عابدين..حكاية الصناعات البلاستيكية في الأردن

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • عابدين..حكاية الصناعات البلاستيكية في الأردن

        رأفت سارة

   عمان - لم يرق موضوع استيراد بلاد الشام للمسابح من ألمانيا ، وأمشاط الشعر البلاستيكية من ايطاليا ، للتاجر حسين عبد المجيد عابدين ، فقرر ان يقوم بتصنيعها, بخاصة ان قسماً كبيراً منها كان يصل متكسراً أو متأخراً عن مواسم الحج المسيحي للأراضي المقدسة.

     ولهذه الغاية فكر عابدين، المولود في القدس عام 1934، ان يقوم بالتصنيع ذاتياً ، ولهذا كان عليه السفر لألمانيا لاكتشاف سر التصنيع الذي لم يكن معروفاً بعد، إلا ان يدا آدمية تصنعه وأنه يوجد يد أخرى غيرها مبدعة في الشرق الأوسط بإمكانها ان تقوم بما تقوم به اليد الأجنبية. وهذا ما كان بعدما حصل على مبتغاه من ايطاليا، بعدما تعذر ذلك في المانيا.

    تلك الفكرة التي تبناها عابدين أوحت بقيام الصناعة البلاستيكية في الأردن التي كانت ولا تزال رائدة في هذا المجال ، حيث كانت تصدر للسعودية والعراق والكويت منذ مطلع الخمسينيات حين أنشأ عابدين مصنعه، بعدما أحضر الماكينات والآلات من ايطاليا، والأهم بعد ان فرغ من الدراسة في جمعية الشبان المسيحية بالقدس وهو ابن 14 عاماً - اتبعها بشهادة "مترك لندن" التي تعادل الثانوية العامة الآن على يد الاستاذ بترو زكريا. وبعد العمل مع والده في التجارة كان عابدين يقضي وقته الليلي بالدراسة في المعاهد العلمية التابعة لعائلة الحسيني، ومنها تعلم أصول المحاسبية والإدارة التي يتقنها الآن بجدارة هو وأفراد عائلته كافة .

     وبدأ مصنع عابدين بإنتاج أكياس النايلون والأواني والأدوات البلاستيكية ، وما يستجد على هذه الصناعات التي باتت تشكل مركزاً مرموقاً في الاقتصاد المحلي والتي تدخل في شكل مباشر في الاهتمامات الاقتصادية والمعيشية لما تمثله من مزايا الوفرة واعتدال الأسعار وسهولة الاستخدام وبالتالي ارتباطها المباشر بحياة الفرد والمجتمع والمستهلك والمنتج في شكل يومي.

    وأغرت حاجة الناس للأكواب والأواني والكراسي والطاولات وكل ما يلزم المطبخ والبيت بشكل عام كثيرا من التجار بعمل مصانع بلاستيكية طمعاً في ربح سريع ولو لم تحقق الشروط البيئية ولا تخضع بعضها لمقاييس الجودة العالمية، ويتفرع عن الصناعات البلاستيكية منتجات لأغراض الصناعة والزراعة، ومنها منتجات خاصة بتغليف الأغذية ومنتجات المخابز وعبوات مصانع الألبان والفواكه، ناهيك عن منتجات الأغراض الاستهلاكية ذات الاستخدام الأحادي المصنعة من مادة البوليسترين الأبيض كالصحون والعلب والأكواب المختلفة وعبوات التغليف الشفافة وغيرها.

     وانشأ عابدين في العام 1957 مصنعه في القدس ، وظل قائما هناك إلى أن أحرق بعد النكسة عقب تدميره بأصابع ديناميت. ولأن مصنعي الآلات الإيطاليين شاهدوا الحريق على شاشات التلفزيون وقد بدا أنه كان حريقا متعمدا، فإنهم سامحوا عابدين، غير أنه رفض ذلك وأصر الحاج عبد المجيد على ابنه بضرورة تسديدها.

    وزوال المصنع في القدس أدى الى محاولات إعادة إنشائه في عمان هذه المرة في العام 1967 عن طريق استيراد قوالب وماكينات الى ميناء العقبة الذي وصلته الشحنة  دون ان يصل اليها أصحابها، ولهذا تم بيعها في مزاد علني وعليه، فقد تم استيراد مواد جديدة ساهمت بإنشاء المصنع في عمان بعد عام واحد لتبدأ رحلة تصنيع وتجديد أدت لإزدهار هذه الصناعة في البلاد.

    وورث الأشقاء الثلاثة عبد الودود وعبد الوهاب وحسين المصنع عن والدهم الذي غادر الدنيا في العام 1977 فيما ورّث حسين نفسه حب هذه الصناعة لأبنائه الذين درسوا علوماً مختلفة ليساهموا في تحسين أدائها وتنظيم تطلعاتها. فدرس وائل الهندسة الإليكتروميكانيكية وعبد المجيد الاقتصاد ونبيل هندسة الكهرباء ليفيدوا مع عابدين ابن عمهم عبد الوهاب، الذي درس بدوره الهندسة الصناعية، للنهوض بالمصنع وتطوير إنتاجه.

    ويستورد الأردن الآن أحدث الآلات من أوروبا ليقدم للمستهلك المحلي والعربي أحدث ما توصل إليه العلم من اختراعات. وتمنى الحاج حسين بأن تحظى هذه الصناعة التي قدمت كثيرا للاقتصاد المحلي بدعم حكومي اكبر، نظراً لارتفاع أسعار الأيدي العاملة والآلات، بعكس المنتوج الصيني الذي يحظى بدعم حكومي يصل الى 15 في المئة، مع ان الأيدي العاملة رخيصة هناك.

    ولهذا فإن كثيراً من الصناعات والمستوردين والتجار باتوا يفضلون السوق الصينية وغيرها من أسواق شرق آسيا، وهذا أكبر ما يهدد هذه الصناعة الوطنية التي تعاني الآمرين من ارتفاع أسعار المواد الخام والأيدي العاملة والآلات التي كانت أوتوماتيكية سابقاً قبل ان تتطور باتجاه النظام الاليكتروني الذي يختصر الزمن ويزيد الجودة.

(تصوير : أسامة الرفاعي)

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الله على ايام الزمن الجميل (علي عامر)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2015.
    انه شئ من ايام الزمن الجميل