حوار مع القاص ياسر قبيلات

تم نشره في الخميس 5 أيار / مايو 2005. 10:00 صباحاً
  • حوار مع القاص ياسر قبيلات

قاص أردني يكتب عن "الخصوصية المنتهكة"

قبيلات: الطمأنينة والثقة بالنفس تقودان إلى انطفاء الأسئلة

 

       حاورته: عزيزة علي

 

  يرى القاص ياسر قبيلات أن "المجموعة القصصية، ليست مجرد تجميع عشوائي لنصوص متفرقة؛ بل هي في النهاية كتاب، ويفترض فيها أن تأتي متماسكة"، ويضيف خريج المعهد الفيدرالي الروسي للسينما "فغيك" :"إن السينما بعظمتها، وبالموارد المالية الهائلة التي تستثمر فيها، لم تتمكن من إزاحة الرواية".

  ويضيف فبيلات الذي نشر العديد من القصص والقراءات النقدية يرى "أن صهر الأمكنة المتنوعة في مكان واحد، هي متعة لا يضاهيها شيء، سوى القدرة على الطيران بدون أجنحة"، معتقدا بأن "الإنسان الذي ليس لديه ما يخفيه، والمكشوف تماما، كائن عار، أو لربما مجرد شارع عام. ولا احد يحب أن يكون شارعا عاما".

"الغد" التقت قبلات حول تجربته القصصية في الحوار التالي:

-مجموعتك القصصية "أشجار شعثاء باسقة" جاءت أقرب إلى الرواية، أو هي نص واحد، ولكن ليست قصة قصيرة. فكيف تفسر ذلك؟

  أميل إلى القول بأنني لم أقدم رواية، ولا حتى شبه رواية. وأنا على قناعة تامة، بأنني قدمت مجموعة من القصص القصيرة، لا أكثر ولا اقل. ولست في ذلك، أكابر، أو أتحزب للقصة - رغم التقدير الكبير لهذا الفن- كما أنني لست أستثني الرواية من حساباتي؛ ولكن اختيار اللون الأدبي، ليس فعلاً إرادياً محضا، ولا هو قرار شخصي؛ إنه ببساطة، بعض من فروض الكتابة. النص يختار لونه ونوعه وتقنياته الخاصة، أما الكاتب، في ما أحسب، فليس عليه إلا أن يحس نصه جيداً، وأن يقرأ إرادته واشتراطاته، ومن ثم تنفيذها.

  ولكن مبعث السؤال، في ما أحسب، هو القياس على ذلك النموذج المرتجل والشائع للمجموعة القصصية؛ ولكن علينا أن نلاحظ أن المجموعة القصصية، ليست مجرد تجميع عشوائي لنصوص متفرقة؛ بل هي في النهاية كتاب، ويفترض فيها أن تأتي متماسكة، ومتوافرة على القدر المعقول من الترابط البيني بين نصوصها؛ إذ أن التماسك والترابط، ليس شرطاً روائياً، وحسب.                                                                                 -ولكن الحديث يجري عن شخصيات تتكرر في أكثر من نص، وأحداث يرد ذكرها واستحضارها هنا وهناك، بما يدعو للاعتقاد بأن عملك قائم على المحاولة في مجال الرواية؟

  أعتقد إن القصة ليست محكومة بقصرها. إنها قادرة على تقديم أداء "روائي"، بكفاءة عالية، دون الخروج من جلدها القصصي. أما ما يتم رصده في مجموعتي القصصية، فهو على الأغلب محاولة لتوظيف "الكتابة الروائية" في سياق تجربة قصصية بحتة، باعتبارها إمكانية أصيلة، وإن كانت مهملة، في القصة القصيرة. وهنا الأساس: إنها تقترح معماراً روائياً للمجموعة القصصية.

-"تواجد ليلي": لِمَ هذا الشتات الذي يعيشه البطل، والإرباك في ما يريد وما يرى؟

  " تواجد ليلي" تمثل، حالة تأمل مفتوحة؛ وإذ كانت للذاكرة تقنياتها المدهشة في الاستحضار، والتناول، وتكوين الصور، وعرض المتقابلات؛ يمكن صياغة الأمر على النحو التالي: على المستوى الواقعي، ذلك تشتت ذهني؛ وعلى المستوى الذهني، نحن إزاء حالة تأمل. فعلى المستوى الواقعي، فإن التشتت والإرباك اللذين تعيشهما الشخصية الرئيسية؛ هما حال الإنسان، منذ وجد، كلما وجد نفسه مكشوفاً إزاء الأسئلة وتأثيرها؛ وهنا لن تكون طبيعة الأسئلة، بحد ذاتها مهمة، فسواء كانت عامة، أم شخصية، أم إنسانية، فإن أجوبتها، من غير بد، ستضرب في عمق إحساسه بوجوده.

  وبالنسبة لهذه الشخصية، فقد كنت أريد من خلالها، ومن خلال هذا النص، تسجيل إدانة لي، شخصياً؛ ولكنني انزلقت، في ما أحسب، مع النص، ونسيت غايتي الأصلية. أقول نسيتها، لأنني بالنتيجة، لم أحظ بوثيقة الإدانة التي كنت أطلبها، وإنما بالعكس، وجدتني إزاء شخصية أحببتها؛ وسأشعر بالراحة، إن كانت هذه الشخصية تثير امتعاض قارئ ما، أو إن شعر آخر بأنها مدانة.

-ماذا عن الشعور بعدم الأمان، وملاحقة الشرطة له؟

  إنه ليس شعوراً شخصياً محضا؛ بل هو شعور إنساني عام. وبالنسبة لي، فلطالما كان البحث عن مكان آمن، هاجساً مضنياً؛ لم يكن بيت العائلة الذي نشأت فيه، مكاناً آمناً. كان على الدوام، بحكم النشاط السياسي لأخي الأكبر، عرضة لحملات المداهمة والتفتيش. وأظن أن ذلك ما أورثني إحساساً مزمناً، بأن خصوصيتي مهددة، على الدوام.

-ألا ترى أن بطل "تواجد ليلي" يخاف من معرفة نفسه، ولذلك يصر على الحديث عن السيدة الستينية..؟

  قد يكون؛ ولكن دعيني أقول لك شيئاً: الخوف من معرفة الذات، يضع المرء في حالة من القلق الايجابي، التي لا يعدلها شيء إلا عدم الثقة بالنفس. إنني أعتبر هذه الأخيرة، قيمة عليا، بما توفره من ممكنات؛ وبالمقابل فإن الطمأنينة والثقة بالنفس، لا يمكن أن تسفر عن شيء، سوى إطفاء الأسئلة و الركون إلى السائد.

-الخوف من الكهولة؛ لماذا ؟

  تعنين الشيخوخة، كما اعتقد؛ وقد لا تكون الشيخوخة هي ما يخيف على وجه التحديد. بل أعراضها ومن ذلك العجز مثلا، وفي حالة كتابتي، فان المخيف فيها هو الخرف..

-اذاً لِمَ كل هذه السوداوية..؟

  السوداوية!.. ألا توافقينني أن إنسانا يخاف من الشيخوخة، هو من غير بد إنسان متفائل؛ لديه على الأقل، إيمان بأنه سيبلغ تلك المرحلة من العمر؛ وبالتالي، لا أظنني سوداوياً، ولا أحب أن أكون.

-من هي المرأة الستينية التي تدخل في نصك؟

  ينطلق سؤالك، من افتراض أن المرأة الستينية، هي شخصية حقيقية، من الحياة الواقعية؛ لن انفِ ذلك ولن أؤكده؛ إذ اترك الإجابة على هذا السؤال، لنصوص لاحقة سترى النور قريبا. فأمر السيدة الستينية لم ينته هنا، فان كانت قادرة على تجاوز حدود النص الواحد، وتنقلت بين أكثر من نص في مجموعة قصصية واحدة، فعليك أن تتوقعي منها أن تعبر من مجموعة إلى أخرى؛ وستقدم نفسها، في النصوص المناسبة، وفي الوقت المناسب.

-إهداء المجموعة يثير الاستغراب كونه مأخوذا من داخل النص؟

  إهداء المجموعة، في ما احسب، ليس مأخوذا من داخل النص؛ انه, في مكانه، وبصورته، جزء من النص؛ ويتوافق – ليس بمحض الصدفة تماما – أنني قريب من النص، ما اتاح لي أن استثمر إحدى لحظاته، في إرسال تحية لصديق قديم وعزيز، ولبداياتنا المشتركة.

-البيئة والصور التي تنقلها في هذه المجموعة (أو النص)؛ ماذا تقول عنها، وهي أشبه ما تكون ببيئة أخرى غير محلية؟

  النص ينتقي أمكنته؛ ولكن ذاكرة النص، في حالة مجموعتي، لا تنتسب إلى مكان بعينه؛ وهوية المكان الوارد في النص، كذلك، لا تستعير هوية بعينها، كما لا تستعير أي هوية ممكنة. والمكان في نفس الوقت، ليس محايدا، تماما. ولكنه وحسب، مكان قصصي يجد جذوره في أكثر من مكان واقعي؛ وإذا كان لا يشبه المكان المحلي، فلأن كل جذوره – المحلية وغير المحلية – تمت إعادة صياغتها بحساسية النص، لا بحساسية المعرفة العيانية. واحسب أن صهر الأمكنة المتنوعة في مكان واحد، هي متعة لا يضاهيها شيء، سوى القدرة على الطيران بدون أجنحة.

-ما المسكوت عنه، وتخاف أن تقوله؟

  سؤالك كما فهمت يحيل إلى قصة "تصاريف الحيطة والملل"، والمخاوف التي تنتاب الشخصية الرئيسية والمختزلة بالعبارة التي تصور خوف الشخصية الرئيسة من "الشيخوخة والخرف اللذين يمكن لهما أن يدفعاه لقول ما لم يقله أبداً.. ما لم يقترب من قوله مطلقاً"؛ ذلك شيء لا أستطيع إلا أن أؤجل الحديث عنه. فللمرة الثانية تستشرف أسئلتك، مسارات الكتابة اللاحقة؛ وبالرغم من أني ادع الإجابة الكاملة على السؤال لنصوص آمل أن ترى النور قريبا، إلا أنني أود الإشارة إلى الإنسان الواضح تماما، الإنسان الذي ليس لديه ما يخفيه، والمكشوف تماما، كائن عار، أو لربما مجرد شارع عام. لا احد يحب أن يكون شارعا عاما، أو أن يشعر بنفسه كذلك. ويمكن إعادة ذلك، بكل تأكيد، إلى ذلك الشعور بعدم الأمان، وإلى ذلك الإحساس المزمن، بالخصوصية المهددة، على الدوام.

-ما أثر نشأتك في بيئة أدبية على كتابتك؟

  حينما أتمعن مفردة " البيئة" الواردة في السؤال، أجدني لوهلة أتساءل عن أي "بيئة أدبية"، يجري الحديث؛ ولكني لا ألبث أن استحضر شخصا بعينه، هو أخي الأكبر سعود؛ الذي مثل لي، ولإخوتي، ولأقرانه وأقراننا من أبناء منطقتنا بيئة-ربما- أوسع من أن تكون أدبية وحسب؛ لقد كان عنصرا رئيسيا في تلك البيئة التي تشكلت لدينا، ونشأنا فيها، وكانت ثقافية بالدرجة الأولى، سياسية في هويتها، أخلاقية, وهنا-على أساس هذا كله- أستطيع القول باطمئنان أن هذه "البيئة" كان لها تأثيرها التكويني، الأساسي الكبير، وهو تأثير، منه انطلقت، وبه تبلورت شخصيتي على المستويين الشخصي الإنساني، والثقافي الأدبي. وسوى ذلك، فأتذكر أن جدي، كان حكّاءً، من طراز رفيع.

-تصور شخصياتك، كما لو كنت تلاحقهم بكاميرا سينمائية، هل يرجع ذلك لدراستك؟

  دراستي للسينما، من دون شك كانت مفيدة. ومن غير المعقول، أن تكون فائدتها العميمة والشاملة، لم تشمل كتابتي؛ إلا أنني، وعلى العموم، أجد ضرورة للتأكيد على الفارق الأساسي، بين "دراستي للسينما" و"السينما"؛ فإذا كان للدراسة تأثيرها، على مستوى إعدادي مهنياً، للكتابة، فإنه من المشكوك فيه، أن يكون للسينما ذاتها، تأثير على كتابتي. أما تصوير الشخصيات على هذا النحو، فأظن أن مبعثه، الاستناد على الخيال، لا على الإنشاء. لطالما كرهت السرد حينما يضيع في صروف الإنشاء.

-دراستك للسينما، وتحديداً السيناريو، تثير سؤالاً حول ما إذا كنت ستقدم شيئاً في هذا المجال، أم ستكتفي بالإفادة منها في كتاباتك الأدبية؟

  بالرغم من حبي الأكيد لمهنتي الأساسية، وللسينما على وجه التحديد، إلا أنني لا أتعامل معها بصورة "هستيرية" أو بهوس؛ أي باعتبارها المهنة الأهم، والقيمة الأوحد في الحياة، وأن غيابها، في حياتي، أو في حياتنا العامة، يشكل كارثة ما. لا.. إنني أعتقد أن الاكتفاء بمشاهدة ومتابعة ما يستحق المتابعة، أفضل من محاولة إنتاج رداءة إضافية. وما دامت مهنتي الأولى غير متاحة، فالأولى أن استثمر الأدوات التعبيرية الأخرى، وهي بالنسبة لي، لا تقل أهمية. ويمكن هنا ملاحظة أن السينما بعظمتها، وبالموارد المالية الهائلة التي تستثمر فيها، لم تتمكن من إزاحة الرواية؛ بل أن روائياً عظيماً مثل دستويفسكي، يعدل بقيمته وأهميته وبما قدمه، التراث السينمائي العالمي كله: بأفلامه، ومخرجيه، وممثليه، وعموم كوادره، وشركات إنتاجه جميعها.

 تصوير: أسامة الرفاعي

 

التعليق