زارة: المياه تجاور الحارة.. والصخور الوردية

تم نشره في الخميس 2 حزيران / يونيو 2005. 09:00 صباحاً
  • زارة: المياه تجاور الحارة.. والصخور الوردية

        محمد جميل خضر

 

   وسط سهل يمتد شرق البحر الميت تنساب مياه عين الزارة, قاذفة بمياهها المعدنية الساخنة الى قلب البحر وزبده المشبع بالاملاح والشمس.

ولعين زارة موقع متميز واخاذ, فغربه مياه البحر الزرقاء المترامية خلفه هضاب فلسطين وسهوله الخضراء نهارا والمشعة بأضواء الاسر ليلا, وشرقه جبال مؤاب المشكلة سياج محبة للعين التي كان اسمها قديما "كاليروهي Kallirhoe" وهي كلمة يونانية تعني المياه الساخنة وجنوبها الكرك والعقبة ووادي عربة والطفيلة, وشمال العين الوارد ذكرها في كتاب المؤرخ يوسيفوس احد ابرز مؤرخي العصر الروماني المبكر، باقي وادي الاردن الاخضر.

وحول عين الزارة بنى القائد الروماني هيرود الكبير حمامات وبرك مياه وألحق بها اماكن تشبه القصر, ولم تنقطع منذ ذلك التاريخ اشكال الاستقرار في الموقع القريب من نوازل البحر من اعمدة الملح وبلورات الفتنة, واستخدم في العصر البيزنطي, وكشفت التنقيبات هناك عن وجود قنوات لتجميع المياه واستخدامها في الحمامات, وتصور خريطة الفسيفساء في مادبا المنجزة في القرن الميلادي السادس، عيون الماء في زارة وقد كتب عليها اسمها الروماني ورسم فنان مادبا بواسطة الفسيفساء ثلاثة من المباني تمثل برك ماء تحفها اشجار النخيل. وعرف المكان باسمه الجديد عين زارة منذ قرن تقريبا, وفي العام 1984 و1985 قام عالم الآثار الالماني" شتروبل ودونر" بالتنقيب في موقع عين زارة واكتشف بعض المباني في الميناء القديم التي كانت تستخدم لاستقبال قوارب نقل البضائع القاطعة عرض البحر الميت باتجاه الشاطئ الغربي للبحر وهو ما اكده وجود قوارب في خارطة فسيفساء مادبا مرسومة وسط البحر.

   على بعد 25 كيلو مترا من البحر و65 من عمان تتباهى الزارة بألوان صخرها ومساءاتها الدافئة, وهي على مدى تاريخها شكلت طريقا رئيسية تربط بين كثير من المدن والبلدات, ففي العصر الروماني ومن بعده البيزنطي ربطت الزارة بين المناطق المحيطة وصولا الى بلدة ماعين القريبة منها والى قلعة مكاور "المشنقة" التي تبعد خمسة كيلو مترا الى الجنوب الشرقي من ماعين والزارة, والمطلة على البحر الميت بارتفاع 1100 متر مسيطرة بذلك على حدودها البرية شرقا وعلى البحر الميت غربا, وفي ايامنا هذه تشكل الزارة طريقا رئيسيا لمن اراد الوصول الى العقبة من جهة البحر , ورغم ان طريق العقبة من هناك اخطر من الطريق الصحراوي الا انها اجمل بكثير فخضرة المزارع وألوان الصخر الوردية وزرقة البحر حتى مشارف غور الصافي ترافق الذاهب باتجاه ثغر الاردن الباسم حتى وصوله شواطئها وصخبها ونسيمها اللافح. ويلاحظ من بقايا المكتشفات في عين زارة وجود بقايا معمارية بنيت من الحجارة البركانية المحلية وخزانات تجميع المياه ومبان لاجزاء من الميناء الذي ذكرته ووصفته المصادر القديمة, كما بينت الاكتشافات الحديثة ان موقع العين كان محاطا بأسوار دفاعية تمثل اهميته تجاريا وعسكريا. تمثل الزارة واحة بهجة تتجاور فيها المياه الساخنة مع الباردة, وتتدفق منها مياه بدرجات حرارة مختلفة من 40نبع مياه حارة, وتنتشر حول مياهها الباردة اشجار الليمون والبرتقال ولأول مرة مزارع جوافة تطل معلنة وجودها حول الموقع الغني بتنوعه والعريق بتاريخه وفيها من الخضراوات انواع كثيرة كالخيار والبندورة والباذنجان والقثائيات والزهرة والقرنبيط وتغري شلالات مياهها الساخنة الزوار الذين لا ينقطعون عن العين الطالعة من سهل البحر ومرافئ الشمس.. العين التي تتعانق في بهائها عناصر الخلق وحكايات الخصب.

 

التعليق