ادب الاطفال في الاردن يعاني من غياب الدعم

تم نشره في الأحد 8 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • ادب الاطفال في الاردن يعاني من غياب الدعم

كُتاب ونقاد وشعراء يعاينون اشكاليته

 

 

       زياد العناني

عمان- في ظل جملة من الاوهام السائدة يقف أدب الطفل في العالم العربي عموما وفي الاردن خصوصا بين جملة من الاشكاليات التي تحد من وجوده وتوجهاته ودوره في تشكيل الانطلاقة الثقافية للطفل جنبا الى جنب مع مخرجات التربية والتعليم الاساسية في اغماضة شبه عمياء عن مستويات هذا الادب الذي لم يحدد حتى الآن توجهه الى الفئات العمرية بقصدية تستطيع الوصول الى كل هذه الفئات التي تبدأ من العام الثاني عشر الى الثامن عشر وما قبل ذلك من فئات عمرية مهملة بحسب ما يقول بعض المختصين في هذا المجال.

     "الغد" وفي هذا التحقيق تفتح ملف ادب الطفل مع المعنيين للوقوف على اهم الاشكاليات التي يعاني منها والتي تتجمهر مائلة في اكثر من مسألة كالنشر والتوزيع وعدم انتاج الكتابة للطفل من خلال مزاولة الطفولة نفسها اضافة الى غياب الاهداف والمفاهيم وافتقار المشهد الى مدارس نقدية مهتمة بأدب الطفل وتنوع الكتابات الموجهة اليه.

الاعتراف المتأخر

     ويرى مدير تحرير مجلة براعم عمان محمد جمال عمرو ان اشكالية ادب الاطفال تتمظهر اولا بالاعتراف المتأخر به في الاردن وتأخر تميزه كلون ادبي مستقل عن الادب التعليمي، والادب المقدم للكبار والذي يصلح تقديمه للاطفال مشيرا الى انه اذا لم تؤسس لأدب الاطفال مؤسساته، ولم يتنبه اصحاب القرار الى اهمية الطفولة وضرورة التشريع لقوانين تضمن الطفولة اسوة بباقي دول العالم المتحضر.

     ويشير عمرو الى عدم اقبال الكتاب الاردنيين على مخاطبة الطفل ، الا بعد ان غزا ادب الاطفال العربي ساحتنا بكتب الاطفال الواردة من مصر، ولبنان، والعراق، مؤكدا على ان فئة من كتابنا كانت تعد الكتابة للاطفال ومخاطبتهم تحط من قدر الاديب.

    ويلفت عمرو الى عدم قناعة اولياء الامور بأهمية ادب الطفل وغياب الوعي بضرورة اقتناء وتوفير الكتب للطفل الى جانب توفير الغذاء له وكذلك افتقار الساحة الاردنية للمدارس النقدية في ادب الطفل والندوات المتخصصة في هذا المجال.

     ويأخذ عمرو على الجامعات الاردنية عدم ادراج مادة ادب الاطفال كمادة اساسية والاكتفاء بتدريسها على هامش مواد التربية الامر الذي تنبهت له بعض الجامعات الاردنية كافتتاح كلية الملكة رانيا للطفولة في الجامعة الهاشمية وكذلك تدريس مادة ادب الطفل في كلية الآداب في الجامعة الاردنية، داعيا الجامعات الاخرى الى المبادرة في تدريس ادب الاطفال لطلابها الذين سيرفدون ساحة ادب الطفل بالخبرات الاكاديمية التي تؤصل لهذا الادب وتنظم مسيرته وتدعم آلياته.

    ويتطرق عمرو الى غياب الدعم المؤسسي لأدب الاطفال وتحديدا من وزارة التربية والتعليم التي تعد المظلة للجمهور العريض من اطفالنا حيث ان الآلية المتبعة حاليا في شراء كتب الاطفال من المؤلفين عقيمة ولا تشجع الكاتب على ايصال كتبه الى المدارس. كما يتطرق عمر الى غياب الدعم الخاص الذي يؤمل ان يكون له دوره في تسيير عجلة الثقافة وبالتحديد ثقافة وادب الاطفال سيما وان كلفة انتاج ادب الاطفال لا تشكل ارقاما تذكر امام حجم التعامل المادي لمؤسساتنا الخاصة.

     ويزيد عمرو ذاكرا غياب التنسيق بين الجهات المعنية بأدب الاطفال في الاردن وتضارب الجهود وتقاطع البرامج والخطط بما يهدر الطاقات والامكانات والابداع لافتا على سبيل المثال ألى صدور عدة مجلات للاطفال وعن عدة مؤسسات كلها تكرر نفسها ولا تجد بينها مجلة لأطفال المرحلة المبكرة. ويختم عمرو بعدم تفرغ كتاب ادب الاطفال والمبدعين في هذا المجال واضطرارهم للعمل لكسب الرزق وممارسة وانتاج ادب الطفل كهواية او على هامش الحياة مؤكدا على ان الكاتب لا يبدع الا اذا شعر بالاستقرار والامان في العيش وتفرغ لابداعه وادبه اسوة بكتاب العالم المتحضر.

 معاينة الكمّ الكتابي

      من جهتها انتقدت د. رفقة دودين قلة الاهتمام المؤسسي الموجه نحو كتابة الطفل ومعاينة الكمّ الكتابي الموجود بيننا. واعتبرت دودين ان على المؤسسات التي ترعى الطفولة كالمدارس والجامعات والحضانات والجهات المنتجة لأدب الاطفال التوقف عن العشوائية وطرح المساقات المتخصصة لتدريس هذا الادب.

    ودعت دودين مؤسسات المجتمع المدني التي تمثل المثقفين كالروابط والاتحادات لوضع أجندة الاهتمام بالكتابة للاطفال والالتفاف الى قضية ضياع المسؤولية المشتركة التي يعاني منها ادب الاطفال المغيب اصلا عن الساحة الثقافية باستثناء بعض الجهود التي تكونت هنا وهناك مثل جهود "مؤسسة نور الحسين" التي ابدعت في هذا المجال.

 الدعم الهامشي

    وشدد الشاعر علي البتيري على ان ادب الاطفال ما يزال يحبو ويحتاج الى سنوات من الجهد والاهتمام والرعاية والابداع حتى يمشي على قدمين ويتقدم شأنه شأن ادب الكبار معتبرا ان الكتاب والمبدعين في مجال ادب الاطفال يعدون على اصابع اليد ونتاجهم قليل لافتا الى ان عدد الكتب الادبية التي تصدر بلغة الاطفال محدودة للغاية اذا ما قيس بعدد كتب الاطفال التي تصدر في الدول الاخرى. وتطرق البتيري الى الدعم الذي تقدمه المؤسسات الرسمية لكتاب الاطفال وكيف انه لا يزال دعما هامشيا ولا يلبي طموحات واحتياجات كتاب الاطفال وبالتالي لا يلبي احتياجات اطفال الاردن.

      ونوه البتيري الى ان هذه الاشكالية تجعل ادب الاطفال وادباء الاطفال في ازمة يصعب الخروج منها الا بروح المسؤولية العالية وبإدارة الجماعة معتبرا ان الاشكالية الاشد حساسية هي استهانة نفر من الكتاب بطبيعة الكتابة للطفل مضافا اليها قلة الدراية والخبرة وضحالة الموهبة في بعض الاحيان مشيرا الى ان هذا النفر الذي يمثل الاكثرية مع الاسف يفرز ادبا ضعيفا ان لم يكن رديئا يفسد ذائقة الطفل الادبية وينفره من القراءة بشكل عام.

    ويضيف البتيري انه قبل ان نقول بان كاتب الاطفال بحاجة الى التشجيع والدعم والرعاية يجب ان نقول بانه في امس الحاجة الى الخبرة والكفاءة والقدرة على الابداع ليعطينا نتاجا ادبيا رفيع المستوى يستحق الدعم والنشر فالمتوجه الى مخاطبة الطفل في ادبه يحتاج الى الادراك العميق لصعوبة المهمة وحساسيتها كما يحتاج الى انضاج تجربته في هذا المجال على نار هادئة مستشهدا بما قاله الكاتب العبثي المعروف "صموئيل بيكيت" حين سئل ذات مرة لماذا لا تكتب للاطفال فأجاب: "لم تنضج تجربتي بعد لأكتب لهم".

أوهام سائدة

    ولام الروائي هاشم غرايبة الذين يعتقدون ان الطفل ساذج معتبرا ان الطفل ليس جاهلا وان الكتاب الحقيقي من ناحية النشر والتوزيع يلقى رواجا، بل انه من اكثر الكتب مبيعا ويحقق ارباحا عالية.

     وانتقد غرايبة الغياب الكامل للجهد النقدي وعدم التمحيص في ما يكتب للطفل اضافة الى عدم وجود توجه ما لفئة عمرية محددة. اشكاليات متعددة من جهة اخرى قال الناقد زياد ابولبن ان الحديث عن ادب الطفل يدفعنا الى الوقوف طويلا عنده وذلك لانه يقع في اشكاليات متعددة تنظوي على المفهوم والغاية والهدف وغير ذلك.

    واشار ابولبن الى اننا نجد قامات كبيرة كتبت للاطفال مثل: احمد شوقي وفي الاردن ابراهيم نصر الله وعلي البتيري ومحمد الظاهر ومحمود الشلبي وحسن ناجي وروضة الهدهد ود. نبيل الشريف ومحمد ضمرة ومنير الهور وغيرهم مؤكدا على ان عالم الطفل يعد عالما قائما بذاته ويحتاج الى رعاية خاصة من قبل المؤسسات الثقافية وان لا يقتصر الامر على اصدار مجلات وبعض الكتب بل ان تكون هناك مؤسسات كبرى راعية له ممثلة في وزارة الثقافة التي قامت بإلغاء مديرية ثقافة الطفل سابقا دون مبرر الامر الذي قلص حجم الاهتمام بالطفل وادبه.

     واقترح ابولبن اعادة الاعتبار لكتاب الاطفال وان تخصص جائزة على مستوى الدولة لهؤلاء وان تعنى كتب الاطفال بالرعاية اللازمة وان تقدم الصحف مكافأة لكتاب ادب الاطفال لافتا الى ضرورة رفع مستوى الكتابة مرفقة مع حركة نقدية جادة تسير على نفس الاتجاه.

أخطاء لغوية

     وركز الشاعر محمد ضمرة على جملة من الاخطاء التي اعترت الكتابة للاطفال بدءا من ان الكاتب لم يراع نفسية الطفل ولم يسترجع حالته الطفولية الكاملة ولذلك فان كثيرا من الشعراء المبدعين للاطفال قد عادوا انتاج طفولتهم "اي كرروا الحياة الطفولية مرة اخرى" من خلال الذهاب الى مدارس الاطفال ومزاولة حياة الطفولة بابعادها المختلفة حتى يتمكنوا من كتابة ادب يتناغم مع حياة الطفولة سواء كان شعرا او نثرا.

     ودعا ضمرة وجود نقد مواز لادب الطفل لتوجيه المبدعين والبحث عن الاماكن الخطرة التي يجب تجنبها بنفس المقدار للبحث عن الاماكن الجميلة. كما دعا ضمرة الى تجنب السهولة في الكتابة الى الاطفال لافتا الى ان هناك كتابا قد تخطوا القواعد الاولية للكتابة وان كثيرا من المجموعات الشعرية قد امتلأت بالاخطاء النحوية والصرفية ومعنى ذلك اننا نقدم للطفل في حياته الاساسية التي سيبني عليها لغته اساسا خاطئا يصعب تصحيحه.

 التعليمي على حساب الثقافي

     في السياق نفسه اعتبر الشاعر حسن ناجي ان اشكالية الكتابة للطفل يجب ان تبتعد عن الطرح التعليمي وان هناك كتابا تحمسوا لهذا المجال وخرجوا منه بتجربة فاشلة اثرت على مسيرتهم الابداعية. واكد ناجي على ان للطفل عالمه الخاص وان التداخل بين التعليمي والثقافي جعل من هذه المحاولات مناهج مدرسية اضافية وهو الذي يبحث عن نصوص ابداعية موازية للتعليمي لديه لكنه يجد كتبا منهجية تحت اسم قصة او مسرحية لافتا الى ان ابتعاد الكتاب عن الطفل في داخله جعلهم يخاطبون الطفل في داخله من خلال ذكورتهم على اعتبار انهم الوعاظ وهم الآباء وبهذا خلت كتاباتهم من اي صدق فني وحس بالطفولة.


 

 

التعليق