"جميلة".. معالجة سينمائية مغايرة لقضية الشرف

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • "جميلة".. معالجة سينمائية مغايرة لقضية الشرف

        محمد جميل خضر

عمان- "ان نبدأ من حيث انتهى الاخرون"، شكل الهاجس الرئيسي للمخرج فيصل الزعبي صاحب السيناريو ومخرج الفيلم الروائي المحلي "جميلة"، وعكست العناية الفائقة بالجانب التقني الفني والتنفيذي للفيلم البالغة مدته ستين دقيقة ما انشغل به الزعبي حول هذا الهاجس وبتقديم مشهدية بصرية ناجحة لفيلمه السينمائي الثالث بعد فيلميه المقدمين باللغة الروسية ابان فترة دراسته واقامته هناك.

 ولم يتوقف الزعبي كثيرا عند مسألة تأخرنا على صعيد الفن السابع قياسا على محيطنا من دول الجوار بدءا من سورية مرورا بلبنان وحتى فلسطين التي لم تمنع الظروف السياسية والاجتماعية والامنية القاهرة من انتاجهم لعدد من الافلام الوثائقية والروائية المهمة، وطبعا لن نقول مرورا بمصر فلهذه شأن آخر مع الشاشة البيضاء التي تسيدتها منذ تعامل العالم العربي مع الفن السينمائي، وتنوع وتعدد الوعي الاخراجي والانتاجي في ام الدنيا الى درجة ان لا مجال للتنافس معها في اطار افلام الـ 35 ملمترا, فعلى صعيد السينما البعيدة عن الهاجس التجاري والنظرة الربحية فإن في مصر اهم ممثليها بدءا من يوسف شاهين, مرورا برضوان الكاشف, محمد كامل القليوبي, محمد خان, عاطف الطيب, علي عبد الخالق, يسري نصرالله, داوود عبد السيد, رأفت الميهي, وهذا لا يعني ان جميع افلام هؤلاء لم تحقق انتشارا جماهيريا, بل ان هاجسهم الاول عند تقديمهم لافلامهم لم يكن شباك التذاكر, وعلى صعيد السينما الكوميدية, او التجارية الخفيفة المعتمدة على الاثارة والحركة والمفارقات فإن في مصر ايضا اهم عرابيها وتجارها.

ولم يكن الزعبي في حالة قطيعة مع المنجز السينمائي العربي بمشرقه ومغربه عند انجازه لفيلم "جميلة" سيناريو واخراجا وانتاجا عن طريق مركز المعرفة للدراما بمنحة من مؤسسة ميتي METI الغربية ومنذ المشهد الاول الذي يشكل ملخصا بصريا للفيلم (الحصان الابيض, غرفة العناية الحثيثة, المناداة على رمز التخلف والتناقض في القرية الدكتور ابو عمر (عبد الكريم الجراح) وباقي الكوادر والاضاءات المعروضة فيه), فإن هاجس المغايرة يعلن عن نفسه بوضوح, ويصل هاجس المغايرة التقنية ذروته في الفيلم الذي يحكي قصة فتاة تحكم عليها عشيرتها بالموت ظلما وجورا بالاستناد الى الشك والخوف من اشارات المعرفة والتحرر والاختلاف التي مثلتها, من خلال سعي المخرج لتقديم افضل معالجة صوتية لفيلمه وافضل زوايا تصوير مع وجود مدير التصوير اللبناني نضال عبد الخالق المعروف على صعيد التصوير السينمائي بتميزه ودقة زواياه, ولم تقتصر المغايرة عند الجوانب التقنية للفيلم والتي شملت المونتاج والتسجيل وباقي الجوانب التقنية الاخرى بل امتدت لتشمل حسن اداء الممثلين الذين قدم بعضهم اجمل ادواره على الاطلاق كما في حالة منذر رياحنة الذي ادى دور ماجد ابن عم جميلة وخطيبها وحبيبها الذي تأثر كثيرا بأفكار والدها نسيم (زهير حسن) العائد من بلاد الغربة حاملا معه احلام الحرية وتحقيق تقدم في الوعي المعرفي الاجتماعي الاخلاقي السائد في قريته التي لا تبعد عن عمان اكثر من 20 كيلو مترا، وتأثر ماجد في شخصية عمه المثقف المتعلم المحب للفن والموسيقى, والحياة جعلته يملك وعيا مغايرا لما يريده عمه الآخر العائد ايضا من الغرب بشهادة جامعية كبرى في علم الاجتماع (دكتوراه علم اجتماع), ولكن بعقلية رجعية مصرة على الانساق الاجتماعية السائدة وهو عمه الدكتور ابو عمر (عبد الكريم الجراح) الذي كان في مشهد الفيلم الاول يضرب زوجته عندما نادى عليه احد مساعديه (ابراهيم ابو الخير) ليخبره ان موعد الجاهة اقترب, صار اكثر ايمانا بالجاهات, والعادات الاجتماعية بحلوها ومرها, بخيرها وشرها, فليس كل العادات الموروثة صحيحة, كما انها ليست جميعها خاطئة وكان ينبغي لواحد مثله سافر وتعلم وخبر الحياة ان يعمل على تعزيز المظاهر الايجابية في العرف الاجتماعي السائد, ومحاربة السلبي منه, لكن عقدا نفسية واجتماعية يعاني منها الدكتور/ الشيخ/ المختار/ الزعيم جعلته يقاوم الحب بشراسة ويقتل اوجه الحياة داخل حدود القرية التي حولها الى اقطاعية يحكم فيها كما يريد, ويرتكب الجرائم التي يعتقد بأن احدا لن يحاسبه عليها, ودون حتى ان حساب نظرات ابيه (خضر بيضون) المعاتبة والناظرة باستغراب واستهجان لما آل اليه حال الجيل الحائر المتناقض الذي يمثله ابنه، فلا هو تأثر بالغرب كما ينبغي، ولا تمسك بالعادات كما ينبغي، وجميلة في النهاية لم يقتلها شقيقها احمد حسب رواية ابو عمر للصحفية ليلى (نجوى قندقجي) ولزوجها الصحفي ايمن (مروان حمارنة) بل الذي قتلها ازلامه والمستفيدون من بقاء الامر على ما هو عليه.

لا يعود مهما في حالة جميلة وما تعرضت له مع ابيها وشقيقها من قسوة العرف الاجتماعي السائد وبشاعته معرفة حقيقة ما جرى لها، وليس هذا ما كان يدونه ابو دفتر (محتسب عارف) في دفتره, بل تصبح القضية هي الى أي مدى وصل استسهال اتهام الانثى في مجتمعنا فصار الشك كفيلا بقتلها, الظن, الاعتقاد, اصابتها بانتفاخ هضمي عارض, وليس بعيدا عنا القصص المروعة التي تتحدث عن حالات قتل لشقيقات نتيجة عصبية مرضية او غضب أخرق حولها أهل تلك الشقيقات ومنهم اباؤهن الى جرائم شرف لتبرئة الشقيق العصبي المتبختر بما أباحه له المجتمع وما منحه اياه من صلاحيات.

   واجادت في "جميلة" رندة كرادشة اثناء تأديتها لدور جميلة, في اول وقوف لها امام الكاميرا, وكذلك اجاد الممثل العراقي غالب جواد الذي ادى دور شقيقها احمد, كما اجاد معظم ممثلي الفيلم, خصوصا عبد الكريم الجراح باتقانه لابعاد الشخصية المركبة لأبي احمد, وكذلك اتقان زهير حسن للشخصية الحالمة المثقفة لنسيم, وحتى عيسى سويدان بالدور الصغير الذي اداه كرئيس لتحرير الجريدة التي تعمل فيها ليلى, وان اخذ عليه بعض المهتمين بشؤون المرأة انه اقترح على ليلى ان تأخذ زوجها معها, ما اعتبروه قصورا في ذهنه لامكانية تخلص المرأة من القصور المرتبط بدورها الاجتماعي والحياتي في وعينا العربي.

 مثل مشهد قتل جميلة واحمد علامة فارقة في الفيلم الذي يعرض قريبا, خصوصا حالة العجز التي واجه بها الجميع فعل الموت دون حيلة او قدرة على تغيير الواقعة/ الواقع تماما كما حدث في "قصة موت معلن" رواية الكولومبي جابرييل ماركيز الشهيرة, وحقق الفيلم قيمته الفنية التخيلية مع مشهد دخول حصان نسيم الابيض على كادر المشهد وركوب جميلة عليه تلبس نفس الالوان البيضاء المرتبطة بالنقاء والطهر لتسافر معه/ مع الحصان/ المنقذ/ الرجل نحو الغيمات الشاردة من بشاعة الدم والمتحولة الى غمامات حمراء بفعل القتل المجاني الذي مورس بدم بارد امام مرأى الالفية الثالثة في القرن الحادي والعشرين.

سعت ديكورات وملابس واكسسوارات الفيلم التي صممها ونفذها الزميل غسان مفاضلة الى تمثل روحانية الفيلم ومرجعيات شخصياته, فنسيم يمكن ان يضع لوحات تشكيلية في بيته ولكن ابو عمر لا يمكن الا ان يظل يضع الكوفية ويخلعها كشكل من اشكال التأثير خالي المحتوى.

وللزعبي الحائز على العديد من الجوائز في مهرجانات تلفزيونية عربية في القاهرة ودبي، عدد من المسلسلات والأفلام التلفزيونية، والافلام الوثائقية التي ناهزت الأربعين فيلما منها حلقات "سيرة مبدع"، ومن مسلسلاته التي لاقت رواجا: "سر النوار"، "المتنبي"، و"كولاج" سيناريو وإخراجا، فيما اشتهر من أفلامه التلفزيونية ونال جوائز "ديك الأحلام".

التعليق