل حب واخلاص.

   ويؤكد ابو حسن صاحب احد المحلات ان حركة الشراء في تراجع مستمر، مما يؤثر سلبا على ظروف اصحاب المحلات المعيشية، منوها الى ان التعامل بخلق مع الزبائن هو رصيد كل تاجر في سوق"الحميدية".

ويشير" كثيرا من الزبائن يترددون على محلي بشكل يومي ليس بهدف الشراء فحسب بل بهدف قضاء الوقت والتسلية لانهم يجدون حسن المعاملة والترحاب من قبلنا، ومع الايام تتكون علاقات صداقة واخوة فيما بيننا وبينهم.

وبين ان الروابط بين اصحاب المحلات التي تحكمها  جملة من العلاقات القائمة على الحب والعادات الحميمة تقف في وجه اية مشكلة تقع في السوق، مشيرا الى انهم يد واحدة في حال وجد أي طارئ يعيق عملهم، منوها الى ان علاقات وطيدة اقامها اصحاب المحلات مع الزبائن ومنها ما امتد على مدار 25 عاما.

وتذهب "حنان منيزل" الى انها تترد على السوق منذ اعوام، وانها تجد المتعة وهي تتجول في محلاته التي تشعرك بالبساطة، مشيرة الى"الصرعات والموضة اخذت تغزو اسواق اربد وهذا امر لا يروق لي لانها تقصينا عن ديننا وعاداتنا العربية، واجد في سوق الحميدية الاصالة والتمسك بالزي القريب من تقاليدنا واعرافنا".

بينما تؤكد "نجاح احمد" ان السوق رغم طابعة الشعبي القديم، الا انه يواكب الموضة في الوقت ذاته، مشيرة الى ان السوق يخلو من المشاكل واية منغصات قد تعترض الفتيات، ويسوده الهدوء، كما ان اسعاره مقارنة باسواق اخرى في اربد مناسبة لذوي الدخل المحدود.

وعلى جنبات الممر الواسع الذي يحتضن محلات سوق"الحميدية" وعلى يمنيك ويسارك وانت تخترق هذا الطريق رغبة منك في اكتشاف تفصيلة اخرى في اربد القديمة تجد نفسك بين مجموعة من اصحاب المحلات الذين يحتفون بزوار المكان بطرقهم الخاصة وعبر كلمات طيبة وصيغ ترحيبية اقتربت من لهجات ساكني اربد وحواريها تنقش في ذهنك البساطة وتعود بك الى تراث اربد الاجتماعي وارثها المحكي وتخط في وجدانك "لبنة الاساس" التي تراكم عليها بنيان هذا السوق وجدرانه العريقة.

التعليق