التربية الديمقراطية إما أن نفتحها مع وجود الشبك أو أن نغلقها فنخنق أبناءنا

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • التربية الديمقراطية إما أن نفتحها مع وجود الشبك أو أن نغلقها فنخنق أبناءنا

علماء اجتماع ينادون أن يكون الآباء" شركاء لا ملقنين"


            تغريد الرشق

    عمان - "ممنوع النقاش في بيتنا، وعندما يصدر والدي امرا ينصاع البيت بأكمله له" بهذه الكلمات عبرت دانا عبدالرحمن عن أزمتها مع عائلتها. وتحدد ابنة الـ 21 عاما المشكلة في تعامل الآباء مع أبنائهم بأنها تصل إلى "المصيبة" فـ "الأب يفترض نفسه دائما على حق ولا مجال للنقاش او زحزحة رأيه لمسافة 1 سم" ،وتؤكد دانا انها تتمنى ان يفهمها والدها "من دون وضع افتراضات مسبقة بخياله بأنها تكذب او تختلق ذرائع".

    وترى بأن بعض الأهالي "يجبرون ابناءهم على الكذب" فمثلا "اذا قلت لأبي إنني سأذهب مع صديقاتي لتناول العشاء في مطعم سيرفض بالطبع  وهو بهذا يتنكر لحاجات الفرد للتواصل الاجتماعي والذهاب الى اماكن بهدف التسلية البريئة لا غير".

    وتضيف ان والدي يخاف عليّ دائما من تأثير "أصدقاء السوء" واحاول اقناعه بأنني واعية وأميز الخطأ من الصح "الا ان خوفه عليّ يترجم بطريقة خانقة" .وأشعربأنه يفرض عليّ وعلى أخوتي ما تربى عليه قبل نصف قرن،وكأنه مغمض العينين ولا يرى ما يجري في العالم حولنا من انفتاح وتطور"

    ولعل أزمة دانا تكشف في بعض وجوهها عن أزمة تربية لها صلة وثيقة بالأعراف الديمقراطية داخل الأسرة وفي المدرسة وفي الحواضن الأولى لنشأة الأفراد، ويرى تربويون وعلماء اجتماع بأن "المسؤولية تقع على الأسرة لجهة غرس قيم الاعتماد على النفس، وتأكيد الذات لدى الطفل ، ما يؤهله ليكون إيجابي التفكير يعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات".

    ويؤكد استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية د.حسين الخزاعي ان "الديمقراطية في البيت تبدأ بالتنشئة الاجتماعية" ويشير الى ان "الطفل يتشرب العادات والتقاليد الاجتماعية منذ سن الثالثة، ويقلد السلوكيات عن طريق الملاحظة".

    ويشيد الخزاعي بواقع الشباب في الأردن حاليا ،إذ  يقول إنه ووفقا لمسح أجراه المجلس الأعلى للسكان تبين ان" 93% من الشباب الأردني يستطيعون حل مشكلاتهم وحدهم" ،وهذا مؤشر على ان "اساليب التنشئة اختلفت" كما يعتقد عما كان عليه الأمر في السابق.

    ويوضح بأن "أساليب التنشئة في السابق استمدت من البيئة المحيطة، أما الآن فمصدرها الكمبيوتر والانترنت ،كما ان الجيل الجديد يعتمد اسلوب التجربة واحتمال الخطأ الناتج عنها في خطوة دافعة باتجاه الاعتماد على النفس".

    وعن أثر التربية المدرسية في خلق مناخ ديمقراطي لدى الطلبة والأفراد تكشف المعلمة ميسر عامر أهمية معاملة الطلبة بديمقراطية في المدرسة وتقول من خلال خبرة طويلة لها في التدريس:"نجد أنفسنا أمام إشكالية المدرسة التي لا تحترم عقلية أطفالنا " وترى أن ذلك يشكل عائقا أمام التطور وصولا للديمقراطية المنشودة" وتتساءل:" كيف نستطيع مواجهة هذا الأمر؟ " مشددة على أنه "إن لم تحترم المدرسة عقلية الطفل  فلن يتعلم كيف يحترم نفسه وكيف يعتمد على عقله وقيمه في اتخاذ قراراته".

   أما هنادة لبيب فلها رأي مخالف تماما فهي ترى ان "اسلوب اللين لا يجدي مع اطفال هذا العصر" وتؤكد على انها جربت مناقشة اطفالها في امور معينة وأخذ آرائهم في عين الاعتبار الا انها اكتشفت ان "هذا الأسلوب فاشل وان الديمقراطية لا تجدي معهم نفعا ، حيث اصبحوا كالوحوش الهائجة " بحسب تعبيرها.

 

    وتوضح بعصبية وانفعال :"اصبحت أوقات نومهم مرتبطة بمزاجهم وامتدت ساعات سهرهم ، ما ادى الى صعوبة استيقاظهم صباحا للمدرسة،كما ازداد رفضهم لأنواع الطعام ،ناهيك عن عدم إصغائهم لطلباتي" وتضيف بأنها عادت " لأسلوب الدكتاتورية وفرض الأوامر وعدم اعطائهم فرصة حتى لمناقشتها ".الآن تقول: "وجدت راحة البال فجيل اليوم يجب التعامل معه بشدة وإلا سوف نصبح نحن الأطفال وهم الأهل".

     في مقابل ذلك تعرض أستاذة اللغة الانجليزية في معهد اللغات الحديث ايمان شعشاعة تجربتها في تربية بناتها على نحو تصفه بالديمقراطي، فتقول "عودتُ ابنتيْ وعمرهما الآن(22) و(26)  على اختيار ملابسهما منذ الصغر ما دامت غير منافية للذوق العام " ولم أفرض رأيي عليهما. "حتى في الأكل لا أجبرهما على أكل ما لا يرغبون فيه " .

    وترى شعشاعة أن هذا ناتج عن تربية والدتها لها فلا تذكر ان والدتها فرضت عليها أكلا او لباسا وكانت تؤمن بأن الطفل عندما يجوع سيأكل، وتضيف بأنها سمعت كلاما كثيرا من الناس بأن بناتها نحيلات، إلا أن طبيب الأطفال كان ينفي هذا ويؤكد ان صحتهما ممتازة فلم تعد تكترث لرأي من حولها.

    وتزيد شعشاعة وهي حاصلة على ماجستير في اللغة الانجليزية بأنها كانت تشاهد افلام الكارتون مع بنتيها وهما صغيرتان " كي لا تتركهما  لتأثير التلفزيون الضار بحيث تختار ما يناسب بيئتنا العربية وتبين لهما ما هو مناف لعاداتنا".

    وكمثال على ديمقراطيتها في التعامل مع بناتها تستذكر ان صديقات ابنتها كن يدخن السجائر وشعرت ان ابنتها تشاركهم هذا :"قلت لها (دخني أمامي) وانا سأعطيك النقود لشراء السجائر"، وتضيف:" على الرغم من ادراكي ان التدخين مصيبة على صحتها الا إنه أفضل من مصائب أخلاقية أخرى، كما ان كل ممنوع مرغوب". وتتابع :"تركتها تدخن الى ان توقفت من تلقاء نفسها بعد 6 أشهر".

    أما عن التمرد الموجود لدى الأفراد وخصوصا في مراحل مبكرة  فتشير شعشاعة الى "ضرورة استيعاب هذا التمرد بأساليب ذكية"  فـ" اذا ارادت ابنتي ان تسهر أوافق ولكن شريطة أن أعرف من معها في السهرة او ان اقوم بتوصيلها الى المكان".

    وتشدد على اهمية تفريغ الطاقات الجسدية المتواجدة لدى الأطفال باشراكهم في دروس رياضة أو فنون وموسيقى، لأن الفراغ يقود الى "الخطأ". كما تؤكد ان المعارضة ليست "قلة أدب" فإذا لم يعارض الطفل فهذا "دليل على ضعف شخصيته وبخاصة لدى أفراد جيل اليوم الذكي جدا" حسب رأيها، وتصف الحياة بأنها كـ "النافذة التي إما ان نفتحها مع وجود الشبك لمنع دخول الحشرات او أن نغلقها فنخنق أبناءنا".

 

    وتتطلب التربية الديمقراطية من الأسرة بشكل اساسي وبعد تعليم الطفل الاختيار واتخاذ القرار تحمل تبعات قراره على أن يأخذ الوالدان وقتا كافيا في تعليمه هذه الأمور، ثم إفساح المجال له للقيادة في بعض شؤون الأسرة، مثل اختيار الرحلة التي ستقوم بها العائلة يوم الاجازة وكتابة كشف باحتياجات المنزل في فترة أسبوع، اضافة الى التصرف في ميزانية الأسرة لمدة قصيرة، ثم تتدرج المسؤوليات التي يتولاها الطفل وفقا لسنه ودرجة نضجه.

    ويحث خبراء على أهمية صياغة الاتصال الشفهي بين افراد الأسرة لتفكير الأبناء محددين لهم التوجهات الفكرية والثقافية وأنماط السلوك الاجتماعي التي تصبغ شخصياتهم، بعيدا عن جملة من القيم لا تعرف سوى الزجر وأسلوب التحكم في الآخرين" .

    ويصف احمد سلام واقع التربية في مجتمعاتنا العربية بأنه " يعتمد اساليب تربوية عقيمة لا تعرف سوى الدكتاتورية التي تبدأ من البيت باعتبار أن التنازل عن الرأي عيب " ويضيف:"بينما يكمن بناء الديمقراطية الحقة في اعطاء الطفل حق المشاركة في اتخاذ القرار، واعطائه كامل الحرية للإدلاء برأيه سواء في البيت او المدرسة، فالمعلم يمثل الحاكم في المدرسة في حين يمثله في البيت الأب او الأم"ويزيد سلام وهو أب لثلاثة اولاد ذكور أن "للطفل حقا في النقاش،بعيدا عن الضرب والعنف اللذين يولدان العناد " ويتساءل :"لا أدري لماذا يرى بعضهم في ديمقراطية البيت انتقاصا من قيمة الأب؟" ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على ان إدارة مؤسسة العائلة تبقى مهمة الأب الرئيسية الذي يجب ان يعطي مساحة لجميع افراد مؤسسته للتعبير عن آرائهم"

    وترمي مي صادق باللوم على الأب في ديكتاتورية الأولاد بقولها:"لماذا نلوم أطفالنا على كونهم ديكتاتوريين إذا كان الزوج يتعامل مع زوجته بطريقة تنمّ عن عدم اهتمام بآرائها أمام أبنائها فمن الطبيعي أن ينشأ الطفل وهو غير مهتم أساسا بالآخر أو بما يقوله؟"وتشدد:" لابد أولا أن يفهم الرجال أنهم بذلك يؤذون أبناءهم قبل زوجاتهم،فالطفل يتشرب اخلاق والده لا شعوريا".

    ويوافقها الرأي الكاتب الصحافي جميل النمري الذي يؤكد انحيازه للديمقراطية في البيت والتي تؤدي حسب رأيه إلى "تنمية شخصية الطفل بشكل افضل ،ما يقود لمستقبل وحياة عائلية أمتن" ولكن المشكلة تكمن، حسب النمري الذي يرأس الهيئة الأردنية للثقافة الديمقراطية، في " سلامة التطبيق" .

    ويوضح:"التشدد تارة والتسامح تارة اخرى يؤدي الى خلل في المعايير، بينما يجب ان تكون معايير الحزم والتساهل مدروسة ووفقا لقيم معينه تضم الحرية والتفكير الى جانب الالتزام والمسؤولية"ويضيف:"يجب ان ننمي لدى أبنائنا الاحساس بالمسؤولية والكرامة والحرية والحفاظ على الحقوق، وهنا يأتي دور الأهل في تحقيق هذه المعادلة".

    وكمثال على اعطاء الطفل حريته يشير النمري الى " أهمية اتاحة الفرصة له لمشاهدة برامجه المحببة على التلفاز والتسامح معه اذا رغب بالسهر قليلا في بعض الأحيان لمتابعة فيلم معين في الوقت الذي يتطلب الأمر فيه تشدد من نواح ٍاخرى كفترة امتحانات، إذ يمنع خلالها من السهر".

    ويرى النمري ان التعامل مع الأطفال يتم انسجاما مع قيم معينة بحيث يفهم هذا الكائن الصغير الموقف وان نبرر له تصرفاتنا بأي وسيلة قريبة من استيعابه "بمعنى عدم تجاهله عندما يسأل (لماذا؟)". ويلفت النمري الى نقطة مهمة وهي "ثبات الموقف وعدم التراجع عنه لتفادي خلق ثقافة الابتزاز لدى الطفل".

    بيْد أن استاذ علم الاجتماع حسين الخزاعي يعاين الثقافة الديمقراطية لدى الأفراد من زاوية أخرى، إذ ان "ثقافة المدن ليست سهلة وان انتقال المجتمع من الريف الى الحضر يتطلب مجاراة التحضر" ويوجه نصيحة للآباء لكي يكونوا " شركاء وليسوا ملقنين " ويأتي هذا من منطلق ان التربية الحديثة تعتمد علاقة من التكامل والشراكة وليست علاقة تأديبية او تلقينية ،ويدل على هذا ان وزارة التربية والتعليم ألغت اسلوب العقاب والضرب .

    ويرى د.الخزاعي ان مستوى التعليم في الأردن تحسن كثيرا وأصبح له دور كبير في التنشئة مع وجود 8 آلاف من حملة دكتوراه و170 ألف يحملون درجة الماجستير. اما درجة البكالوريوس فهناك 500 الف شخص حاصل عليها في الأردن.

   وجود هذا الكم الهائل من المتعلمين يراهن كثيرون على أنه سيؤدي بلا شك الى اختلاف أنماط التربية ومغايرتها للأساليب التقليدية التي لا تنتج سوى أفراد مشوهين غير قادرين على صناعة المستقبل.

التعليق