"رحلة سعيدة".... قبلة الحب بوصفها ردا على بشاعة الاحتلال

تم نشره في الأربعاء 18 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً

ضمن برنامج نظرة على السينما الفرنسية
 

      محمد جميل خضر

   عمان- شخصيات متناقضة ومتنوعة المرجعيات والاهتمامات جمعتها ظروف الحرب في مكان واحد لتشكل تقاطعاتها ويؤسس تضارب مصالحها القيمة المحورية في الفيلم الفرنسي "رحلة سعيدة" الذي عرض اول من امس في صالة سينما رويال ضمن برنامج نظرة على السينما الفرنسية بتبن من السفارة الفرنسية ومركز زها الثقافي, ورغم وصف الفيلم بأنه كوميدي الا ان حجم الكوميديا في فيلم المخرج جون- بول رابونو لا يمكن مقارنته بحجم الشحن الانساني داخله في خضم صراعات ابطاله للهروب من متوالية الاقدار ومحاولتهم صنع مصائرهم بأيديهم لا بأيدي الساسة الذين يصنعون الحروب والسلام على مقاساتهم وبما تؤهله لهم قدراتهم وامزجتهم وربما في حالات بعينها مصالحهم واهواؤهم, وفي زمن الحرب لا يعود القانون هو ذاته, ولا تشبه جريمة القتل على سبيل المثال جرائم القتل التي تحدث في دولة مستقرة ومستقلة, ففرنسا في حزيران 1940 وما بعده عانت من احتلال الماني نازي خلخل القيم وقسم الشعب الفرنسي الى فريقين واحد تعامل مع الاحتلال كحقيقة قائمة وآخر اعلن رفضه ومقاومته منذ اليوم الاول للاحتلال, ووقف معه في مقاومته اشراف العالم ومناضلوه ورافعو شعار الحرية فيه.

     ويعكس الفيلم المحتفي بالوجوه والمقتربة كاميراته جدا من تعابيرها اجواء الصخب والفوضى والجنون التي سادت الشارع الفرنسي ليلة اجتياح القوات الالمانية لباريس, ويصور قوافل الراحلين عن عاصمتهم الى اماكن اكثر أمنا داخل فرنسا (نيس نموذجا) او خارجها (انجلترا نموذجا), ووسط كل هذه الفوضى تقع جريمة قتل بعد ان تطلق القوات الغازية نزلاء السجون بطريقة عشوائية فيها الكثير من دفع الاذى وخلط الاوراق, وتكون نجمة سينمائية شاهدة على تلك الجريمة.

    ويستلهم رابونو في فيلمه المنتج العام 2002 اجواء تلك الحقبة, ويستمد من ذاكرة الطفل الذي كان في تلك الفترة (رابونو من مواليد العام 1932) بعض التفاصيل المتعلقة بشكل العلاقات, وطبيعة الملابس, وانواع السيارات, والطراز العمراني, ويجمع في فيلمه بعضا من نجوم السينما الفرنسية امثال ايزابيل ادجاني وجيرارد ديبارديو الذي برع في فيلم " اصمت" الى جوار النجم الفرنسي العالمي جون رينو, ومع قصر دور ديبارديو في فيلم "رحلة سعيدة" حيث ادى دور وزير الداخلية الفرنسي ابان الاحتلال, الا انه كان دورا مشبعا بالمعنى خصوصا علاقته مع النجمة التائهة بين عدد من الخيارات والمصرة على الشهرة رغم الاحداث الجسام المحيطة بها.

     ويشكل "رحلة سعيدة" اضافة لأعمال رابونو السابقة مثل "حياة القصور" اول اعماله العام 1976 "منتصر الحماس", "المتوحش", "عصفور على السطح" وغيرها جزءا من الموجة السينمائية الفرنسية الجديدة, ويبرز فيه التحرك الواعي والمدروس سينمائيا وفنيا وجماليا وفكريا وهو التحرك المرتكز على خبرة طويلة وانجازات عديدة فمعظم اعمال رابونو نالت جوائز في الاخراج والتمثيل.

     وفي لحظة فاصلة يقف "رحلة سعيدة" كمحطة, بؤرة توتر, عقدة اختيار حاسمة بين المراهقة والرشد, بين المواطنة والخلاص الذاتي, بين الحب والطموح, بين الانانية والايثار, لحظة لا يعود الناس فيها هم الناس, يسيطر الخوف, وتركض المجاميع بقلق, ويروع الصغار, ويصير الجسر نقطة عبور بين الماضي والمستقبل, بين الاحتلال والحرية في فيلم انتزع وإن بتباعد بعض الابتسامات رغم جسام الاحداث, وانتزع قبلة حب طويلة من عيون العسس وبطش الاحتلال, قبلة آثر رابونو ان تكون مشهد فيلمه الاخير ليعلن انتصار الحب في نهاية المطاف.

التعليق