خليل احمد خليل.. المشروع الكبير والحجر الكبير

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً

    بيروت-حين يجد القارىء اسم باحث بارز فوق عنوان واسع النطاق لكتاب ضخم.. قد يجد نفسه معلقا بين نوعين من الشعور الاول هو توقع التمتع بعمل غير عادي والثاني الخوف من ان يفلت الموضوع الواسع من بين يدي الباحث ولو كان متمرسا في مجالات عمله.

    وبعد قراءة كتاب الدكتور خليل احمد خليل الذي يحمل عنوانا كبيرا وزئبقيا في بعض سماته هو (سوسيولوجيا الجمهورالسياسي الديني في الشرق الاوسط المعاصر) لربما وجد نفسه في حال من الحالات العديدة التي تعيد الى الذاكرة مثلا شعبيا لبنانيا قديما هو "اللي بيكبر الحجر ما بيضرب" ومعناه في النهاية قد يكون ان المشروعات الكبيرة قد يصعب تنفيذها وان رمي الحجر الصغير اقرب الى النجاح.

   ولا شك في ان خلاصة هذا المثل القديم تنسجم مع القول ان العلم ينجح في تناول المحدود او فلنقل الموضوعات المحددة النطاق لينطلق منها الى الاعم عوضا عن الانطلاق من مجالات فيها قسط كبير من التعميم.

كتاب الدكتور خليل مشروع بحثي ضخم دون شك وهو يصب في دائرة اهتمامات الباحث والاستاذ الجامعي. وقد جاء في 391 صفحة من القطع الكبير وصدر عن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر).

ولعل اتساع نطاق البحث وهو خطير دون شك.. وتعدد وجوهه ورغم جهود خليل الجدية والواضحة.. انعكس على بعض اقسامه فاعتورها وهن جعلها تبدو اقرب الى التقريرية والى ما يشبه المقال السياسي او الاجتماعي.

جاء في مقدمة الكتاب التي حملت عنوانا هو "استهلال" القول "هوذا بحث علمي في سوسيولوجيا الجمهور الذي يسيطر عليه رجال سياسة باسم الدولة ويهيمن عليه رجال دين باسم الاديان ومذاهبها وطوائفها واحزابها.

"وهو يهدف الى اثارة اشكالية الجمهور في علاقاته المزدوجة برجالات الدنيا والدين معا ويؤسس لمحاورة معرفية مع هذا الجمهور الذي قد يمنع من قراءته لاسباب جمة. ولكنه مع ذلك محاولة مكاشفة الجمهور بما يحدث له من قهر واستغلال واستبداد تحت يافطات ترفع له.. مثل الدولة الحديثة هي الحل والاصوليات الاسلامية هي الحل فيذهب الى هذه وتلك فلا يجد سوى الفرغ والفشل وياخذ بالتنبه الى ان الحل عنده هو ولكن...

"يكتشف الباحث السوسيولوجي ان فوضى الجمهور العربي هي التي انتجت هذا الفراغ المزدوج في الخطاب السياسي-الديني المزدوج ايضا وانجبت فشل رجال السياسة والدين منذ عشرينيات القرن العشرين حتى الان."

في الحديث عن "السياسي ورجل الدين" يسعى خليل الى وضع اليد على صلب بعض اهم المشكلات في هذه المنطقة من العالم. يقول سائلا "من هو السياسي.. من هو رجل الدين.. في المفترضات الاولية يقال ان السياسي هو الرجل العام رجل الدولة وانه المدبر المسؤول عما يفعل امام سائليه/مواطنيه..

"هنا نقول امام جمهوره لكن هل هناك تكافؤ في علاقة الحاكم بالمحكوم بين مسؤول لا يسأل عما يفعل وبين سائل يمنع من تحويل سؤاله الى مساءلة.. ويحال في الوقت عينه الى مجهول تارة والى ممنوع من الصرف تارات فيلتجىء الى تكرار اسئلته الاجتماعية بطرق فردية جزئية نفسية او طقسية دون ان يتمكن من صوغها في مسائل سياسية تعيد السياسي الى الاجتماعي وتواجه الديني في صميم الصراع المجتمعي كما هو."

وقال ان رجل الدين هو "رجل خاص بمعنى انه خبير ديني او عالم ديني وظيفته الاساسية والاخيرة هي ربط الدنيوي بالاخروي. ربط المدنس (الانسان) بالمقدس (الله) وعليه فهو يتقدس بوظيفته بعيدا عن السياسة. هكذا تتسرب الى ذهن الجمهور صورتان مفترضتان متتاليتان لمقدسين مفترضين المقدس السياسي والمقدس الديني."

في الكتاب معلومات عديدة موثقة عن رجال الدين والتنظيمات الدينية عند اليهود العرب والنصارى العرب في مذاهبهم المختلفة وعند المسلمين على اختلاف مذاهبهم.

قد يؤخذ على بعض طروحات الكتاب وصاحبه باحث تقدمي.. انها في المحصلة النهائية تبدو أقرب الى عرض معلومات لا تتسم كلها بالجدة ولا تبدو أحيانا من خلال منطلقاتها و"نتائجها" كأنها أضافت رؤية جديدة او ألقت ضوءا جديدا تماما.

وفي "خواتيم" نجد انه يقتصر على لبنان نموذجا موضحا ذلك بقوله في عنوان تال "عود على بدء لبناني.. الجمهور وتطور النخبة" حيث يتحدث عن معني التطور من الناحيتين الفلسفية والاجتماعية.

وقال "هذا العود العربي على بدء لبنان يمثل جمهور العرب ولا يختصره او يعفي عن دراسته كلا على حدة لماذا.. لان مفهوم التغير او التطور يندرج في سياق عمليات اجرائية تحتمل في آن التقدم والتراجع الاعلى والادنى الافضل والاسوأ.. فمفهوم التطور اقتضائي بقدر ما تقتضيه احوال الجمهور من الانطواء حيث يجري استبطان الوعي وتمثل المعرفة بالرمز والاشارة لا بنقد المعاناة ذاتها لاستخراج معناها."

يتحدث عن "الجمهور والاحزاب" في لبنان فيقول "سوسيولوجيا تواجه احزاب لبنان مشكلتين متضافرتين.. اولاهما.. الانتقال من السلطات الى الدولة اي من سلطة الطوائف الى سلطة الشعب الموحد وطنا بعلم وبعلمانية. ثانيتهما.. الانتقال من الجمهور الى الجمهورية اي من الفوضى الى النظام السياسي المتماسك ومن التعبير الديمقراطي البدائي (البروتوديمقراطي) الى التعبير الديمقراطي الاجتماعي المتكامل سياسيا وثقافيا واقتصاديا."

التعليق