الخريجون الجدد: صدمة اكتشاف الفرق بين الجانب النظري والتطبيق في سوق العمل

تم نشره في الأربعاء 13 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً
  • الخريجون الجدد: صدمة اكتشاف الفرق بين الجانب النظري والتطبيق في سوق العمل

جمانة مصطفى

    عمان - تحفل الحياة الجامعية بعدد من الملامح التي يشكل منها الشباب أجمل ذكرياتهم، إلا أن هذه السنوات القليلة لا تلبث أن تنتهي لتبدأ مرحلة جديدة تتسم بالواقعية والجدية، أنها مرحلة الدخول في "سوق العمل".

     وغالبا ما يشكل الخروج الأول إلى سوق العمل صدمة للخريج الجديد الذي بنى كثيرا من الأحلام في خيالاته، الأمر يدفع به أحيانا إلى محاولة تطوير مهاراته العملية، مدركا أن الجامعة التي زودته بالشهادة، لا تستطيع أن تزوده بكل ما سيحتاجه في المستقبل.

     وفي محاولات التوفيق بين معلوماته النظرية والحياة العملية، وبين سرعة الإيقاع اليومي وما ينتظره رب العمل، تظهر أزمة الخريج الجامعي، خصوصا في مجال الخبرة.

    ولكن الخبرة لم تكن من مشاكل محمود جبران (25 عاما)، والذي تخرج منذ اقل من عام بتخصص (جرافيك) من احدى الجامعات: "شخصيا قمت بتأهيل نفسي بنفسي، كوني دخلت سوق العمل مبكرا قبل التخرج، وكانت لي تجاربي الخاصة في التدريب بالعطل الصيفية".

     غير أن الذي تخطاه جبران بنجاح، وقع فيه آخرون: "الكثير من زملائي واجهوا مشاكل عديدة في اقتحامهم لسوق العمل، أهمها: طلب الخبرة، وعدم وجود مهارة عالية في الجانب العملي التطبيقي الذي يتطلبه سوق العمل، بالإضافة إلى آخرين لم تكن لغتهم الإنجليزية قوية لتؤهلهم للعمل، ما يضعف مؤهلاتهم".

    ويثير جبران عددا من المشاكل الأخرى التي تواجه الخريجين الجدد؛ كالرواتب المتدنية، وتعرض الكثيرين للاستغلال، ويسوق مثالا على ذلك أحد زملائه الذي بقي عاطلا عن العمل فترة طويلة عقب التخرج، ما اضطره إلى قبول عرض عمل دون توقيعه أي عقد، وحين تعرض للطرد لاحقا لم يحصل على أي مقابل لعمله.

    ويستنتج جبران أن ذلك ناتج عن عدم اطلاع معظم الخريجين على قانون العمل وحقوقهم الطبيعية، الأمر الذي يؤدي إلى توقيعهم عقودا مجحفة، مبينا إلى أن هناك شركات تشترط عدم العمل مع أي شركة أخرى في نفس التخصص لمدة عام بعد ترك الموظف العمل، عدا عن الشروط الجزائية الأخرى الكبيرة.

     وبرغم اختلافها عن الحياة الجامعية تعتقد عليا النبر (23عاما) والموظفة في إحدى شركات الاتصالات أن الحياة العملية لها متعتها الخاصة: " لم أكمل العام في وظيفتي الأولى، لكنني أشعر بمتعة جديدة تختلف عن اللهو الذي كنا نقضيه في الجامعة".

     وتختصر عليا الصدمة التي يواجهها الشاب الجامعي عقب تخرجه في أمرين:" أولا هناك فرق كبير بين ما درسناه وما يحتاجه العمل من متطلبات، ثم إن هناك فرقا كبيرا بين التأهيل الجامعي والخبرة العملية"، أما المشكلة الثانية، فهي: " اختلاف التعامل والحياة الاجتماعية عما كانت عليه في الجامعة، بالطبع هناك مشاكل في الحياة الجامعية، لكن المسؤولية عن أخطائي في تلك الفترة ليست خطيرة كأخطاء الحياة العملية".

    ويفسر عميد كلية ادارة الاعمال في الجامعة الاردنية د. محمود العميان الصدمة التي يتعرض لها الخريج في محاولة انخراطه الأولى في سوق العمل بعدم وجود تنسيق بين الدولة من جهة، والجامعات من جهة، والمؤسسات من جهة أخرى: "يوجد حاليا أعداد كبيرة من الخريجين، وهناك مشكلة في آلية التنظيم بين الجهات المعنية"، ويضيف: "لا يوجد أي تنسيق أو تخطيط بين الدولة والمؤسسات والنظام التعليمي" .

     ومن خلال رفضه تحميل المسؤولية لجهة واحدة يرى العميان "ضرورة وأهمية التدريب العملي في الجامعات"، إلا أنه يعود ويوضح أن هذه المشكلة ليست محلية إذ تواجه معظم جامعات العالم".

ويضيف: "من خلال سعي الجامعات لرفع المستوى العملي للطلاب، أقرت خطة حديثة لرفع عدد الساعات المطلوبة للتخرج من 126 ساعة إلى 132 ساعة"،مبينا إن الهدف الأساسي من هذا الرفع، هو "زيادة تأهيل الطالب قبل تخريجه إلى سوق العمل".

    ويعود إلى جذور المشكلة ليقول: "المشكلة في قضية الثقافة العامة للإنسان، إذ لا يوجد تدريب على تحمل المسؤولية للطفل أو للطالب، بل يتعود منذ الصغر سياسة الاعتماد على الآخرين، فضلا عن تفشي الثقافة السلبية، فالطالب لا يعود إلى أي مراجع لاستخلاص المعلومة، بل يعتمد على الأستاذ، وفكرة عدم تحمل المسؤولية هذه هي المسبب الأول للمشكلة".

    أما المسبب الثاني بحسب العميان فهي "الواسطة والمحسوبية"، فمعظم الطلاب مقتنعون أنهم سيحتاجون إلى واسطة مهمة عند التخرج وليس لكفاءة عالية، وهو ما أسماه "البيئة الاجتماعية السلبية التي لا تشجع على المنافسة والاعتماد على الذات بل الاتكال على الآخر".

    وعلى الرغم من وجود تدريب لمدة سنتين للمحامين إلا أن منار الغول (31 عاما) الذي تخرج من كلية الحقوق وأتبعه بماجستير في العلوم السياسية يعتقد أن لا ضير من أن يحصل طلاب كلية الحقوق على هذه المهارات في الكلية، خصوصا وأن ليس الكل يتخرج بهدف التدريب والانضمام إلى النقابة: "لم أتدرب لممارسة المحاماة، لكنني أعتقد أن السنوات الأربع في كلية الحقوق كانت قاصرة عن أن تؤهلني بالحد المقبول لدخول سوق العمل كحقوقي". ويتابع: "المشكلة الأساسية أن الكتب التي درسناها لم تعلمنا الخبرات العملية، كالوقوف أمام القاضي، مثلا".

     ويحمل منار النظام التعليمي في الجامعات المسؤولية عن صدمة الخريج في سوق العمل، مشيرا إلى أنه "نظام تلقيني، لا يشجع على الإبداع".

    إلا أن لطلبة الكليات العلمية رأيا مخالفا، ومن هنا يظهر أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الطلاب في عدم القدرة على تطبيق ما درسوه في الجامعات في وظائفهم، أكثر وضوحا في الكليات غير العلمية خصوصا في الاقتصاد والإدارة والحقوق.

     ويصف خريج كلية الصيدلة خليل الزير (29عاما) دخوله إلى سوق العمل بالرهبة التي سرعان ما تبددت: "لم أواجه مشاكل حقيقية بين دراستي ومهنتي، وجل ما واجهته هو حفظ أسماء بعض الأدوية الجديدة، وتعلم مهارات البيع والشراء".

     يعلق على هذا الاختلاف مدير مركز تنمية القوى البشرية في الجامعة الاردنية د. درويش بدران، يقول: "الكليات العلمية عموما تعطي الجانب العملي أهمية كبيرة في التدريس، وتحديداً طلبة الطب وطب الاسنان، فيتم خلط الجانب العملي والنظري في السنوات الثلاث الأولى، لينتقل الطالب إلى التعليم العملي التطبيقي في السنوات الثلاث الأخيرة"، ويستدرك: "حتى هذه المهارات يتم قياسها كجزء مهم من التقييم، لنتمكن من معرفة هل اتقن الطالب هذه المهارات أم لا، أما الاختبارات النظرية فالامتحانات كفيلة بكشف مستوى الطالب".

    وحول إمكانية أن تنسحب هذه السياسة المتبعة مع الكليات العلمية على الكليات الأخرى، يقول: "هناك توجه عالمي إلى ربط المواد النظرية بالعملية عند تدريسها لطلاب الجامعات، بحيث تدرس المواد المترابطة معا، ولا أجد مانعا أن تجد الكليات الإنسانية صيغة بما يتناسب وطبيعة هذه المواد لخلط الجانب العملي بالنظري".

    ويختم: "لقد حققت كليتا الطب وطب الأسنان أفضل النتائج على مستوى خريجيها، ونحن فخورون جدا بطلابنا، الذين أثبتوا أنهم حققوا أفضل النتائج،وتجد الكثير من خريجينا متواجدين في أفضل الأماكن في الولايات المتحدة الأميركية والخليج والدول المجاورة".

التعليق