"محترف الرمال" مجموعة من الأصدقاء اجتمعوا على حلم وفكرة

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2005. 10:00 صباحاً
  • "محترف الرمال" مجموعة من الأصدقاء اجتمعوا على حلم وفكرة

      نسرين منصور

 

     عمان- "المحترف الخاص العام" الكلمة العربية الغائبة الحاضرة، مكان الاحتراف، الخصوصية، التأصيل عبر مفردة  "محترف"، أما الجزء الثاني "الرمال" فهي جذر كل الأشياء؛ الطين، الحجر، اللون وهذا من الناحية التقنية، فالرمال هي الأفق المفتوح اللامحدود الذي يحتمل الحركة بشكل دائم دون ان يعرف السكون.

      من هنا بدأت فكرة " محترف الرمال"، كما يقول النحات عبد العزيز أبو غزالة مضيفا "أية فكرة في الدنيا بحاجة لرأي واحد حتى يحملها، ومن غير الحصافة ولا الفطنة أن يظن البعض أن الفكرة يمكن أن تتوزع على رؤوس في وقت واحد بالشكل والكيفية ذاتها"، مضيفاً بأن "فكرة المحترف نادرة وقد يكون هناك بعض التجارب في بلدان أخرى عربية مثل لبنان والقاهرة كان لها تجربة سابقة إلى حد قريب".

       إن ما يميز المحترف بأن الفكرة بمواصفاتها الخاصة والموضوعية جديدة حيث بدأ مكانا خاصا بالفنان عبد العزيز أبو غزالة ليصبح ملتقى عاما بكل تفاصيله مع الحفاظ على خصوصية المكان الخاص بالفنان، وكان يرتاده الكثير من الأصدقاء والفنانين الذين أصبحوا فيما بعد أصدقاء للفكرة "فكرة المحترف الخاص العام" وبهذا بدأ المحترف ينتقل تدريجياً من الخاص بمحدوديته ليصبح مكاناً عاما.

        وبحسب أبو غزالة فإن فكرة المحترف ارتبطت بعدة أفكار سابقة تم تنفيذ بعضها وبشكل بسيط أثناء تواجده في منطقة البتراء التي قضى فيها سبعة أعوام، ومنها عمل ورشات مفتوحة لعدد من الفنانين الأصدقاء في مجالات الفنون المختلفة وبشكل خاص في مجال الفن التشكيلي.

         ويزيد أبو غزالة "بدأت من هناك تتشكل ملامح فكرة جديدة يمكن تنفيذها في أي مكان، وبالضرورة أن يكون هذا المكان فاعلاً وقريباً من الناس كما هو الحال بالنسبة لعمان "جبل اللويبدة".

         كان ذلك منذ خمسة عشر عاماً حين عاد الفنان أبو غزالة إلى عمان، بعد غياب عدة أعوام ، كان لا بد من ايجاد مكان مختلف، يشكل حالة تعويضية بشكل خاص للنحات عن مدينة البتراء ويمكن ان يكون منطلقه الجديد لتنفيذ أفكاره لذلك تم اختيار مكان المحترف الحالي بمواصفاته التي تفي بالغرض. ميز المكان شكل التفاعل الذي استقطب فيما بعد عددا كبيرا من الناس المهتمين والعاملين في قطاع ابداعي من خلال جوه الخاص.

       ويؤكد أبو غزالة في حديثه" ليس ذنب المكان أن بعض الناس اعتقدوا أن لهم علاقة بالتأسيس فالمكان ليس حزباً ولا تنظيماً سياسياً بل هو محترف بسيط للثقافة والفنون التي أعتقد بأنها حقيقية وجادة وتحمل رسالة".

       استطاع المحترف منذ تأسيسه في العام 1999 استقطاب عدد كبير من الفنانين والمهتمين ومن خلال أصدقائه والقائمين عليه حافظ على سوية معقولة لنشاطاته الثقافية الفنية المختلفة وذلك بالاعتماد على جهوده الفردية وبدعم ذاتي حيث يرى أبو غزالة بأن "فكرة المحترف حتى يتم تحقيقها بشكلها الفعلي ينبغي أن تكون مستقلة وتفقد الفكرة معناها وتتلوث روحها إذا ما اعتمدت على مؤسسات أخرى".

         وساعدت حميمية المكان وانفتاحه على الآخر باستقطاب عدد كبير من الفنانين والمثقفين في المجالات الفنية المختلفة على اختلاف مشاريعهم الفكرية والثقافية فبدأت تتشكل ملامح حالة ثقافية جديدة لم تألفها الساحة الثقافية من قبل. 

         إن خصوصية هذا المكان دفعت الفنان عصام بزور إلى وصفه قائلاً " كانت تلك البوابة بلا أبواب، وكأنها توحي لك بإمكانية ممارسة أي فعل حقيقي.. دون قيود، تبدأ ببضع درجات تعلن بانحدارها بداية دخول هذا العالم الآخر الذي يفصله عن المدينة حاجز من فراغ ضيق، لا يستطيع فتحه سوى أولئك الهاربين من كل ما هو زائف.. ومع التقاط أول شهيق لك تصطبغ بتفاصيل المكان لتعلن الذاكرة لحظة ولادة لأمل طالما تقت لرؤيته حياً..".

"مذ تلاقينا وعبأنا زجاجة الأحلام أشرعنا ضواحينا، مضينا على غيم نواصل جمع أيدينا بأيدينا، ونوقظ زهرة الأجداث نرويها فتعطينا". بهذه الكلمات عبر الشاعر رياض حتاوي عن علاقته بالمحترف.

         إن ما دفع حتاوي للكتابة عن هذا المكان حبه واعجابه به فهو يعتبر نفسه صاحب هذا المكان وضيفا مرغوبا فيه، فهو يأتي إلى هنا كل يوم تقريباً بعد الانتهاء من عمله، واصفاً المحترف " بالمكان الفضائي الذي يحلق فيه".

        ويتفق أحد أصدقاء المحترف الشاعر نضال برقان مع ما سبق في كون المكان ورشة مفتوحة تمارس فيها الفنون جميعها، وبشكل منفرد من جهة وبشكل جماعي من جهة أخرى حيث يتم التلاقح ما بين هذه الفنون من أجل الارتقاء بالمستوى الفني للفرد من حيث عمله على مشروعه الخاص والارتقاء بالمستوى الجماعي من خلال الاطلالة على الفنون الأخرى والتواصل معها.

         وبحسب برقان فإن هذا الاحتكاك من شأنه أن يغذي تجربة الفرد والجماعة ومن أهم افرازات مثل هذا التجمع أنه يخلق مساحة للحوار غير الموجودة أصلاً في منطقتنا والارتقاء بسوية النقد.

         وتقول اكرام عقرباوي بأن "واحدا من الثيمات التي يرتكز عليها المحترف الحراك اليومي المتمثل باللقاءات التي تعقد على مستويات مختلفة فهناك لقاءات دورية ثقافية ومتخصصة مثل "لقاء الشعراء"، "ولقاء الثلاثاء" الذي يتم فيه طرح قضية ما، هذا بالإضافة إلى الدورات المتخصصة التي يعقدها المحترف في مجال الفنون البصرية وأحياناً الموسيقى"، لافتة إلى أن "المحترف خرّج عددا لا بأس به من الطلاب من مختلف الفئات العمرية في مجال الفنون البصرية والموسيقى والمسرح حتى بلغ عدد خريجيه 100 طالب وطالبة. ويأتي هذا انطلاقاً من فلسفة المحترف في تقديم التجارب الواعدة للناس ومراعاة هذه التجارب، وتسليط الضوء على تجارب هامة لم تأخذ حقها كما يتم اشراك الشباب الناشئين دائماً في نشاطات المحترف".

      وبينت العقرباوي ان المحترف يحتضن مهرجان ربيع الرمال السنوي "الذي يعنى بكافة قطاعات الثقافة من أدب، مسرح، تشكيل، شعر، سينما. ومن المقرر أن يبدأ المهرجان في دورته الثالثة في الثالث من تموز المقبل، ويحتفي المحترف سنوياً بتقديم شخصية ثقافية لها تجربتها المميزة وهي لهذا العام الشاعر والأديب العربي الفلسطيني "مريد البرغوثي"، ويتم انتاج فيلم تسجيلي عن شخصية المهرجان بالاضافة إلى احتفالية تكريمية بالضيف". وفي هذا الجانب يقول أحد أصدقاء المحترف والمختص في مجال السينما عائد نبعة بأن" الفيلم الوثائقي عن شخصية المهرجان انتهى تصويره وقريباً ستبدأ مرحلة المونتاج"، مبيناً بأن" الفيلم سينما مستقلة".

      ولا يختلف نبعة في رأيه عما سبق كونه من اصدقاء المكان مؤكداً في حديثه على أهمية المحترف الذي "أتاح لرواده ممارسة الحرية والأحلام التي ليس لها حدود".


تصوير: أليسون مونرو

التعليق