مقام "ماهر" في الطفيلة.. مكان يتبرك به الكبار ويتجاهله الصغار

تم نشره في السبت 2 تموز / يوليو 2005. 10:00 صباحاً
  • مقام "ماهر" في الطفيلة.. مكان يتبرك به الكبار ويتجاهله الصغار

 فيصل قطامين

     الطفيلة- تصر الحاجة التسعينية ختمة من بلدة العيص خمسة كيلومترات شمال الطفيلة على مواصلة زيارة المقامات خصوصا مقام "ماهر" كما شاعت تسميته بين اهل المنطقة. ويعتقد المؤرخون أن مقام "ماهر" هو المكان الذي دفن فيه عيصو ابن النبي ايوب الذي اشتهر بالصبر وتحمل معاناة المرض وآلامه، حتى صار مضرب مثل في الموروث الشعبي "صبر ايوب" وقصة النبي الصالح ايوب معروفة لدى الجميع واشهر ما فيها تميزه بالصبر على الابتلاء حيث اصيب بمرض شديد ألزمه منزله وفارقه الأحبة والأهل وأقرب الناس اليه حتى زوجه.

      ويقال إن عيصو من ابناء النبي اسحق وانه جد للنبي ايوب الذي عاش في تلك المنطقة التي كانت تسمى عيصو وحاليا " العيص" وقد بني قديما سور من الحجارة الكبيرة حول قبره وتوارث الأجداد والآباء زيارة المقام لطلب الحاجة، وفي أوقات الضعف كمرور سنوات متتالية من القحط، وللإنجاب خصوصا في حالة العقم ولحماية الأبناء من شر العين وحسد والحاسدين أو لشكر الله تعالى على سنوات الخصب والبركة، ولطلب العون للخروج من أزمة أو حادث أو مكروه بسلام.

       وحسب اعتقاد كبار السن فإن من يشكك بقدسية صاحب المكان وكراماته التي أعطيت له من الله تكون عواقبه وخيمة ويروون في ذات السياق قصصا عن تلك العواقب، كمرض طفل بمرض لا يرجى شفاؤه، أو حريق يشب في بيدر، أو مرض يصيب قطيع الأغنام، او موت رأس أوعدد من رؤوس الأغنام للمتشكك بأهمية "ماهر" أو عيصو الدينية، ومكانته بين الصالحين. ومن تلك القصص ان أحدهم طلب منه والده أن يرافقه لزيارة المقام ولكنه هزئ بكلام والده الشيخ وبعد فترة قصيرة تعثر طفله وانكسرت إحدى رجليه. وإذا اصيب شخص بمكروه ونجا منه فيعيدون الفضل له في حمايته لهم كمنقذ يجنبهم المكروه.

وترى بعض النسوة أن اسم ماهر الذي اطلق على صاحب المقام جاء من خلال قدرته العجيبة عند الطلب منه على شفاء الأمراض او تحقيق الحاجات والمآرب.

      وخربة عيصو أو العيص تقع على جبل عال من جبال الطفيلة عند دخولك المدينة من الشمال وترى بقايا حجارة كبيرة للسور الذي كان يحمي المقام، ويزوره بشكل دائم كبار السن خصوصا النساء للتبرك بصاحب المقام ويجلبن الحناء يلطخن بها حجارته تقربا له ويحرقن البخور في أطباق إضافة الى وضع الزيت في فوانيس واسرجة صغيرة تضاء في وقت الزيارة المترافقة عند النساء مع طقوس خاصة تأخذ عادة شكلا جماعيا، حيث تجتمع النسوة ويذهبن وينظمن أمور الزيارة كصنع الكعك المنزلي والقهوة العربية اضافة الى البخور والحناء وقطع من اقمشة الشخص الراغب بالتبرك أو من له حاجة، وتسلم النساء على صاحب المقام ويبقين جالسات يوقدن البخور ويلطخن المكان بالحناء ويكون الهمس هو طريقة الحديث بينهن احتراما للولي أو صاحب المقام، وتطلب كل ذات حاجة حاجتها وتدعو الله أن يحقق لها ما تريد بشفاعة هذا الولي وتعود النسوة الى بيوتهن وكلهن أمل في تحقيق ما طلبن أو ما توسلن من أجله، وقد يتعدى الأمر ببعضهن أن يطلبن من أزواجهن أو ابنائهن تقديم "الفداء"  أو القربان عن روح صاحب المقام وتوزيع اللحم على المحتاجين من الناس، وهو ما يمكن اعتباره بمثابة تقرب الى الله ويسمى "فدو" اي يفتدى صاحب كربة أو مكروه أو مرض أو من لم يرزق بالأطفال فإذا ما تحقق له ذلك فإنه يقوم بعملية تقديم ذبيحة لوجه الله تعالى وقد تستخدم عملية تقديم الفداء في حال نجاة شخص من خطر أو مكروه كان محققا له ولكنه نجا منه فيقدم تلك الذبيحة شكرا لله على أنه لم يصب بتلك المصيبة ولم يمسه المكروه.

           ويعتبر كثير من الناس حاليا أن هذه الطقوس ضربا من ضروب الشرك بالله تعالى تصل الى درجة الكفر لأنهم يرون أن الدعاء والسؤال لا يكون إلا لله وحده.

ونعود للحاجة ختمة التي أكدت أن المقام لولي من اولياء الله الصالحين وزيارته واجبة، وهي تحث أبناءها باستمرار على زيارته معتبرة غير ذلك قصورا منهم تجاهه، وتكشف الحاجة ختمة أنها قد قامت بزيارته بعد كل ولادة من ولاداتها، وتحديدا بعد أربعين يوما من حدوث الولادة، وتذكر أن من كان يبني بيتا جديدا في زمانهم كان يزور المقام حتى تتحقق له الراحة والسكينة والبركة في بيته الجديد، وحتى قيام اي شخص بأي عمل عليه بزيارة المقام، وتقول أنها اصرت على ان يقوم ابناؤها قبل الزواج وموكب العرس بزيارة مقام عيصو أو مقام الحارث بن عمير الأزدي أو ما سمته بـ "مقام حذيفة وحماد " تبركا وابعادا لعيون الحساد والشرور عن البيت الجديد الذي يبنيه العروسان ولكنها فسرت وجهة نظرها حول زيارة المقام والتشفع بصاحبه أنه ولي من اولياء الله الصالحين مؤكدة ان جهل الناس وعدم انتشار التعليم بينهم هو الذي جعلهم يعتقدون بهكذا معتقدات مشيرة الى أنها لا لم تكن تكتفي بزيارة مقام "عيصو" بل كانت تزور ايضا مقام "حذيفة وحماد" وتقصد به مقام الصحابي الجليل الحارث بن عمير الأزدي معتبرة ان التشفع بغير الله شرك يصل الى درجة الكفر وأن "من يريد سؤال شيء لا يسأل إلا الله وحده فهو بيده كل شيء" غير مبدية في نفس الوقت اي غضاضة في زيارة المقامات لكون اصحابها صالحين ولهم كرامات عند الله.

والغريب في الأمر رغم تغير افكار الناس حول التبرك بمثل هذه الأماكن إلا أن بعض الناس ما يزالون يدفنون موتاهم هناك وداخل السور الذي يرقد فيه صاحب المكان، وهو ما يؤكده وجود بعض القبور الحديثة المقامة هناك.

      ويرى سالم الجرادين أن التشفع بغير الله شرك ولا يجوز لأي إنسان أن يطلب شيئا من احد غير الله عز وجل ويقول "كان الناس جهلا منهم ولقلة التعليم والمتعلمين بينهم يعتقدون بأشياء تمس الإيمان دون أن يعلموا ذلك ولكن التعليم وانتشاره الكبير بين الناس جعل الكثير من هذه المعتقدات تتراجع وتضمحل إلا أن كبار السن قد ورثوا هذه الطقوس عن آبائهم وأجدادهم وتعودوا عليها".

      وتمنت الحاجة ختمة أن تتقن القراءة والكتابة لأن العلم كما تقول نور يستطيع الإنسان به تمييز الخير من الشر ومعرفة الحق والضلال. على أن الجيل الحالي من الشباب يدحض فكرة التشفع وزيارة المكان إذ قلما تجد منهم حاليا من يزور المقام المسور والموجود بوابة عند مدخله، "لأن النفع والضرر بيد الله وحده" كما يؤكدون.

التعليق