الإلتزام بالقانون عندما يصير مستغربا..

تم نشره في الاثنين 13 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • الإلتزام بالقانون عندما يصير مستغربا..

لماذا يغيب الضمير في غياب الرقيب؟

 

       تغريد الرشق

    عمان-لأي تجمع بشري يجب إيجاد أنظمة تحكمه من أجل تسهيل شؤون الحياة بالدرجة الأولى. ولا يجدي التشدق بالنظام في حين نتحين الفرص للإفلات منه سواء باستخدام "الواسطة" أو باستغلال غفلة القائم على النظام مع حقن الضمير بمخدر مؤقت.

    وربما يعتبر بعضهم انهم اذكياء حين يقف شخص وسيجارته بيده متكئا على لوحة كتب عليها "ممنوع التدخين"، وآخر يصفّ سيارته في مكان كتب عليه ممنوع الوقوف او "لذوي الاحتياجات الخاصة" او حتى "موقف خاص لسكان العمارة"!، ولا اسهل من تجاهل هذه الشاخصات الواضحة. اما لجهة اعطاء الأولوية للمشاة فهذا حديث اخر ويصبح عنده البقاء للأقوى فاما ان ترعب المشاة بتهديد غير مباشر بدهسهم او ان يضطروا لانتظار سيل السيارات العارم واللامحدود. وفي ظل ضحالة الأماكن المخصصة للمشاة لدينا وعدم الالتزام، لا من السائق ولا من المشاة، بإشارات المشاة المتوفرة الى جانب معظم الاشارات المرورية، يأتي دور السائق وتطبيق الشعار القائل "القيادة.. ذوق.. فن.. اخلاق"، بأن نعطي المشاة فرصة لقطع الشارع.

    هل يوجد ما يسمى برقابة الضمير التي تجعلنا نحاسب انفسنا اولا قبل ان ننتظر الحساب من جهات اخرى وتلزمنا بالوقوف عند احمرار الاشارة الضوئية حتى في غياب شرطي السير وعدم القاء القمامة من شباك السيارة في حال شعورنا بأن لا احد يرانا؟ وهل نستخدم ذات نبرة الصوت التي نستخدمها في اطار افراد العائلة في حديثنا مع الغرباء؟

يقول الموظف في شركة خاصة خالد سلامة: "اؤمن بضرورة وجود عنصر الرقابة في حياتنا لنقدم الأفضل ولنكون بأفضل حالاتنا بميادين كالعمل او في الحياة الشخصية وبسلوكياتنا اليومية في العمل بانجاز وسرعة في مكان العمل بوجود رقابة تتمثل بالمدير او اية سلطة اخرى والتباطؤ او استخدام اساليب غير مقبولة من ذات الرقابة في غيابها".

ويرى مدير ذات الشركة اياد جريس: "لا استطيع كمدير ان أتدخل دائما وبشكل مباشر بعمل الموظفين. الوسائل الرقابية الجديدة في اي عمل والمعتمدة على الهرم الوظيفي تتيح لعدة اشخاص مراقبة ومتابعة اعمال الموظفين بالاعتماد على مبدأ الإشراف المباشر وغير المباشر لآليات العمل والحد ما أمكن من التجاوزات"، ويؤكد ان غير الملتزم والمنجز  سيعرف وستتخلى عنه الشركة في النهاية.

   هذا من ناحية العمل، اما من جهة تجاهل القوانين العامة والمختصة بشؤون الحياة اليومية، يقول سمير حامد: "لن تعيينا الحيلة في اختراق النظام المرصود من الآخرين والامثلة كثيرة يصعب حصرها للأسف". ويضيف: "الا اننا والحمد الله لا نعاني من مصيبة "الرشوة" المتواجدة في دول اخرى، فتجد السائق يرشي الشرطي ويكمل طريقه".

ويعتقد سمير ان مبررات عدم الالتزام تتمحور حول حجج من قبيل "النظام جامد" و"القوانين اجمد" او "الكل يقوم بهذا.. وأنا فرد من الكل" ؟و"هل أترك الفرصة يأخذها غيري"، ويزيد: "أعتقد اننا جميعا نمتاز بالانانية بسعينا نحو تحقيق مصالحنا في الوقت الحاضر ولن نتنازل عنها من اجل الرقي بمجتمعنا".

   اما عبير نمر فترى ان المشكلة ليست في عدم تطبيق النظام بل في عدم وجود نظام أصلا، وتقول: "هناك اشياء مكتوبة على اوراق لا احد يعرفها اسمها نظم وقوانين لكن لا يلجأ لها الا في حالة الرغبة في تعطيل حياة البشر"، وتضيف: "أما غير المكتوبة والمتعلقة بسلوكيات وأخلاقيات فمن الطبيعي جداً وكردة فعل بشرية أن نكون كلنا مخالفين لما نعتقده

أنا أحب ان أكون منظمة وأن التزم بالطابور، ولكن عندما أعلم أن التزامي هذا سيستغله أحدهم ليتجاهلني، فسأخالف كل أنظمة الدنيا".

وتختتم متسائلة: "هل اصبح الالتزام بالنظام شذوذاً ولا أحد يريد أن يكون شاذاً؟ وهل اصبحت امور الحياة تسير بالحذلقة والفهلوة واحيانا بالفتونة؟"

بالنسبة للقلة التي لا تتجاوز الأنظمة والقوانين فما الرادع الذي يمنعهم من مخالفتها؟ يقول احمد زهدي: "مخافة الله اولا ونوع من الإحساس بالمسؤولية والرغبة في احترام الذات، وقد يكون هناك خوف من السلطة عندما يثبت تجاوزي للنظام والمساهمة في إنتشال المجتمع من حالة التسيب المتفشية". ويضيف: "أتعجب من المتباهين بمخالفة القانون وعدم الالتزام به وكأنها مدعاة للفخر بينما هم في الواقع مثيرون للشفقة، ولا اعلم من احق بالشفقه على الاخر؟ هل اصبحت  لغة العصر تجاوز الانظمة؟ يجب ان نسعى لتعديل الخطأ بالصواب وليس باضافه خطأ آخر له، فعندما أصر انا على ما اعتقده وانت كذلك وغيرنا الا تعتقدون ان الوضع سوف يتغير لنتنازل قليلا عن انانيتنا؟ فليتحمل كل منا مسؤوليته الشخصية في النظام وما مدى مقدرتنا النفسيه والجسدية على تحمل مسؤوليتنا فيه".

   ويروي محمود عبد الكريم قصة حدثت معه حول ذات الموضوع: "كنت أؤدي امتحانا وكنت مستعدا لأداء الامتحان لو سارت الأمور بشكل طبيعي، لكن بعد توزيع الأوراق لمحت عددا من الطلاب يفتحون الكتب والأستاذ غير منتبه، ولم يوجه لهم أدنى لوم وحزنت لأن الطلاب اللذين لم يعرف عنهم المثابرة طيلة السنة سيحققوا نتائج متميزة على حساب الآخرين"، ويتابع: "اعترف اني قمت بالغش ايضا لأن الجميع كان يغش، فلم احرم نفسي من الحصول على علامة كاملة، بالرغم من اني لم انوي الغش ولم احتاجه، الا ان النفس ضعيفة وشعرت حينها أنه لم لا استغل الفرصة انا أيضا؟".

   استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية د. حسين خزاعي قال إن "علماء الاجتماع الباحثين في الدراسات الاجتماعية لاحظوا هذه السلوكيات والتغييرات التي طرأت على الشخصية الأردنية تحديدا بسبب تداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية معا والتي ادت الى تداخل في شخصية الانسان، وقد اثبتت دراسات علمية ان 55% من افراد الشعب الأردني يعيش في حالة ازدواجية في السلوك وهي تؤدي بالتالي الى ازدواجية في تطبيق القيم والعادات والتقاليد، ما اسفر عنه تجاهل هذه القيم وتجاوزها لمصالح خاصة بهم واختلاط المشاعر مثل الصدق والأمان والتعاون". ويضيف خزاعي: "نتج عن هذه الازدواجية تغييب كامل للسلوكيات الأخلاقية المحببة واحلال سلوكيات اخرى مكانها لتجاري الوقت الحاضر، وللأسف نوع هذه التغيرات التي تطرأ في بنية وتركيب المجتمع الأردني وسببها عدم الاكتراث واللامبالاة والتقليد الأعمى وحب الوصول وعدم التقيد والالتزام والتطاول على القوانين والأنظمة وتجاهلها".

   لكن ما الحل والوضع هكذا؟ يقول خزاعي: "يتطلب هذا منا ان نقوم فورا بالتركيز على هذه التجاوزات وتوعية السكان بها، بخاصة واننا نعيش في عصر العولمة. فاذا لم نقدم التثقيف والتوعية سيسبقنا غيرنا بتقديم معلومات وتوعية خاطئة، واذا لم نوضح لهم ان قطع الشارع خطأ سيسبقنا غيرنا كبرامج تلفزيونية تؤدي الى العكس، فهناك 600 قناة فضائية في العالم الان والعربية منها لا تتعدى 8% من المجموع العام، كما ان برامجنا العربية هزيلة انتاجا واخراجا ومادة مقارنة ببرامج فضائيات العالم الأخرى. هناك برامج تروج لقضايا كالادمان والسرقة والعنف سعيا وراء الشهرة وهذا ما يجب ان نركز عليه لأنه يخالف عاداتنا وسلوكياتنا فأصبحت تأتينا الحلول جاهزة واصبحنا غير مكترثين ولا مبالين".

   وينوه خزاعي الى دور التكنولوجيا الكبير واخذنا لأمور غير مفيدة منها نحن بحاجة لاعادة توازن القيم الأخلاقية والجمالية والتركيز عليها بتنشأة الأجيال الصاعدة، كما يلقي بالمسؤولية ايضا على عوامل اقتصادية، حيث يشكل احيانا البحث عن مصادر رزق جديدة التخلي عن بعض الأخلاقيات والسلوكيات.

ويعزي خزاعي تنصل بعضهم من الالتزام بالقوانين الى تلاشي دور الأسرة ودخول عوامل تنشئة جديدة مثل الكمبيوتر، والدافع للالتزام بها يكون بوجود الرقيب فقط الى الخوف من العقوبة المباشرة والرادعة والتي تدفع المرء للتصرف خوفا من الرقابة.

يبقى أكثر من تساؤل: هل اختلفت المعايير؟ وهل تغيرت المفاهيم؟ وهل أصبحت الرقابة في حدودها الدنيا.. إن لم تكن قد انعدمت فعلاً؟

التعليق