علاقة الأم بابنتها: تربية جيل يعيش غدا آخر

تم نشره في الثلاثاء 26 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً
  • علاقة الأم بابنتها: تربية جيل يعيش غدا آخر

تغريد الرشق

   عمان - علاقة الأم بابنتها تعتبر من العلاقات الهامة وذات التأثير الأساسي في حياة الفتاة. وبالرغم من انها في الظاهر قد تكون علاقة بسيطة لا يتعدى فيها دور الأم سوى اعطاء النصائح او الأوامر والاستماع احيانا لما تختار الفتاة بثه من همومها، الا ان دراسات علمية اكدت ان على الأم تطوير عامل الاعتماد على النفس لدى ابنتها والنمو عاطفيا ككائن مستقل مع قدرة على التصرف والتفكير الحر والملتزم، لأن التشدد لا يجدي، وهنا يجب اعطاء الفتاة مساحة من الحرية وغرس حسن استخدام هذه الحرية فيها منذ الصغر لأن هذا هو السبيل الوحيد لضمان عدم انجرافها وراء مغريات ومخاطر سن المراهقة والتي يعتبر أخطرها إدمان المخدرات.

     وتشير دراسات الى ان بعض الفتيات، ونتيجة لانعدام التوافق النفسي مع الأم، تبحث عن ام بديلة قد تكون الجدة او غيرها من الأقارب او قد تكون والدة صديقتها، كما ان علاقة الفتاة بأمها يجب أن تعتمد معايير الحذر والتوازن وبإدراك الأم لأهمية لمرحلة التي تمر بها فلذة كبدها عن طريق مراقبتها دون ان تشعرها بذلك، لأن المراقبة المباشرة تخلق نوعا من التحدي ورفض هذه المراقبة من قبل الفتاة واعتبارها مهينة لكرامتها.

       اما سبل النصح، فيجب ان تكون بطرق غير مباشرة وبدون استخفاف بذكاء الابنة، وهنا يأتي دور حنكة الأم بتسخير الايحاء او ضرب الأمثال والقدوة، كما يهم ان تتبع الوالدة نفسها اسلوب الصراحة مع ابنتها. فهي لن تتوقع الصراحة التامة من جانب ابنتها في الوقت الذي تخبئ هي اسرارا او تخفي امورا معينة عنها.

       يرى جمال داوود (معلم في مدرسة) ان الأم المعاصرة تعلمت وتثقفت في كثير من امور الحياة، الا انها لم تتلق تعليما خاصا بالزواج وتربية الأولاد، وهو ما يعتبره اهم ما يجب ان تتعلمه المرأة، مشيرا الى ان هذا ما تحتاجه الأم في سبيل رعاية اولادها. فمهما عظمت خبرتها وخبرة المحيطين بها فإنها كما يقول "تظل في حاجة لتثقيف نفسها بقراءة كتب علم النفس المختصة بتربية اولادها وكيفية التعامل معهم"، ويتابع جمال قائلا: "معظم الأمهات يتّبعن أسلوبا بعينه ويعتقدن انه الأفضل ولسن على استعداد لتغييره. تشاهد المرأة برامجا منوعة على التلفزيون لإعطاء نصائح حول التربية، الا انها ما ان تغادر عيناها الشاشة نجدها تنسى ما سمعت وتعود لما تعودت عليه في تعاملها مع افراد اسرتها".

       تشكو آلاء محمد (18 عاما) من سوء فهم والدتها لها وتقول: "امي لا تفهمني ودائما تنتقدني"، وتضيف: "صديقاتي لا يعجبنها.. طريقتي في الدراسة لا تنال رضاها. المفروض ان تكون امي صديقتي ولكن في الواقع انا اخاف ان اقول لها ايا من اموري الخاصة لمعرفتي المسبقة باعتراضها وانتقاداتها اللاذعة"، وتختتم آلاء حديثها بأن اكثر ما يثير حنقها هو انتقاد تصرفاتها من قبل والدتها امام الناس. تقول: "ارى امهات يمدحن بناتهن دائما وأتساءل لماذا تتفاخر امي بعيوبي بخاصة امام اقربائها؟ هل تريد ان يشفقوا عليها؟".

        ويرى باحثون في مجال المعالجة النفسية بأن دور الأم يجب ان يكون مليئا بالعاطفة بالدرجة الأولى، وان دورها لا يقتصر على التواجد بالبيت، بل بضخ الحب والعواطف الدافئة لأولادها. وينصح باحثون بأن تردد الوالدة عبارات مثل "اشتقت اليك كثيرا" لابنتها عند عودتها للبيت مثلا او ومراعاة المستوى الفكري لابنتها وان لا تعمم او تقلد امهات أخريات، فكل حالة تختلف وكل فتاة تحمل طباعا وصفات تختلف عن غيرها، وكذلك تجنب فتح اي حوار في الظروف غير المناسبة واختيار التوقيت والمكان الصحيحين، كما يجب مراعاة ظروف الفتاة النفسية وعدم تصغيرها مهما وجدناها تافهة او بلا معنى، فقد تعني الكثير للفتاة وقد يتسبب تصغير او الاستهتار بمشعارها صدمة لديها قد تطور لاحقا شخصية مهزوزة وسلبية وخنوعة، وأهم ما يشدد عليه الباحثون هو ان الأم يجب ان تتقبل النقد من ابنتها احيانا ولا تعتبره اهانة او قلة ادب، ما دام في حدود المعقول، فيجب ان تنصت الأم لما تقوله ابنتها بما يخصها او بما يزعجها من تصرفات امها معها، وهي ان لم تفعل هذا فلن تعرف أبدا كيف تحبذ ابنتها ان تعامل.

      وتلفت فادية عيسى(37 عاما) الى اهمية إشعار الابنة بأن امها تتقبلها كما هي، وتقول: "ليس هناك انسان كامل، لماذا نطلب من اولادنا الكمال؟" وترى فادية ان هذا ضرب من المستحيل. وتقول: "فكما أننا لنا عيوبنا وبالرغم من اننا تربينا بالطريقة التقليدية، يفترض انها صحيحة، كذلك اولادنا فليخطئوا ويتعلموا من أخطائهم".

      وتعتقد فادية ان الحياة هي المعلم الحقيقي في الوقت الذي لا تنفي فيه اهمية دور الأم والأب في الرقابة والتوعية والارشاد والنصح وغرس المبادئ والقيم منذ الصغر، وتقول: "نقوم بدورنا والباقي يتعلمونه من تجاربهم في الحياة"، وتضيف بأنها ومن واقع قصص سمعتها وعايشتها لأقرباء واصدقاء، فإن بعض البنات يجنحن وينحرفن حتى في ظل اشد رقابة من والديهم او لدى الوالدين المتعلمين والمتبعين لأساليب عصرية في التربية.

       اما جمانة قاسم (42 عاما) فتقول ان امها كانت قاسية جدا، وكانت تشعر تجاهها بالخوف أكثر من الحب مما طغى على أية مشاعر حب لديها تجاهها، وتقول: "اسلوب امي كان الضرب بشدة، وهي وسيلتها الوحيدة للتربية والإقناع ولا وجود لمفهوم الحوار. وبما اني كبرت وكبرت عقدي وخوفي معي اصبحت اخاف كثيرا على اولادي واحاول ان اكون متسامحة جدا معهم مما جعل المحيطين بي يتهمونني بأني ام مستهترة واترك اولادي على راحتهم زيادة عن الحد المطلوب". وتؤكد جمانة انها لا تأبه لهذا الكلام، لأن "الذي ذاق ما عانته هي في الصغر سيفهم مدى معاناة البنات من الأم غير المتفهمة"، وتتساءل: "لا ادري ماذا يدور في تفكير الأم عندما تضرب ابنتها ضربا مبرحا؟ هل تظن ان ابنتها ستكون سيئة الأخلاق لو لم تضربها وانها بضربها ستجعلها فتاة ملتزمة؟".

       من جانب علم الاجتماع يقول استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة د. حسين محادين إن الدراسات اكدت على ان علاقة الأصدقاء غالبا ما تكون اقوى تأثيرا من علاقات الأبناء بوالديهم، ويقول: "مرد ذلك هو ان الشعور المشترك بين الفتاتين على سبيل المثال وطول الساعات التي يقضيانها معا وطبيعة الأمور المشتركة التي تجمعهما تؤثر جميعا على درجة تقبل الرأي او حتى النصيحة من الصديقة بدرجة اكثر من الأهل".

       الا ان بعض الدراسات التربوية والاجتماعية اكدت على ضرورة نقل الخبرات المقصودة والهامة لهذه الشريحة (المراهقين) من قبل اقرانهم حسب قول محادين. ويعيد استاذ علم الاجتماع هذا الى ان "العلاقة مع الوالدين لطالما اكتنفتها طبيعة من التوتر، اما لسبب ان الوالدين ونتيجة لحبهم المبالغ فيه يرغبون ان يكون اولادهم نسخة عنهم او ان تكون الخبرات والمعارف لدى الأبناء ومن الجنسين خبرات ناضجة. واحيانا يبالغ الأهل بتوقعاتهم من اولادهم في تعاملهم مع المواقف الحياتية، لذا فإن هناك نوعا من عدم التقبل السهل لأوامر وتوجيهات الوالدين".

      وينصح الأهل بأن يحرصوا على بناء علاقة صداقة قوية مع اولادهن بشكل خاص ومنذ الطفولة، كما يطالب الوالدين بتذكر المراحل التي مروا بها هم شخصيا سواء في الشباب او المرهقة او حتى الطفولة، ويشبه الأهل الذين لا يتذكرون انفسهم ومشاعرهم في هذه المراحل بالشخص الذي يتعالى على تاريخه الشخصي والذي يتجاوز السائد الاجتماعي.

ويختم محادين حديثه بالتأكيد على ان مقومات نجاح الحوار - وحسب علماء في التربية – يبنى على الثقة المتبادلة والمبنية اصلا بين الآباء وابنائهم وبناتهم، وينوه الى انه وفي بعض الحالات نجد الآباء لا يمتلكون ادوات للحوار تناسب الجيل الشاب ولا يؤمنون بخبرات هذا الجيل، ومن ناحية اخرى ينصح محادين الشباب ومن الجنسين بتطوير خبراتهم والاستفادة من خبرات والديهم وتكييفها مع معطيات الحياة المتجددة".

التعليق