اطفال يبيعون العلكة على مداخل المطاعم التفافا على مفهوم التسول

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً
  • اطفال يبيعون العلكة على مداخل المطاعم التفافا على مفهوم التسول

 تغريد الرشق

   عمان - على الرغم من أن الطفل محمد (10 سنوات) يحلم في قرارة نفسه أن يعيش كبقية الأطفال في سنه، يركض في الحدائق ويزور المتنزهات ويلعب كرة القدم ويمارس بعض انواع اللهو المتوفرة حتى للفئة الأقل حظا، الا ان مكان "اللعب" الذي يقضي فيه وقتا طويلا من نهاره هو بوابات المطاعم والأسواق التجارية واشارات المرور، اي كل مكان به ازدحام بشري.

والنتيجة التي تقتضيها هذه "اللعبة" هي مواجهة خطورة تهدد حياته بالدرجة الأولى، بخاصة مع تدافع السيارات عند اخضرار الاشارة. يقول: "علي أن أبيع باكيت العلكة كله"، ويضيف بأنه دائما متواجد بهذا المكان القريب من أحد المطاعم في شارع المدينة المنورة، لأن الزبائن هنا كرماء وكثيرون منهم لا يشتري العلكة بل يكتفي باعطائه النقود. وعن سبب امتهانه لمهنة البيع هذه يقول: "عائلتي فقيرة وابي معاق ولي 5 اشقاء نمتهن جميعنا البيع بهذه الطريقة"، ومبرره هو أن أشقاءه صغار السن ولن يستطيعوا ممارسة اية مهنة اخرى. وفي اجابته حول ما اذا كان عمله هذا يدر عليه ما قد لا يدرّه عمل اخر اجاب بايماءة خاطفة أن نعم، محاولا التهرب من الإجابة.

محمد يذهب إلى المدرسة وهو طالب في الصف الخامس الأساسي. يؤكد كل ما سنحت له الفرصة على انه متفوق في دراسته، ويفول: "أيام المدرسة ابيع العلكة بعد انتهاء دوامي. اما في العطل فأخرج من الصباح". وحول الفرق في ايراداته اليومية بين الصيف والشتاء تردد كثيرا ورفض الاجابة، كعادته، الا انه قال في النهاية "طبعا في فرق كبير بين الصيف والشتاء"، معتبرا أن إيرادات فصل الصيف أفضل.

عند رؤية هؤلاء الأطفال يمتهنون مهنا كهذه، يتبادر إلى الذهن تساؤل: لماذا لا يحمل هؤلاء الأطفال من طفولتهم سوى الاسم فقط، بعد ان غابت عن ملامحهم الابتسامة والبراءة وحل مكانهما الفقر والجهل وتدني المستوى التعليمي؟ يأتي الجواب التقليدي بعد هذا يقول: قد يعود هذا الى اهمال الاهل.. او رفقاء السوء.

   تتفشى ظاهرة الأطفال الباعة في فصل الصيف، وتظهر بشكل اوضح بسبب وجود اعداد هائلة من المغتربين وابناء البلد الذين يقضون معظم ليالي الصيف الحار خارج البيوت. تراهم تارة في المطاعم يستهدفون اماكن تقديم الأطعمة وبيع السندويشات وتارة اخرى بين السيارات عند اشارات المرور، اي اكثر الأماكن كثافة من حيث عدد الناس.

تقول سيرين باجس والتي جاءت إلى مطعم وجبات سريعة في منطقة الدوار السابع وبعد ان اشترت كتابا من طفلة تبيع كتب صغيرة: "هؤلاء الأطفال ضحية الظروف والمجتمع وانعدام الانسانية. لو اردنا عد الأسباب التي دفعتهم لامتهان هذه المهنة فلن ننتهي"، في اشارة الى وجود عوامل عديدة دفعت بهم الى الشوارع وامتهان كرامتهم بهذا الشكل بحسب تعبيرها، وتضيف: "قلبي يتقطع عند رؤية الأطفال يبيعون العابا او محارم ورقية او يمارسوا مسح زجاج السيارات على الاشارات. ما الذي يدفعهم لترك بيوت اسرهم؟ وهل تركوها قسرا ام طوعا؟ ولماذا اصبح الشارع هو الملاذ الواسع والمخيف لهؤلاء الأطفال؟".

وتشير سيرين الى ان هذه الأسئلة تروادها دائما وتتمنى على الجهات المسؤولة زيادة التوعية لدى افراد المجتمع بشتى الطرق عن مدى الأذى النفسي والجسدي الذي يسببه هذا النوع من الأعمال للأطفال. تقول: "اطفال ضعاف البنية في الغالب وبملابس رثة تناسب نوعا ما فصل الصيف، الا انها لا تقي اجسادهم البرد والمطر شتاء. بعضهم تجد نظرة الخوف في عينيه، الا ان غالبيتهم تغلّب على هذا الخوف واصبح جريئا أكثر من اللازم، ابتسامتهم لا تفارق وجوههم ولا غرابة في هذا فهم اطفال بريئون والابتسامة التلقائية ترتسم على محياهم لا شعوريا بالرغم من الظروف المحيطة، وتختفي هذه الابتسامة في حالات يضطروا فيها الى تسخير اسلوب الاستجداء وكسب الشفقة ما يدفعهم احيانا الى البكاء".

تنقضي ايام وليالي طفولتهم في الشوارع ما بين الاشارات الضوئية متعرضين لخطر الدهس، وبين التسكع والاستجداء على مداخل المطاعم واحيانا الدخول لصالات الطعام سائلين الجالسين ان يشتروا منهم علب المناديل الورقية او العلكة. وفي الغالب يتم اختيار المواقع التي يتوزع بها هؤلاء الأطفال من قبل "رئيسهم" والذي قد يكون والدهم او اي شخص اخر وهو لا يظهرعلى الساحة بل يتحكم بهم عن بعد واغلب الظن انه يراقبهم عن بعد.

   والمشهد يتكرر على كل حال. مثلا قد يبدو هذا المشهد مألوفا ليس فقط لمتسولة معروفة عند منطقة الدوار السابع، تفترش الأرض مع طفلتها التي لا تتجاوز العام ونصف في منظر مؤلم، بخاصة لمن يمر من المكان اكثر من مرة في اليوم الواحد، فهي تجلس على الرصيف عند مخرج احد الأسواق التجارية المعروفة في المنطقة.

المارون من هناك دائما يرون الطفلة غافية حينا على حضن امها، وتلعب في المنطقة المحيطة بوالدتها حينا اخر، او تشرب الحليب من الزجاجة. اسئلة تدور في ذهن المار بجانبهما. هل هذه هي الطفولة؟ وما معنى الحياة لهذه الطفلة الجالسة على الطريق كلوحة معروضة للجميع في ظل درجة حرارة مرتفعة جدا وفي ظل خطورة على حياتها؟

تقول والدتها التي صفّت امامها علب العلكة والمناديل الورقية: "لا معيل لي، واضطر للبيع بهذه الطريقة لأني لا احمل شهادة ولم امارس عملا في السابق"، وتؤكد انها لا تحضر ابنتها معها بدافع استجداء الشفقة من الناس بل لأنها لا تستطيع ان تتركها مع احد بحكم انها وحيدة!

اجابات الباعة من الأطفال تتشابه. فهم ينكرون انهم يتسولون ويعتبرون انهم يعملون وان العمل افضل من التسول، الا ان واقع الحال يشي بغير ذلك، فالمشهد يتكرر في مواقع مختلفة ومع أشخاص مختلفين. يبدأون ببيع العلكة ومن ثم يطلبون طعاما. وإن أراد أحدهم أن يشتري لهم شيئا، ليأكلوه يرفضوا ذلك، مفضّلين "الكاش"!.

   ظاهرة غير حضارية متفشية في العديد من دول العالم، والأمر ليس مقتصرا على الأردن، وربما تحتاج لتضافر جهود عدة جهات لحلها او على الأقل التخفيف منها قدر المستطاع.

ويذكر ان المشاركين في احتفال اليوم العالمي لمكافحة عمل الاطفال والذي صادف نهاية الشهر الفائت اكدوا ان نسبة عمالة الأطفال ما تزال في ارتفاع متزايد في الاردن، رغم تطبيق وزارة العمل لمشروع البرنامج الوطني للحد والقضاء على تلك الظاهرة، كما اشارت احصائيات وزارة العمل إلى ان عدد الأطفال العاملين في المملكة بلغ 43 ألف طفل العام الحالي من مختلف فئاتهم العمرية.

التعليق