كاتب مغربي.. الحروب الصليبية عمقت المعرفة بين المسلمين والمسيحيين

تم نشره في السبت 16 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً

    القاهرة  - يرى أكاديمي مغربي أن الحروب الصليبية كانت فرصة لتعميق المعرفة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي وإن ظلت صورة الصليبيين مبهمة رغم بقائهم بالشام نحو 200 عام بسبب اهتمام بعض المؤرخين المسلمين بالجوانب العسكرية لا المجتمعية.

وقال إبراهيم القادري الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة المولى إسماعيل بمكناس إن الحروب التي "تمخض عنها استقرار الصليبيين في الديار الشامية وفرت للمسلمين فرصة أكبر لتكوين صورة واضحة" عن الطرف الآخر الذي أتيح له أن يتعرف إلى حد ما على المسلمين حيث استمرت بين الطرفين صيغة من التعايش بسبب التجارة.

     وأضاف في كتابه (بين أخلاقيات العرب وذهنيات الغرب) أن كتابات المؤرخين المسلمين المعاصرين لتلك الحروب تكمن في "إعادة تصحيح الصورة التي وضعتها الكنيسة ومعها المؤرخون المسيحيون عن المسلمين إذ حاول هؤلاء أن يبينوا باطلا أن المسلمين عاشوا منعزلين عن الإفرنج المقيمين في بلاد الشام."

      والكتاب الذي أصدرته دار رؤية بالقاهرة يقع في 224 صفحة ويضم فصولا منها: (المرأة الأوروبية في المجتمع الصليبي في بلاد الشام كما وردت في الأدبيات التاريخية الإسلامية) و(أثر الفتوحات الأموية في الصلات الحضارية بين الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية.. انصهار اجتماعي وعادات مشتركة) و(العادات والعقليات الشامية من خلال رحلة ابن بطوطة لبلاد الشام في القرن الثامن الهجري).

      وقال القادري في الكتاب الذي حمل عنوانا فرعيا هو (دراسات في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية) إن الصورة الذهنية للصليبيين في عقلية المسلمين تلونت أحيانا "بالتعصب الديني وأحيانا بالصراع الحضاري... وإن لم تخل هذه العقلية من مساحة حرة حوت نقطا مضيئة جعلت الكتابات الإسلامية أقرب إلى الموضوعية."

     وأضاف أن تداعيات تلك الحروب أفرزت روحا وصفها بالعدوانية أدت إلى أن يصبح المؤرخ المسلم "أكثر توترا ولغته أكثر تشنجا حتى أن معظم المصطلحات التي تتضمنها الأدبيات التاريخية الإسلامية المعاصرة للحروب الصليبية تنطق بالحدة والغلظة بل تصل أحيانا إلى مستوى الشتم واستنزال اللعنات على الإفرنج كوصفهم بالنفوس الخبيثة والشياطين الطواغيت."

      وأوضح أن "التشنج في لهجة المؤرخ المسلم لم يكن سوى رد فعل ضد لهجة المؤرخ الصليبي التي لم تكن أقل تشنجا فمعظم المدونات التاريخية النصرانية المعاصرة للحروب الصليبية تنطق بالعداء السافر."

      وذكر أن مؤرخي هذه الحقبة نعتوا المسلمين بأنهم من "الجنس الشرير" و"أعداء الله" و"البرابرة الوثنيون" و"أتباع الشياطين" و"الأمم النجسة". وانطلقت شرارة الحروب الصليبية بعد خطبة للبابا أوربان الثاني (1088 - 1099) في مدينة كليرمونت الفرنسية يوم 27 نوفمبر تشرين الثاني 1095 دعا فيها ملوك ومسيحيي أوروبا إلى القيام بحملة عسكرية لإنقاذ بيت المقدس من أيدي المسلمين الذين قال إنهم "إمبراطورية الشيطان" وبدأت الحملة الصليبية الأولى في العام التالي.

      وقال القادري إنه رغم نبرة العداء والتحامل في كتابات كل طرف عن الآخر فإن "حبل الصداقة والتعايش بين الصليبيين والمسلمين لم ينقطع بالمرة. لعبت التجارة دورا أساسيا في هذا الاتجاه. المراكب التجارية القادمة من أوروبا استمرت في الوفود على الموانئ الإسلامية رغم تأجج نار الحروب."

      وأشار إلى دهشة الرحالة العربي الشهير ابن جبير الذي زار مصر في عصر صلاح الدين الأيوبي (1138 - 1193) حيث كان "أكثر ما أثار اندهاشه وجود حركة تجارية دائبة رغم المعارك المستعرة بين المسلمين والصليبيين. الاختلاط بين المسلمين والإفرنج وتقاسم شؤون الحياة اليومية والتزاوج الذي حدث بين الجانبين رغم العداوة السياسية كل ذلك زاد من توطيد العلاقات بينهما."

     وقال إن بعض المؤرخين المسلمين أشادوا بالنظام القضائي لدى الصليبيين حتى وصفهم ابن منقذ بأنهم "أصحاب الرأي وأصحاب القضاء والحكم". وأشار إلى أن إعجاب المؤرخين المسلمين بذكاء الصليبيين كان أشد في المجال العسكري إذ "نجد تنويها بشجاعتهم وإعجابا بخططهم العسكرية. النصوص العربية كلها تجمع على إحدى القيم التي بصمت المجتمع الأوروبي الوسيط وهي الفروسية والشجاعة."

      وأضاف أن هؤلاء المؤرخين انتبهوا إلى الحرية التي تنعم بها المرأة الأوروبية خاصة في مجال الحرية الجنسية مشيرا إلى رواية "طريفة أوردها أسامة بن منقذ فقد ذكر أن رجلا إفرنجيا وجد شخصا نائما مع زوجته فلم يكن رد فعله أكثر من تحذير الرجل الغريب من دخول بيته مرة ثانية."

      ولكن المؤلف نوه إلى أن هذه الروايات الخاصة بالحياة الجنسية وجسد المرأة الأوروبية التي لا تجد حرجا من تعريته في الحمام العمومي على سبيل المثال "لم تسلم من أغلال الإسفاف والشطط. وإذا سلمنا بصحتها فإنها استثناء" يشير إلى وجود اختلاط وتعايش اجتماعي بين المسلمين والصليبيين.

       وقال إن المؤرخين المسلمين سجلوا في مقابل ذلك المكانة البارزة التي بلغتها بعض النساء داخل المجتمع الصليبي بالشام كما سلطوا أضواء على "الأدوار العسكرية الرائعة التي لعبتها."

       وأشار محمود إسماعيل أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس المصرية في مقدمة الكتاب إلى أنه "نقلة هامة في الكتابة عن تاريخ الشرق الإسلامي إذ يطرق حقلا بكرا لم يحظ من قبل باهتمامات الدارسين ألا وهو حقل الذهنيات." وأضاف أن المؤلف يقدم درسا "موضوعيا وهاما بخصوص حوار الحضارات كبديل لأطروحة الغرب عن صدام الحضارات."

وللقادري كتب منها(مجتمع الصليبيين في بلاد الشام) و(أثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي) و(مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين) و(التواصل الحضاري بين عمان وبلاد المغرب.. دراسات في مجالات الثقافة والتجارة والمجتمع منذ الفتح الاسلامي لافريقيا حتى القرن الثامن الهجري).

التعليق