صدام لايزال يشعل حرائق الكلام بين مواطنيه في أفلام عراقية

تم نشره في الخميس 9 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً

   روتردام (هولندا) - مشهدان للرئيس العراقي السابق صدام حسين في أولهما يضحك بثقة ممسكا سيجاره وسط رجاله وفي الثاني يسقط تمثاله كنهاية مرحلة وبين المشهدين مسافة تختصرها أفلام عربية في حروب كلامية بين عراقيين في الداخل والخارج فرقهم الاحتلال الأميركي بدرجة لا تقل عما فعله بهم صدام.

   ففي فيلم (غير صالح) وهو العمل الأول للمخرج العراقي عدي رشيد يحاول البطل أن يرسم صورة لبلاده فيكتشف أن ما فعله صدام بالعراقيين لا يختلف كثيرا عما يعانيه المواطنون على أيدي القوات الأمريكية.

    وحصل الفيلم الذي بلغ 67 دقيقة على جائزة خاصة من مهرجان روتردام للفيلم العربي الذي انتهت دورته الخامسة مساء الأحد الماضي تقديرا لمخرجه الذي غامر بإخراج أول فيلم روائي تم إنجازه في بغداد بعد سقوط صدام.

    وشنت الولايات المتحدة الحرب على العراق في 19 مارس اذار 2003 وسقطت بغداد في التاسع من ابريل وانتهى حكم حزب البعث بسقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس ثم أعلنت القوات الأميركية القبض على صدام يوم 14 ديسمبر كانون الأول من العام نفسه.

    فيلم (غير صالح) يصور بقايا جثث تخرج من تحت الركام إضافة إلى رفات يصفها البطل بأنها "قبور جماعية لجنود لا يعرفون قاتلوا من. ومن أجل ماذا."

    كما يستعرض نصب الحرية الشهير الذي أنجزه الفنان التشكيلي العراقي الرائد جواد سليم (1919 - 1961) حيث يظهر وحده في مشاهد تبدو فيها بغداد خالية من الحياة وساحة استعراض لدبابات ومدرعات فوقها قناصة أميركيون بعد أن "نهبوا المتحف (العراقي) وحرقوا المكتبة (الوطنية)."

    ولكن الحرية التي وعد بها العراقيون تتحول إلى كابوس بسبب الفوضى وافتقاد الأمان وتكون ميسون زوجة بطل الفيلم إحدى الضحايا حيث تظل معتقلة في البيت في إشارة إلى أن سقوط صدام أدى إلى فراغ وخلل أمني واجتماعي يهدد استقرار أسرة بطل الفيلم.

    هذا الاضطراب كان موضوع الفيلم التسجيلي (العراق إلى أين) الذي صور في سبتمبر أيلول 2003 قبل نحو 70 يوما من إعلان القبض على صدام.

    ويبدأ الفيلم الذي بلغ 22 دقيقة وأخرجه العراقي المقيم بكندا باز شمعون بمشهد لفجر بغداد على صوت مؤذن يعلن "الصلاة خير من النوم" ثم تتفجر فيه طاقات الغضب على صدام والأميركيين.

فأحد العراقيين يقول إن "صدام دمر العراق. لم يترك شيئا إلا خربه" ويضيف آخر أن "(الرئيس الأميركي جورج) بوش وفر الدولارات. بوش على رأسي" ويلخص ثالث فترة تزيد على ربع قرن قائلا إن صدام "أميركي جاءت به أميركا ثم أخرجته."

   ولكن عراقيا يقول بثقة إن "صدام شريف العرب. أشرف من (حكام) الخليج. أشرف زعيم عربي والرئيس الأمريكي... (قواد)."

    وقال شمعون لرويترز إنه صور الفيلم مع عراقيين في الأردن وتركيا بسبب ما وصفه بأنه مضايقات في دخول بلاده "أبطال الفيلم عراقيون مثلي غير قادرين على عبور الحدود ولاجئون أنهكتهم سنوات الحرب."

   وأضاف أن المضايقات تمتد بصورة أو بأخرى إليه في كندا حيث يقيم حيث اضطر للانتظار أكثر من 90 دقيقة على الحدود وهو متوجه ذات مرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية رغم قوله لمسؤولي الحدود إنه "مسيحي عراقي آشوري."

    أما المخرج هادي ماهود فيعود بعد 13 عاما من غربته الاختيارية باستراليا إلى العراق ليصور فيلمه التسجيلي (العراق موطني) بعد سنة من سقوط بغداد فيقوده صبي إلى دروب مجهولة منها مبنى دائرة الأمن العام وفي أسفله غرف كانت مخصصة لتعذيب المواطنين.

    وكان الصبي أحمد يعمل نجارا للأسقف الخرسانية ولكنه فقد مهنته بعد أن سرق لصوص معداته فصار يبيع الطلقات الرصاصية التي أصبحت بضاعة رائجة.

    تغير مهنة الصبي في الفيلم الذي بلغ 52 دقيقة تتسق مع تغيرات أخرى منها تغير اسم (مدرسة 17 تموز) إلى (مدرسة انكيدو) والاسم الأول يشير إلى تاريخ صعود البعث إلى السلطة في العراق في 17 يوليو تموز 1968 والاسم الثاني لرفيق جلجامش صاحب الملحمة العراقية الشهيرة التي تعد من أقدم الملاحم في التاريخ وكان يبحث فيها عن عشب الخلود.

    كما يسجل الفيلم على لسان مواطن يعتبر الاحتلال الأميركي لبلاده "حرب التحرير" قوله إن "صدام حسين استطاع تخريب عقلية الإنسان العراقي" مقابل مواطن آخر يصرخ "أين الحرية التي وعد بها بوش. أين حقوق الإنسان."

    والاضطراب الذي يعانيه العراقيون تجاوز الجغرافيا في بعض الأحيان ففي الفيلم التسجيلي (أبدا لم نفارقه) الذي أخرجه المصري أحمد رشوان تتابع الكاميرا تدريبات منتخب العراق لكرة القدم في معسكر بالعاصمة الأردنية حيث يعترف لاعب بأن حدوث انفجار في مكان قريب من بيته يسبب له إرباكا فلا يستطيع إكمال المباراة وهو مشتت الذهن.

     وفي الفيلم الذي بلغ 28 دقيقة يروي مسؤولون رياضيون كيف "خرب" عدي صدام حسين الرياضة من منتصف الثمانينيات بالتوازي مع عرض أدوات التعذيب المستخدمة في عقاب كل من يخالفون تعليماته من اللاعبين. أما الآن فكرة القدم "هي المتنفس الوحيد للشعب العراقي. هي الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الشعب."

    ويضيف أن إنهاء الاحتلال "حلم كل عراقي. لا يتخيل أحد حدوث هذا في القرن الحادي والعشرين من دولة تقول إنها الأولى في الديمقراطية."

     وقال أحد العراقيين المقيمين بهولندا لرويترز إن صدام "ليس له مثيل في الإجرام وإن هذه الأفلام وغيرها تحاول الاقتراب من الحقيقة الدموية في عهده فلا يخلو بيت من قتيل في المعتقلات أو الحروب."

    وتحولت الدورة الخامسة لمهرجان روتردام للفيلم العربي إلى ما يمكن اعتباره مهرجانا للعراق والفيلم العراقي. وقال ناقد عربي شارك في المهرجان لرويترز إن صدام "ضيع فرصة بناء دولة قوية ذات موارد ثرية. ولكنه لا يختلف إلا في الدرجة عن غيره من الحكام (العرب) السابقين أو الحاليين."

    وفاز بالجائزة الأولى وهي الصقر الذهبي في مسابقة الأفلام الروائية فيلم (ذاكرة معتقلة) للمخرج المغربي جيلالي فرحاتي ويعالج الآثار النفسية لضحايا المعتقلات في المغرب في عهد الملك السابق الحسن الثاني.

    كما فاز الفيلم القطري (غير خدوني) للمخرج المصري تامر السعيد بالجائزة الثانية في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة ويتناول قصص بعض المثقفين اليساريين المغاربة الذين اختطفوا في السبعينيات ولم يقدموا إلى المحاكمة وقضوا في المعتقلات تسع سنوات ولا يعرفون لماذا اعتقلوا ولماذا أفرج عنهم.

التعليق