التدخين: خطر يعرفه الجميع ويصادقونه

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً
  • التدخين: خطر يعرفه الجميع ويصادقونه

مريم نصر

   عمان - يصر مصطفى داوود (22عاما) على مواصلة التدخين رغم نصائح الأهل والأصدقاء له بترك هذه العادة. فهو يعتبر السيجارة رفيقه الوفي، ويقول: "هي ملاذي من حالة الفراغ والسأم التي أعيشها".

لكن هل يعرف مصطفى مضار التدخين؟ يقول: "أعرف مضار التدخين، ولا يهمني الأمر لأننا جميعنا سنموت سواء كنا مدخنين أم لا". وهو إضافة إلى هذا الرأي المتصلب لا يفكر بالإقلاع عن التدخين، ويقول: "بدأت التدخين حين كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولكني بالفعل كنت ارغب ان ابدأ بالتدخين قبل هذا العمر بكثير، لأنني كنت أشاهد أبي وأعمامي يدخنون، ولكن والدي كان يمنعني من التدخين، الى أن تعرفت إلى أصدقائي في المدرسة وعرضوا علي أن أدخن". ويضيف: "لقد غضب والدي كثيرا حين أدرك أنني بدأت التدخين، لكنه لم يستطع ردعي لأنه يدخن".

وحالة مصطفى تشبه حالات كثير جدا من شبابنا، اذ يشير المسح العالمي للتدخين في الأردن إلى أن 33 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 13-15 عاما يتعاطون مادة التبغ بأنواعها. وفي دراسة أخرى للجمعية الاردنية لمكافحة التدخين بالتعاون مع اليونسكو بينت أن 30 في المئة من المدخنين في الأردن شرعوا بالتدخين في عمر 13 الى 15 عاما.

أضرار لا تخفى على أحد

ولا يخفى على الجميع أن للتدخين أضرارا صحية على كثير من الأعضاء الهامة في الجسم، كتأثيراته السلبية على القلب والدورة الدموية، ما يتسبب بتصلب وانسداد الشرايين، الذي يؤدي بدوره الى جلطة القلب او المخ او الأطراف التي قد تسبب الموت الفجائي او الشلل او بتر الطرف المصاب.

كما لم يعد خافياً على احد من غير المتخصصين في المجال الطبي أن للتدخين اثرا على الجهاز التنفسي كالإصابة بالالتهابات المزمنة للشعب الهوائية او سرطان الرئتين. فالدراسات بينت ان  80  في المائة من الالتهابات الرئوية المزمنة والقصور التنفسي لها علاقة بالتدخين، ويضاف الى ذلك الإصابة بسرطان المثانة والكلى وتأثيره السلبي على القدرة الجنسية. كذلك فإنه من مسببات الإجهاض، الى جانب تأثيره على صحة الجنين ووفيات المواليد والتدخين يعتبر احد عوامل الخطورة المؤدية الى الموت المفاجىء دون ان يكون هناك أمراض فى القلب. وقد ثبت ان التدخين يلعب دورا بارزا في 75 في المئة من حالات الموت المفاجىء، الى جانب بعض عوامل الخطورة الأخرى كارتفاع الكولسترول وارتفاع ضغط الدم ومرض السكر.

ويضاف الى ذلك ان التدخين قد يؤدي الى نقص الشهية وضعف التغذية وضعف جهاز المقاومة والإصابة بمختلف الأمراض بسهولة. كما أن 90 في المائة أو أكثر من أمراض السرطان لها علاقة مباشرة بالتدخين. وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية تبين أن 51,8  في المائة من المدخنين متأكدون من أن التدخين هو السبب الوحيد لسرطان الرئة. كما ان التدخين يساهم في التخفيض بنسبة 10 إلى 15 عاما من عمر الإنسان.

وهذه الأضرار الصحية التي يسببها التدخين ليست الوحيدة، فللسجائر اضرار مادية أيضا، اذ تشير الإحصائيات أن الاسرة في بعض الاقطار تنفق في المتوسط 5 في المائة من دخلها في شراء منتجات التبغ بينما لا يتجاوز إنفاقها على العلاج 3,2 في المائة.

مادة إدمان

واصدرت كلية الاطباء الملكية البريطانية تقريرا عن التدخين تؤكد فيه على ان النيكوتين الموجود في السجائر هو مادة ادمان قوية تعادل الهيرويين والكوكايين، لذلك يجب اخضاعها للرقابة مثل المواد المخدرة.

يقول علي حسن (25 عاما): "التدخين عبارة عن سلوك ناتج اساسا عن التعود"، مشيرا أنه منذ ان بدأ بالتدخين قلّ وزنه، لأن شهيته للطعام انخفضت، مبينا أنه سعيد بذلك. أما عن سلبيات التدخين فيقول إنها "تختلف من شخص إلى اخر، وتعتمد على طبيعة الشخص نفسه" مشيرا الى أنه يرغب في الاقلاع عن التدخين، ولكن لم يحن الوقت بعد وذلك بسب انه يرى في التدخين هروبا من بعض هموم العمل الحياة عموما، ويقول إن قصته مع التدخين بدأت حين كان على مقاعد الدراسة وجد ان جميع اصدقائه يدخنون، فبدأ يدخن معهم.

ويبين استاذ علم الاجتماع د. مجد الدين خمش أن التقليد هو السبب الرئيسي الذي يجعل الشباب يدخنون في البداية، موضحا ان الصداقات في مرحلة الشباب تنشأ في حال كانت لديهم قيم مشتركة. يقول: "فلنأخذ على سبيل المثال أنه اذا كان هناك مجموعة من الرفاق المدخنين بينهم فرد لا يدخن، فإنه سيشكل جماعة الرفاق قوة ضاغطة على الشاب ويبدأ دون ان يشعر بالتدخين".

ويقول د. خمش أن الشباب يعتبرون التدخين فعلا يعطي الشعور بتأكيد ذاته. ويتوجه د. خمش الى الاعلام وصناعة السينما في الدول العربية وخصوصا مصر أن "يقللوا أو يمتنعوا عن عرض مشاهد في افلامهم يبين البطل وهو يدخن ويشير الى أن المسلسلات العربية فيها مشاهد تدخين أكثر مما يجب، بحيث يصورون البطل وهو يدخن باستمرار وهذا يعطي البطل مظهرا من الاهمية والسلطة ويعطي للفتاة مظهرا من الجاذبية". ويضيف أن "السينما الغربية انتبهت الى هذا الجانب وبدأت تهاجم التدخين من قبل بطل الفيلم او المسلسل ويبقى الدور على الاعلام العربي في توعية الشباب ان التدخين مضر ولا يحقق الذات ولا يعطي مظهر السلطة وغيرها".

أسباب نفسية

وتشير المرشدة التربوية في جمعية مكافحة التدخين هيام بخاري الى ان اغلب الاطفال يشرعون بالتدخين لاسباب نفسية أكثرها تلك المتعلقة بتحقيق الذات. تقول: "الاطفال اذا وصلوا لسن معينة وشعروا بانهم مهملون وغير موجودين يتوجهون الى سلوك معين للفت الانتباه، وهم عادة ما يلجأون الى التدخين ولا يكترثون لما قد يتوجه اليهم من توبيخ ، فهم يريدون لفت الانتباه وحسب". وتضيف بخاري أن "القدوة التي يتخذها الطفل لنفسه له الاثر الكبير في تحديد سلوكه"، موضحة انها في يوم التقت طفلة وسألتها ماذا تريدين ان تصبحي عندما تكبرين؟ اجابت وفي فمها قلم رصاص ابيض يشبه السيجارة اريد أن اصبح سكرتيرة وادخن، وحين سألناها عن السبب قالت اريد أن أصبح مثل سكرتيرة مدرستها، وكانت فتاة شابة جميلة وتدخن". وتقول: "للقدوة الاثر الكبير في حياة الأطفال وخصوصا اذا اتخذوا من الام والاب قدوة لذلك على الاباء والامهات الانتباه الى تصرفاتهم أمام أطفالهم وتجنب التدخين امامهم".

وحول النشاطات التي تقوم بها الجمعية تقول بخاري: "نطلق على مدار العام حملات توعية ضد التدخين. أطلقنا حملة تستهدف طلاب الجامعات بعنوان جامعات خالية من التدخين بمشاركة 12 جامعة أردنية خاصة وحكومية، حيث نقدم المحاضرات والندوات ونريهم صورة لجسم انسان مدخن وكيف يؤثر التدخين عليها". وتقول أن "جامعة الزرقاء الاهلية وصلت الى الهدف، حيث أنها لا تعين أي أستاذ جامعي يدخن كما قامت بمنع الطلبة من التدخين داخل الحرم الجامعي"

كما واستحدثت وزارة الصحة عيادة خاصة للاقلاع عن التدخين في العام 2003 بهدف مساعدة المدخنين للإقلاع عن التدخين وتوعية المواطنين وارشادهم حول مخاطر التدخين وتزويدهم بالطرق الداعمة للإقلاع عن التدخين وتشكيل جماعات من المتطوعين الذين اقلعوا عنها لدعم جهود العيادة.

إرشاد جماعي وفردي

وتقول احدى طبيبات العيادة د. ايمان جغبير إن "العيادة تقدم المشورة والارشاد بشكل جماعي وفردي من خلال التحدث معهم عن أضرار التدخين وتوزيع البروشورات والنشرات عليهم وجعلهم يشاهدون برامج عن مضار التدخين"، كما تقوم العيادة بحسب د. أيمان بتبيان الاعراض التي سوف يواجهونها في حال أقلعوا عن التدخين وكيف يتجنبها. تقول:  "كما نقدم لهم بدائل النيكوتين مثل العلكة الموافق عليها من قبل وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية"، موضحة أن للعيادة نشاطات مستمرة على مدار العام لجذب أكبر عدد ممكن من المدخنين لحثهم على ترك هذه العادة السيئة، ويزداد نشاط العيادة في اليوم العالمي لمكافحة التدخين وفي الاسبوع العربي لمكافحة التدخين.

وتوضح د. ايمان ان العيادة تحقق نجاحا جيدا في جعل المدخنين الذين يقصدون العيادة بالاقلاع عنها.

وتمكن عيسى سليمان (35 عاما) من الاقلاع عن التدخين بعد 20 عاما من التدخين ويقول: "كنت اسمع دائما عن مضار التدخين ولكني لم أكن اكترث نهائيا الى أن كبر ابني وشعرت انه يمكن ان يصبح مثلي مدخنا فقررت الاقلاع عنه نهائيا، وصمدت ونجحت وانا فخور بذلك"، مشيرا الى أنه يتباهى دائما وفي كل جلسة بأنه أقدم على ذلك، مبينا أن الحديث بافتخار عن ذلك يجعلني أصمد أمام قراري.

ويضيف: "لا يوجد مدخن لا يعرف أن التدخين ضار بالصحة ورغم ذلك يدخن. كما لا يوجد مدخن لا يرغب في الإقلاع وهناك من يحاول ويفشل، متحججا بالتوتر وعدم القدرة على التركيز والصداع الذي يكاد ينفجر الرأس بسببه". ويضيف أن "مفتاح الاقلاع عن التدخين هو ان يمر الانسان بتجربة أو حادثة تحتم عليه ضرورة التوقف، وذلك لن يحدث ألا بعد الإحساس بأنه لا شيء في الدنيا يستحق أن يهدم الإنسان صحته، ليس حرصا على نفسه وانما من اجل إنسان يحبه، مثل أب رزقه الله بطفل فيخشى عليه من سموم هذه الآفة اللعينة.. وهذا ما حدث معي".

التعليق