رزق: نقادنا أدعياء لا قيمة فنية وفكرية لما يكتبونه

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • رزق: نقادنا أدعياء لا قيمة فنية وفكرية لما يكتبونه

روائي أردني يرى أن المجتمعات تعيش حالة انفصام في الشخصية

 

        حاورته: عزيزة علي

عمان- يؤكد صاحب رواية "أشباح الجياد":"أن الطفل الذي عاش في المخيم، حيث الخشونة والقسوة تتجلى بأبشع صورها المادية والمعنوية، لا يمكن أن يقبل برواية تافهة"

ويضيف عبد الناصر رزق والذي صدرت له روايتان هما أشباح الجياد التي صدرت في العام 2002 و"ليلة عيد الأضحى" في العام 2003 "أردت أن أصنع من تلك التجربة صيغة فنية صادقة" ويحمل رزق على الحركة النقدية في الأردن معتبرا أنها "حركة تصالحية عاجزة، وانها "لن تأتي بما هي عليه الآن بأي شيء مفيد!".حول تجربته الروائية والمشهد النقدي في الأردن ورؤاه حوله، كان "للغد" مع الروائي عبد الناصر رزق هذا الحوار:

روايتك الأولى "أشباح الجياد" باكورة أعمالك الروائية بعد مرور ثلاثة أعوام على صدور طبعتها الأولى، ما الذي يمكن أن تقوله عن هذه البداية؟

 كانت بدايتي الأكثر تعقيدا ومرارة كونها تجربتي الأولى بالكتابة أقصد كتابة الرواية- كان حلم كتابة رواية بالنسبة لي بمثابة مغامرة كبرى- فالانتقال من حقل العمل في "البناء" إلى كتابة "الرواية" كان في حقيقته أكثر من مجرد حلم وطموح، أدركت ذلك بعد أن قطعت شوطاً، أصبح من المستحيل بعده العودة إلى نقطة البداية... لقد تعدى الأمر الحلم ليغدو كابوساً، شق عليّ في كثير من الأحيان تحليل رموزه وفهم معانيه المبهمة!

لم يكن ممكنا بالنسبة لطفل المخيم، حيث الخشونة والقسوة كانت تتجلى بأبشع صورها المادية والمعنوية، القبول برواية تافهة، مجرد أوراق تنطوي على براعة مهنية في حقول اللغة وقواعد النحو والصرف... وسقوط في المعنى والقمة الفكرية! كان همي كيف أكتب  رواية "المكان" بما هو محل تجربة إنسانية خلال مرحلة زمنية تنطوي على التجربة الذاتية النفسية والتجربة الاجتماعية بكل ما فيها من تعقيد وتشابك.. أردت أن أصنع من تلك التجربة صيغة فنية صادقة، ولكن ليس كصدق الصيغة العلمية، إن الصدق الفني بالنسبة لي مفعم بالحرارة والمشاعر، ولذلك انطوت "أشباح الجياد" على توتر سنوات الألم الكامن في الذاكرة.

هذا التوتر كيف كان استقبال القارئ والنقاد له؟

بالنسبة لمن قرأوها فقد اعجبوا بأسلوبها من حيث التقنية، وكل من قابلته أو سمعت رأيه كان يبدي موقفه الإيجابي خاصة بشأن توترها العاطفي، وعمقها الفكري.. أما بالنسبة للنقاد، فلي موقف، والقلة ممن قرأوها لم يجرؤوا على تناولها من الداخل، أقصد ما تنطوي عليه من رؤية فكرية بشأن المجتمع والصراع المحرك للعلاقات الظاهرة على سطحه.. أنا أرى أن الحركة النقدية هنا حركة تصالحية عاجزة وهي لن تأتي بما هي عليه بأي شيء مفيد!

بناء على جوابك كيف ترى دور الحركة النقدية حيال ما يصدر من نتاج إبداعي في الساحة؟

أعتقد انه لا توجد عندنا حركة نقدية بالمعنى الدقيق للكلمة. وما هو موجود حقيقة ممن يطلق عليهم لقب ناقد -على قلتهم- ليسوا سوى مجتهدين في هذا المجال، أو أساتذة جامعات، أو حتى أدعياء لا قيمة فنية وفكرية لما يكتبون لأن معظمه يكتب على قاعدة العلاقات الشخصية، ولا يجد طريقه إلى النشر إلا عبر تلك الأدوات الشخصية. وحتى تلك العلاقات الشخصية فإن معظمها علاقات مروضة لا تقوم على العاطفة النزيهة بقدر ما توجهها المنافع المشتركة بمختلف ألوانها وصيغها الانتهازية... إن سؤالك عن حركة نقدية قد حرك في داخلي السؤال حول الكيفية التي ستوجد من خلالها تلك الحركة طالما أننا هنا نفتقد إلى قوى اجتماعية فاعلة على الأرض من شأن وجودها أن يولد صراعا وحراكاً ثقافيا تكون من نتائجه أن توجد على الأرض طاقات فكرية ونقدية مؤثرة في الحياة الثقافية والاجتماعية على حد سواء...

اسمحي لي أن أسأل؛ أين الفكر النقدي المقاوم تجاه ما يحدث جراء الهجمة الثقافية العولمة التي نواجهها هنا في الأردن.. وأين حركتها.. وما هو دورها.. ترى إذا توقفت الصحف اليومية عن دفع المكافآت التي تعطيها لبعض نقاد الصحف، فهل سنرى بعد ذلك قراءات نقدية من تلك القراءات الهزيلة التصالحية... التي يكتبها بعض أساتذة الجامعات فيما أقلامهم ترتجف خوفاً على وظائفهم؟!

دعيني أقول لك بصراحة؛ إن الشهادات لا تصنع نقاداً، وكذلك المال لا يصنع كتاباً!

تحمل رواياتك الكثير من النقمة تجاه المجتمع، وتستخدم لغة قاسية في معالجة بعض الظواهر. لماذا؟

لأوضح أولاً، إنني تعلقت بالكتابة بسبب من خليط القلق والاختلاف الذي كنت أشعر به في إطار وجودي ضمن مكان وناس كنت اشعر دائما أن إحساسي بالحاجة إلى نقدهم يتعاظم يوما بعد يوم، كان ذلك ناتجاً بالدرجة الأولى عن التكوين المميز لشخصيتي في مراحل الطفولة والمراهقة، حيث كنت أعيش في "المخيم" بكل ما لهذا المكان من دلالات تنطوي على القسوة والحرمان بكل ما لذلك من معنى... بالطبع فإن ذلك لم يكن بعيدا عن المجتمع العمّاني، فقد انخرطت في سوق العمل والحياة العمّانية منذ الطفولة، وعانيت الظواهر والناس حسياً، ووقفت على حقائق الأمور بصورة مباشرة... وحين أمسكت بقلمي وأردت أن أكتب، اكتشفت أن كلماتي كانت حارّة، منفعلة وملتحمة بتجربتي الواقعية بصورة فريدة، هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى فقد تشكل فكري انطلاقا من تلك التجربة على نحو جعلني أكره الغرور والعجرفة، وأمقت التبجح البرجوازي، وأميل إلى الثورية وحب الفقراء والمحرومين، بصراحة أكثر إن رؤيتي الطبقية للمجتمع، ووجودي ضمن الطبقة المغلوبة على أمرها دفعني لإدراك العالم إدراكا عميقاً أتاح لي الاضطلاع بالرموز والمعاني وكذلك العوامل التي بموجبها يتحرك التاريخ ويقوم الصراع. فالحياة في نظري صراع، العمل صراع والحب صراع وحياة الإنسان في مجملها صراع مع الطبيعة..

       لذلك تجدين لغتي قاسية، وغضبي عارماً، أصبه بلا هوادة نحو الفئة التي تتحمل تاريخياً سبب ما نعانيه من هزيمة وتخلف. وفي بعض الأحيان يتجه غضبي نحو المجتمع ككل لافتقاده إلى رؤية واضحة بخصوص مستقبله وهويته الثقافية والقومية. إن مجتمعاتنا الحديثة، هي مجتمعات هجينة تعيش أوضاعا قاسية من الضياع والتفكك وانفصام الشخصية، بما يبرر في بعض الأحيان حالات الغضب العارمة التي تنتاب شخوصي.

من اجل ذلك  كان هاجسك الكتابي هو "المخيم"، وما جرى عليه من تغيرات؟

أريد هنا أن أوضح أمراً، وهو أن "المخيم" وهو المكان الذي عشت طفولتي وشبابي في حاراته، وحين أكتب عن "المخيم" لدوافع سياسية محضة تتعلق بأوضاع الشعب الفلسطيني في الشتات. فعلى الرغم من أن ذلك لن يسيئني بالطبع وهو واجب تجاه كل مبدع وفنان واقعي ويرى في الثقافة شكلا من المقاومة... إلا أن هاجسي الأساسي في الكتابة يأتي من خلال ما هو كامن في الذاكرة حول ذاك المكان... في الحقيقة أود أن أوضح أمراً آخر، ففي بعض الظروف يتحتم عليّ لضرورات فنية أن أكتب عن حديقة، ورغم أن تلك الحديقة تكون أمامي أو على مقربة في ذاكرتي، إلا أنني أعجز عن ذلك... أبحث في جهازي اللغوي وأفتش فلا أجد كلمات تناسب تلك المهمة.. ولكن إذا ما طُلب مني أن أكتب عن "مخيم الوحدات" وعن حاراته المتربة ونسائه مشمرات الأذرع، الحافيات ذوات الأرجل المشققة، وعن رجاله الأشقياء الذين كانوا يضطرون إلى رفس الأولاد وضرب الزوجات بسبب ما هم فيه من شقاء، وعن الأطفال العراة المشعثين الذين تعرفهم القطط العوراء، ذوات الآذان المقطعة، تلك القطط التي نادراً ما تحتفظ بأذنابها في ظل تلك القصابات المشردة من الصبية الذين يملؤون حارات "المخيم"، فسأكتب لك آلاف الصفحات!

 في هذه المناسبة، هناك سؤال يخطر لي، حول الكتاب الذين يكتبون عن أماكن وحقب زمانية لم يعرفوها، ولم يخبروا ما انطوت عليه تلك الأماكن وتلك الأزمان من ظواهر وتفاصيل. لا شك أن في الأمر سراً حول قدرات أولئك الكتاب، ألا ترين في الأمر خرقا للمعقول والمنطق؟! أقصد... ألا ترين معي أن فبركة قصة لمكان وناس وظواهر، وإن أتت صادقة من الناحية التاريخية، تأتي خالية من الصدق من الناحيتين الفنية والعاطفية؟! تلك هي المسألة!

تحدثت عن انقطاعك عن الدراسة مبكرا، الآن وبعد أن حصلت على ليسانس في "الفلسفة وعلم النفس"، ما هو أثر دراستك على أعمالك الإبداعية؟

في الحقيقة كان الدافع من وراء إكمال الدراسة نابعا من حلم الكتابة الذي كان في تلك المرحلة يؤرقني، ولم تكن الشهادة الجامعية لذاتها تشكل بالنسبة لي هاجساً، والحقيقة إذا أردت موقفي الصريح الثوري بشأن الشهادات، أقول لك إن مجتمعاتنا العربية مأخوذة بالشهادات لا لقيمتها العلمية بقدر ما لها من قيمة اجتماعية... وإذا ما دققت في الأمر بالعودة إلى جذور مجتمعاتنا الريفية خلال الخمسين سنة الماضية فستدركين أي فخر وأي سعادة كانا يدخلان البيوت مع دخول الشهادة إليها.. بصراحة، أقول إن مجتمعاتنا لهذا السبب وأسباب أخرى نابعة من التخلف الاجتماعي، ظلت مستلبة لفكرة الشهادة الجامعية بدرجات متفاوتة تتعلق بالتخصص ومقدار درجة الشهادة ذاتها، وإذا أردت رأيي بصراحة أكبر، أقول إن معظم الذين شقوا وتعبوا وأشقوا ذويهم معهم من أجل أن يمهدوا أسماءهم بالحرف (د) إنما كانت تدفعهم إلى ذلك رغبتهم في إرهاب المجتمع من أجل أن يعطيهم مركزاً متقدما على سلم الحياة الاجتماعية.

   كان دافعي الأساسي أن أكتب رواية أرضى عنها، كنت أسعى إلى أن أدفع بروايتي إلى النشر وأعود إلى البيت لأنام نوماً عميقاً دون قلق من احتمال إخفاقي هنا أو هناك!

لذلك عزمت في خضم كتابتي لروايتي على دراسة الفلسفة وعلم النفس، في البداية فكرت بدراستها دون الانتساب إلى جامعة، ولكنني قررت أخيراً ان الجامعة سوف تساعدني على ذلك بصورة منظمة.

كان لدراستي أثر كبير على كتابتي الإبداعية فمن خلالها تمكنت من تعميق معرفتي بعالم الأشياء والحياة، وعملت على توسيع دائرة معارفي بصورة خدمت رؤيتي وفلسفتي حول الحاجة إلى الإبداع والكتابة. أما فرع دراستي "علم النفس" فقد أثرى لغتي بجهاز من المصطلحات والتعريفات الخاصة بالنفس البشرية، مما ساعدني على وصف وتحليل الشخوص من الناحية النفسية بصورة أفضل.

التعليق