حوار مع الشاعر حسن جلعاد

تم نشره في الثلاثاء 3 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • حوار مع الشاعر حسن جلعاد

صاحب "العالي يصلب دائما" يرى أن الوطن صلاة حب
جلعاد: الشعراء إجمالا كائنات حساسة تحمل أعصابها فوق جلدها

 

       حاورته  عزيزة علي

        تصوير: اسامة الرفاعي

     يرى الشاعر والصحفي حسين جلعاد ان:"بعضا من الشعراء غائبون عما هو معاش، لأنهم رأوا صورهم في المرايا فبهرهم النور" ويؤكد على ان :" الوطن صلاة حب في درب الآلام، وهتاف في اليوم الثالث"  ولقد اصدر جلعاد ديوان شعر واحد هو "العالي يُصلب دائما"، في العام 1999.

    ولجلعاد الكثير من النصوص الشعرية المنشورة في الصحف اليومية، والمجلات الثقافية ومجموعة من المخطوطات مثل مجموعة قصصية بعنوان" والبحر ينام أيضا" ودراسات سياسية، مثل"الخرافة والبندقية" وأيضا له روايتان "حارة سمخ"، و"الهشير". و" حول تجربته الابداعية ورؤيته للمشهد الثقافي كان "للغد " مع الشاعر جلعاد هذا الحوار :

 (العالي يصلب دائما) نصك الإبداعي الأول، ماذا يعني لك النص الأول، ولماذا يصلب العالي دائما برأيك؟

- للدقة فإن (العالي يصلب دائما) هو ديواني الشعري الأول، وليس نصي الإبداعي الأول. أما ما يعنيه نشر المجموعة الأولى، فإنه بيان عن فرحة الحب الأول، عن أمنيات المستقبل، وغيمات تحك ابر الصنوبر في جسد الحبيبة، انه رهان الإعلان عن خرير نبع سيتدفّق لاحقا ضمن مشروع شعري متكامل. 

    لقد صدر ديواني أواخر العام 1999، وكان يمكن أن تصدر باكورة أعمالي قبل ذلك بسنوات، لكنني تأنيت مطولا قبل أن أُبَوّب رؤاي وأختار مجموعة قصائد ستشكل قوام ديوان (العالي)، لاعتبارات أهمها انحيازي للحس الشعري في إطلاق مجموعة أصيلة، خاصة بي، تحمل صوتي ووجعي، دون تعالق مع أصوات الآباء الشعريين المفترضين، مع أنه عارض يصيب أي مبدع في بداياته وقد لا ينجو منه أحد مطلقا.

      كنت واعيا وعلى نحو مبكر لخطيئة التنصل من الأعمال الأولى كما فعل ويفعل شعراء كثر، لقد تجنبت إطلاق خربشاتي الأولى، وانتظرت حتى أقطف رحيق نفسي. لم أرتهن لعُصابية أن أرى اسمي مطبوعا بأي ثمن على مدونة أندم عليها لاحقا.

      ولعل ذلك هو الذي ما يزال يحكم تعاملي مع نصي ومشروعي الشعري، فقد ألزمت نفسي بالشعر كحياة ورؤيا واحتراف، فابتعدت به عن النشر إلا في مواضعه الحقة، وتجنبت أن أرهقه بالتطلب والتكسب والاستخذاء، فالشعر سيد الروح يتنزل أنى شاء وبالقدر والكيفية التي تحكم منطقه الخاص بعيدا عن حاملات الضجيج الإعلامي، أو وطأة رشق الناس بدواوين تنجز كيفما اتفق بفعل من ضغط حمى التواجد واغتنام هبات المؤسسات الثقافية وسدنتها، والتي لا يكون مآلها في النهاية إلا سلة المهملات. أما لماذا يصلب العالي دائما، فإن الإجابة في الديوان ذاته، فلست من شُرّاح شوارده، وإن لم تغمض جفوني عن معانيه. 

أنت لم تعش الهزائم، ولكن تبرز الهزائم في كل قصائدك، ويسكنك الوطن البعيد ولا تسكنه، ماذا تقول في ذلك؟

- هناك رأي تقليدي ما يزال يرى في نكبة 48 ونكسة 1967 أعمق كارثتين أو هزيمتين لطمتا جبين الأمة في العصر الراهن، ورغم أنني لا اقلل من عمق الجرح العربي النازف بسببهما، إلا أنهما –وقياسا لما حدث بعدهما- تبدوان محض انفتاح لبوابة الجحيم، لقد كانت حرب الخليح- بفصليها الأول والثاني- ثم حرب احتلال العراق أشد وطأة بما لا يقاس، فإذا كنا قد فقدنا فلسطين على إثر النكبة والنكسة، فإننا قد خسرنا أمة بأكملها إثر سقوط بغداد.

لقد فعلت حرب الخليج فعلها في تفكيك النظام العربي فأصبح الانقسام عموديا وأفقيا على مستوى الشعوب وهو الأدهى والأشد إيلاما، فلم يعد الأمر مجرد خلافات بين الحكومات العربية، فيما قوّض سقوط بغداد فكرة الاستقلال الكرتوني ذاته ليطرح معها سؤال وجود الأمة بحد ذاتها، حيث جاءت اكبر قوة غاشمة في التاريخ لتسوط الأمة بسياط تحالف التلمود والنفط، وتقودنا بدباباتها وحراب بحريّتها، وأي هزيمة اكبر من ذلك. وهنا تبدو الخطورة في استهداف وجود الأمة ليس فقط في نوعها الإنساني، بل وفي كيانها الحضاري ذاته، علاوة على قيام القوة الأميركية المستبدة بتجفيف إمكانية التعايش السلمي في العالم، لقد غدا الكون مجروحا في ضميره وأخلاقه الإنسانية ذاتها، وهو أمر لا يجد شبيها له إلا في عصر الظلمات.

       أنا من جيل لم يشهد سقوط القدس، وبالتأكيد لم يشهد قبلها سقوط يافا وحيفا، لكننا ضرّسنا بحصرم الآباء، كما أن طفولتنا كانت مضمخة بصور مرعبة عن بيروت البعيدة التي سقطت تحت مجنزرات العدو الإسرائيلي. لم نعش طفولة "سويسرية" بين الورود والخبز الفرنسي، والأدهى أن كثيرا من أبناء جيلنا قد ولد ورأى النور إبان اقتتال الأخوة، فأي عالم ستأتيه وتلثغ فيه حروفك الأولى والمحيط حولك ملبد بالدم الحرام.

         لقد شهد جيلنا تقصّفا مبكرا في عشريته الثانية إبان حرب الخليج، ولم نكد نشارف العقد الثالث حتى حيقت الأرض والسماء بعدوان عابر للقارات، فولغ ابن آوى في دم جنين، ثم سقطت عاصمة الرشيد، وأصبحت حراب المارينز الأميركية بين السماء وبيننا، وعلى مقربة من نافذة غرفة النوم، وها هي الأمة الآن بين "محافظين جدد" و"مصلحين جدد" ودم حمزة في البطحاء و"لا بواكي له"، فيما تعيش ملايين الأعراب على خبز الكفاف.. فعن أي هزيمة تسألين ولم نعشها!!.

        أما حول الوطن ومن يسكن من، فأرى أن الأوطان ليست فلكلورا ولا وثائق ممهورة، وليس الانتماء مكاء وتصدية للنشيد الوطني. الوطن صلاة حب في درب الآلام، وهتاف في اليوم الثالث: يا أبتي!.

تخلو قصائدك من الزوائد مع اختزال في اللغة، كيف تفسر ذلك، ولماذا هذا الاختزال؟

- الشعر في الأساس بارق في معانيه، تراسلي في إشاراته ورموزه وصوره، وهو قائم على الإيحاء والتلميح وليس الإبانة والتصريح.  إن النظام الشعري مبني في جناحيه على البلاغة والبيان أي اللغة والصورة الشعرية، وتقتضي بنائية الشعر إبراق المعاني في إطار من الصور المتراكبة والتي تعني في المقام الأول تكثيف وصف المعنى بأدق الابتكارات وأكثرها اختصارا لتنقل كيمياء القول أو ما تردد من ذبذبات المعنى في قلب شاعرها.

كما أن واحدة من أهم ميزات اللغة الشعرية هي الانزياح أو الانحراف بدلالات معاني المفردات في استعمالاتها اليومية إلى تراكيب جديدة تعطي للمفردة في سياقها الجديد معنى مغايرا يستمد قوامه من الصورة الكلية للقول الشعري.

     وعليه فإن قدح صور جديدة عبر مفردات شائعة، يتطلب إيجازا في السياق، وفقا لما يتطلبه حبك الصورة والدلالات المغايرة، ذلك أن الشعر مثل صناعة الماس لا يستقيم معها الحشو والتلفيق، بل يتطلب الوصول إلى نقاء الجوهر تخففا مما شاع عن مألوف الكلام واسترساله.

شاركت في مهرجانات شعرية عديدة خارج الوطن، بينما بالكاد تشارك في مهرجانات الوطن، لماذا؟ وأين يكمن الخلل؟

- من الإجحاف القول بأنني بالكاد أشارك في مهرجانات الوطن، لأن في ذلك تعاليا لا ارتضيه لا لوطني ولا لنفسي، علاوة على أن ذلك الزعم مجانب للحقيقة تماما، فإذا افترضنا أن مهرجان جرش الشعري ورابطة الكتاب الأردنيين هما أهم منبرين يحملان شعراء ومثقفي الوطن؛ فأعتقد أنني مشارك على نحو مكثف في أهم المهرجانات والفعاليات الشعرية في الأردن.

     ولكن يحدث أحيانا أن اختار النأي عن المشاركة في بعض النشاطات لاعتبارات مبدئية لا أتنازل عنها، منها وبشكل أساسي أن الشعر كائن حساس ولا يفترض به أن يعرض على قارعة الطريق، وكأن الشاعر متعهد حفلات أو رجل علاقات عامة أو متسول يستجدي سماع مشنفي الآذان بحيث يتحول إلى حاو يتاجر بنصه وشعره.

       علاوة على انه يحدث أحيانا أن بعض القائمين على بعض البنى والمؤسسات "الثقافية" يحتكمون لمنطق العلاقات والتنافع المتبادل، بحيث تنحصر اختياراتهم ببعض "الأتباع" المؤيدين والممالئين لهم، فتتحول المسألة برمتها إلى جلسات للتبخير وحلقات للدروشة، وتفوح منها رائحة تزكم الأنوف، وهو ما يجعلني ابتعد عنهم مسيرة ألف عام، كي لا تتلوث بُردة الشّعر أو تحرقني شرارات كيرهم.

        وبخصوص مشاركاتي خارج الوطن، فإنها لا تخرج عن المعدل الطبيعي، فلست حمّال حقائب لا يكاد يزور بلدا حتى يطير إلى غيره، كما يفعل متعهدو المهرجانات؛ بل أحافظ على تواجد يمكّن قصيدتي من أن تتنفس في المحيطين العربي والعالمي.  

ما رأيك في ارتداد الشاعر إلى ذاته وابتعاده عما يجري حوله من أحداث ومتغيرات؟

- الشعراء إجمالا كائنات حساسة تحمل أعصابها فوق جلدها، وهم بالتالي عرضة للتأثر بما يجري ولا يجري حولهم بانفعالية أعلى منسوبا من الآخرين. ويحدث دائما أن يعود الشاعر إلى نفسه لأن إبداعه يصدر عن منطقة تأملية خاصة وبعيدة لا يصلها أحد بعده بمجرد أن يغلق النافذة دون العالم، ويجلس في الزاوية كي يتنفس.

      ولكن قد يحدث أحيانا أن الكائن لا يعود من هناك، فلا يستعيد اجتماعيته، وقد يعلق البعض فلا يعودون أبدا؛ لذلك نرى بعضا من الشعراء غائبين عما هو معاش، لأنهم رأوا صورهم في المرايا فبهرهم النور، ولم يعودوا يرون سوى ذواتهم، وهنا تبدأ مأساة نرسيس في عشق الذات ولعنة الاكتفاء بها. وقد يحدث عندها أن الشاعر لا يمتلئ إلا بماء نبعه، فيسقط في الركود واعتلال النفس.

       كما أن للمسـألة وجهها الفكري والسياسي والمعرفي أيضا، فقد يختار بعضهم التعالي عن الواقع بدعوى الطهرانية الشعرية أو الفنية، كي لا يتلوث بما يراه راهني وأقل مستوى من "نورانية" إبداعه. على أن كل ذلك في المحصلة هو موقف يختاره الشاعر، وليس بعيدا عن معتقداته الذاتية والفلسفية والسياسية، وقد يزعم البعض انه اكبر من انحياز الايدولوجيات، إلا أن ذلك يبقى انحيازا بحد ذاته، وفي المحصلة فإن الانسحاب وعدم اتخاذ موقف هو موقف بحد ذاته أيضا.

        أرى أن الشعراء الحقيقيين هم أنبياء عصرهم، وأن الشعر إنجيل قلوب الناس، وبالتالي لا يعيش الكائن الشعري إلا بمحيطه الاجتماعي والفكري والسياسي، وحتى إن بدا أن "لا كرامة لنبي في وطنه"، فإنه من المؤكد أن لا نبيّ إلا برسالة وكتاب.

"بكى المغولي حين رأى الله أمام النهر" مطلع قصيدتك (هنا بغداد).. هذا الوصف للفاجعة التي حصلت يستدعي مقولة يرددها البعض بأن الأدب عموما والشعر خصوصا أصبح قاصرا عن تصوير الفظائع التي تجري بحجة أن الصورة ابلغ من القصيدة في زمن التكنولوجيا الحديث والانترنت؟

- ثمة مثل صيني شائع يقول: "ربّ صورة أغنتْ عن ألف كلمة"، وأعتقد أن بعض الفنون ووسائل التعبير أسرع من غيرها في إيصال فكرة أو توضيح فحواها، وعلى الأغلب فإن الفنون البصرية أكثف تعبيرا من الفنون الكلامية في إيصال رموزها.على أن كل ذلك لا يعني أن صنفا فنيا أو تعبيريا يلغي وجود صنف أو فن تعبيري آخر.

      لقد كان "التصويت" والصرخات المرافقة للطقوس ثم الموسيقى هي الأقدم في ظهورها للتعبير عن أشواق الإنسان في كهفه الأول، كما ظهرت لاحقا نقوش آلهته ومخاوفه على الجدران، ولعل اللغة هي الأحدث في ظهورها كنظام للتواصل والتعبير البشري. لكنها ظلت وما تزال هي الأكثر انتشارا ورسوخا في صبغ حياة الإنسان من حيث كونها التراكم المعرفي الأكثر تداولا في الحياة اليومية البشرية.

       أما ما يخص مسألة التعبير الفني تحديدا وتمايز تعبيراتها، فعلى الأرجح أنه ليس مطلوبا من الشعر أن يكون وثيقة خبرية عما يجري، كما أن آلية تشكله ودوره تنأى به عن أن يكون مرآة تعكس ما يجري أو عدسة كاميرا تنقل الأشياء بسكونها، انه عصارة الروح البشرية، بآلامها وأفراحها، وهو أمر يتطلب وقتا- طال أو قصر- في التعبير عن توابع الحدث، القصيدة ليست عدسة مصور، ولا ريشة فنان، انه كلام –كتابة لتفاعلات الإنسان مع ما يجري، مع أنه يحوي في أسلوبياته وسائل تعبيرية قد تنتمي للتصوير أو للرسم.

الصورة تنتمي للراهن اللحظي الذي قد يعيش، بينما ينتمي الشعر للخالد الأزلي، لأنه حوار الإنسان الداخلي.


 

 

التعليق