المرأة العاملة حائرة بين رفض المجتمع وقبوله

تم نشره في الاثنين 2 أيار / مايو 2005. 09:00 صباحاً
  • المرأة العاملة حائرة بين رفض المجتمع وقبوله

        تغريد الرشق

عمان - الطريقة التقليدية التي تزوج بها صلاح ومها لا تعني أنهما لا يؤمنان بالتطور وتغير الحياة. فصلاح كان يريد الزواج بفتاة متعلمة وتعمل، لأنه يؤمن بضرورة عمل المرأة، وقد تفاهم على هذا مع مها التي ارادت في عريس المستقبل ان يكون متفهما لرغبتها بالعمل وبناء شخصيتها المستقلة.

الآن، وبعد مرور 16 عاما على زواجهما، لصلاح ومها ثلاثة أطفال، اصغرهم في العاشرة واكبرهم في الخامسة عشرة.

ومها الآن تعمل مديرة مكتب في إحدى الشركات، وتتقاضى راتبا شهريا يساعدها وزوجها على تأمين حياة افضل لأولادها في ظل متطلبات عصر السرعة الذي نعيشه.

كيف تنظم مها إذا أوقاتها بين العمل والمنزل، فالواجبات هنا وهناك كثيرة. تقول: "احيانا  تكون الأم والزوجة العاملة قادرة على تنظيم امور بيتها وزوجها بشكل ممتاز، ويعود ذلك لحاجتها الى تقسيم الوقت بطريقة فعالة مما يؤدي الى الانجاز بمهنية وتنظيم الأوقات التي يفيد عائلتي بالدرجة الأولى. فتحت الضغط الذي يفرضه العمل وشؤون البيت والاولاد وحتى لا أتهم بأني مقصرة، أضطر لانجاز كل المطلوب مني، واحيانا بشكل افضل وبفعالية اعلى من ربة البيت المتفرغة".

من جانبه يؤكد زوجها، وهو صاحب مطعم، انه لم يشعر بتاتا بتقصير من زوجته تجاه البيت او اي فرد من العائلة على رغم أنها عاملة. وعن اعتراض بعض الأزواج على عمل زوجاتهم يقول: "بعض الأزواج يعترضون على عمل المرأة بخاصة اذا كان الزوج مقتدرا ماليا وغير مقصر في امور بيته وزوجته واولاده. أحد أقاربي مثلا ما يزال يرفض عمل زوجته، فيما هي تريد أن تعمل، ايمانا منها بمقدرتها على المساهمة في بناء مجتمعها وتكوين شخصيتها المستقلة. انا اقف الى جانبها. فأنا اؤمن بضرورة ان تتميز شخصية المرأة بالقوة وليس بالتسلط، وان تحقق ما تريد ضمن اطار ديننا وعاداتنا وتقاليدنا". ويضيف: "لا افهم لماذا يعتبر بعض الرجال عمل المرأة انتقاصا لرجولتهم.. نحن في القرن الواحد والعشرين وآن الأوان لزوال معتقدات كهذه من عقولنا".

يعتقد كثيرون أن عمل الزوجة يؤدي إلى ازدرائها لشريك حياتها بالضرورة. وهذا الكلام عار عن الصحة. فعمل الزوجة قد يقوي علاقتها بزواجها من منطلق القدرة الأكبر على التفاهم، وابتعادها وترفعها عن صغائر امور الحياة لانشغالها بالأهم، مما يخفف حدة المشاكل بينهما. ففي ظل انغماسها بعملها، تجد المرأة باحثة اكثر من الرجل عن وقت العودة للمنزل والابتعاد عن اجواء العمل المشحونة بالتوتر، متجنبة المشاكل قدر الامكان، باحثة عن الهدوء.

رجال يقولون رأيهم

طبعا هناك حالات وآراء مختلفة تماما لرأي صلاح. فنادر حسين يرفض عمل زوجته حتى وان كان الزوج غير مقتدر، انطلاقا من مبدأ العيب ويوضح: "تربّينا على ان مكان المرأة هو البيت، وان الرجل هو الذي يعمل لاحضار قوت يوم اولاده، فلم نر امهاتنا ولا خالاتنا ولا اي سيدة من المحيطات بنا يعملن".

وفي حديث نادر استحضار للصورة النمطية للمرأة العاملة المرتبطة بالانحلال، وإن كان القول لا يؤكد ذلك صراحة، ويقول: "اشدد على اني لا اؤمن بهذا الربط، الا اني اوضح صورة يحتفظ بها بعض الناس في عقولهم. باعتقادي إن تغذية هذه الصورة عائد إلى مبادىء المرأة وتربيتها وقيمتها التي كونتها بمشوارها مع الحياة، وبعمق ايمانها وتوافر وازع الضمير لديها.. فهو الذي يحمي الانسان، سواء كان رجلا او امرأة، من الوقوع بالخطأ".

إن تركنا حديث نادر، فإننا نواجه وجهات نظر أخرى من رجال يرفضون عمل المرأة، يدعمون رأيهم بالموضوع بتساؤلات تشي بالجواب: "هل تستطيع الزوجة العاملة تجهيز طعام عائلتها في الوقت المحدد؟ وهل تحسن المحافظة على نظافة واشراق منزلها فتكون مرطبانات البهارات منسقة وموضوعة بحسب ترتيبها الأبجدي؟".

وهذا بالطبع قليل من تساؤلات مراد نور الذي يفضل المرأة التي لا تعمل. ربما عند مراد شيء من الأساس الذي يبني عليه كلامه، فزوجته جعلت من البيت جنة، وهو ينطلق من هنا: كيف لزوجة تستيقظ مهرولة في الصباح إلى عملها ان تدير شؤون بيت؟ فهي بالكاد تحضر نفسها للخروج باختيار ملابسها وزينتها وتحضير دفتر مواعيدها واجابة هاتفها".

لكن ماذا لو سمعنا وجهات نظر لنساء يعملن؟ هنا تطفو على السطح تلك الشكاوى التي ينلنها، والتي تتلخص بأن الزوجة العاملة متهمة في غالب الأحيان باهمالها لبيتها وزوجها واولادها وحتى لنفسها. لكننا إن ابتعدنا عن هذا الجو الذي يلقي باللوم على الآخر، فإننا سنجد عديدا من الزوجات العاملات اللائي سطرن قصصا رائعة من النجاح بالتوفيق بين عملهن وبيوتهن.

وزوجات يتحدثن

هذان المثالان المتناقضان يعنيان بشكل أو بآخر أن هناك فئة من الزوجات لا تهتم ببيوتها. لكن هل هذا يعني بالضرورة أن العمل هو السبب؟

ندى التي تعمل محامية تتبع طريقة معينة تجنبها التلبّك والحيرة في تنظيم وقتها، بخاصة انها زوجة وام لطفلين، وتقول: "كنت في السابق آخذ اوراق عملي معي إلى البيت لأتابعها، الا انني وجدت ان انجازي عملي داخل مكتبي سيجعلني اعمل بشكل مكثف اكثر، واحتفظ بطاقتي المتبقية لشؤون البيت. لا انكر فضل عملي في تعليمي الانضباط وترتيب وتنظيم كل ما يتعلق بشؤون حياتي.. والشيء الذي طبقته في بيتي هو الاحتفاظ بفواتير المياه والكهرباء والأوراق الهامة في متناول اليد في درج معين، فقد كنت أتعب من البحث عن هذه الأوراق عندما اريدها".

اما سوزان العاملة في حقل العمل الخيري فتقول: "ما يستفزني اني ما ان انتهي من كتابة موعد للعمل على جدول اعمالي واغلق دفتر مواعيدي الخاص بالعمل حتى افتح دفتر مواعيد البيت وارتباطاتي الاجتماعية وارتباطات اولادي". ولكنها تؤكد انها وبعد معاناة طويلة وجدت الحل لمشكلات المواعيد والمنغصات صغيرة التي عانت منها قبلا، وتقول: "فكرت لماذا لا تحتفظ السيدة العاملة بدفتر مواعيد واحد يضم مواعيد العمل والبيت الشخصية تجنبا للتلبك والانتقال من دفتر لاخر، مما يسهل عليها اختيار مواعيدها. ففي اليوم الذي تعرف انها مضغوطة فيه بمواعيد العمل تتجنب الضغط في ساعات المساء في مواعيدها. كما وضعت حلولا جذرية لبعض المعوقات او الملهّيات التي تسرق مني وقتي الثمين الذي قد استغله بما هو قيم، مثل المكالمات الهاتفية الطويلة التي تشكو فيها صديقاتي وقريباتي همومهن". وتضيف: "شعرت اني لست مضطرة لمجاراة ذلك على حساب وقت عائلتي او عملي، وابتعدت عن المجاملات وتركت المكالمات لوقت الفراغ القليل الذي احصل عليه.. بعد ان وصلت لهذه القناعات والحلول اصبحت حياتي اسهل بكثير ووجدت وقتا اكثر استغله في امور لم أكن اجد لها وقتا سابقا".

وتقدم خلود عبد الحليم التي تعمل في وكالة اعلانات نصيحة للزوجة العاملة انطلاقا من تجربتها الشخصية عن كيفية تقليص كمية الوقت الضائع عبثا بالنسبة للمرأة العاملة بقولها: "عندما تنظم المرأة بيتها وحاجياته ستوفر وقتا ،فمثلا ترتيب اغراض المطبخ واعطاء الأولوية للمستخدم اكثر والتخلص نهائيا من غير المستخدم. اما النادر استخدامه فيفضل وضعه في مكان اخر، كالمخزن مثلا. وكذلك ترتيب المواد التموينية كل على حدة، لتسهيل عملية اعداد الطعام وتقليص المدة الزمنية التي تهدر بحثا عن هذه المواد. كما يسهل عليها اعداد قائمة بالنواقص عند التسوق". وتؤكد خلود على اهمية طلب المساعدة من الأولاد احيانا. فمن غير المعقول ان يستمتعوا بمشاهدة التلفزيون وامهم منهمكة وحدها بالعمل.

ولأرباب العمل رأي

ماذا عن أرباب العمل؟ هل يفضلون العاملة المتزوجة أم العزباء؟ يقول مدير شركة ميماك للاعلان فؤاد عبد اللطيف انه لا يهتم بهذه النقطة عند التعيين، واضعا الالتزام بالعمل وتحمل المسؤولية من قبل الموظف من اهم الأولويات عند التعيين، مشيرا الى ان نتيجة تجربته الشخصية اكدت التزاما اكثر من جانب المرأة المتزوجة بعملها، لأنها في الغالب تحتاج للعمل من الناحية المادية لدعم اسرتها، بينما غير المتزوجة تستسهل تغيير العمل.

وعن اختياره بين الاثنتين، لو كانتا تحملان ذات المؤهلات العلمية والخبرة العملية، يفضل فؤاد المتزوجة، بالرغم من اضطرارها لأخذ اجازة امومة عند الولادة، مما قد يعطل سير عملها احيانا. لذلك فهو يقترح انه على المرأة المتزوجة وعندما تقرر العمل ان تضع خطة لحياتها المستقبلية تتواءم مع عملها.

اما رئيسة شؤون الموظفين في احد المصانع الأردنية التي رفضت ذكر اسمها فتقول: "لا يهمنا وضع المرأة الاجتماعي في حال وافقت هي على قوانين النظام الداخلي للمصنع. فعليها ان تكون مدركة لطبيعة العمل وما يستدعيه وجودها فيه".

أما مدير شؤون الموظفين في الشركة الأردنية للصناعات الخشبية (جوايكو) جودت ثلجي فيؤكد ان "الأولوية في العمل للعزباء، من منطلق ان الأم تأخذ اجازات كثيرة كما تؤثر نفسيتها على أدائها في العمل، لأنها قد تكون قلقة على منزلها وأولادها". ويقول انهم في الشركة جربوا تعيين الموظفات بغض النظر عن وضعها الاجتماعي، الا ان الأفضلية عادت لغير المتزوجة التي لا تمانع الدوام لساعات متأخرة وتنتفي العوائق الاجتماعية المؤثرة على العمل لديها.

مديرة البرامج والأنشطة في المعهد الدولي لتضامن النساء - الأردن انعام العشي تؤكد أنها تشجع المرأة للعمل، ليس فقط لحاجة اقتصادية وهي بالطبع حاجة اساسية، وانما لحاجات انسانية واجتماعية ونفسية. فالإنسان المنتج يختلف عن المعتمد على غيره مما ينعكس على الشخصية ومدى المشاركة بالحياة الأسرية والعامة، مشيرة إلى عدم تساوي الشخص المنتج وغير المنتج. كما ان المرأة تكون شريكة في صنع قرارات بيتها واسرتها كناتج عن مشاركتها بالنفقات الاقتصادية وتقول: "نحن النساء في الأردن نرفض دور "الممول الأخرس"، بمعنى ان نكون شركاء فقط في تحمل التبعات الاقتصادية وليس في صنع القرار". وعن رأيها بمدى قدرة المرأة على التوفيق بين دورها كأم وزوجة وعملها تقول: "النساء قادرات على المزاوجة بين الدور التقليدي المناط بهن كربات بيوت، وبين المهام الموكلة اليهن ضمن نطاق العمل". وتضيف: "مقولة أنهن لن يستطعن الموافقة بين هذين الجانبين ذريعة للمعارضين والمحاربين لعمل المرأة الذين يهدفون إلى تهميش دورها وفاعليتها في المجتمع". وتشدد العشي على ان النساء العاملات اقدر على تحمل المسؤولية وتأدية الأدوار من المنزويات في بيوتهن، نظرا للخبرة والتجارب والاحتكاك بالاخرين.

وتضيف العشي ان المرأة العاملة يتم استغلالها من قبل ارباب العمل، بخاصة في المهن البسيطة. ففي بعض الحالات تم ارغام المرأة على التوقيع باستلام مبلغ 100 دينار مثلا، بينما استلمت في الواقع 70، ويحصل هذا عادة في الحضانات ومراكز الأطفال وبعض المصانع والشركات. ولأن فرص عمل المرأة قليلة، فهي تضطر للقبول بهذا خوفا من فقدان الوظيفة، على عكس الرجل الذي عند شعوره بالاستغلال يستقيل فورا.

وعن الصعوبات التي تواجهها المرأة العاملة تؤكد العشي على ان بعض النساء لا يتحكمن بصرف راتبهن. فالزوج هو من يتصرف به بالرغم من جهدها وتعبها الشخصي للحصول عليه. وبظهور خلافات زوجية لاحقا تجد نفسها وبعد سنين لا تملك شيئا. فمنظومة القيم الاجتماعية لدينا فيما يتعلق بممتلكات المرأة تعتبر انها جزء من ممتلكات الأسرة. فالمرأة تشعر بحرج من ان تشتري شيئا وتقول اريده باسمي. وفي حالة معينة تشير العشي الى شراء الزوجة لكامل اثاث البيت، وعند انفصالها عن الزوج طلبت منها المحكمة اثبات ملكيتها للأثاث، الا انها اكتشفت ان الفواتير باسم الزوج، وفي هذا الجانب تنبه العشي المرأة الى ضرورة ان تنتبه لهذه الأمور وان تكون المسائل واضحة ومحددة خاصة وانه في الدين الاسلامي فان الذمة المالية مستقلة تماما للزوجين لكن في ثقافتنا السائدة فلا.

أيضا تقول المستشارة القانونية في المعهد الدولي لتضامن النساء وداد البطوش عن التمييز السلبي الذي تعانيه المرأة العاملة في بعض القوانين مثل قانون ضريبة الدخل 57 لسنة 1985 فالزوج لديه اعفاء 1000 دينار لأنه يعيل زوجته اما الزوجة فلا اعفاء لديها بالرغم من مشاركتها في اعالة البيت، الا في حالة اعالتها المباشرة لأولادها ويجب ان تثبت هذا، وكذلك المادة 35 من نظام الخدمة المدنية والذي يعطي الرجل علاوة عن كل طفل اما الزوجة العاملة فيستثنى اولادها ما دام والدهم موجودا ويعمل.

رأي الأبناء

تقول زينة خريسات 11 عاما التي تعمل والدتها في مجال الاعلام انها تتمنى ان تتخلى امها عن العمل نهائيا، وتضيف ببراءة: "اشتاق لماما دائما". وتؤكد انها تتمنى ان تجد امها وقتا لأخذها مشاوير يوميا وانها تطلب من والدتها التفرغ التام لها ولاخوتها مشيرة بالوقت ذاته الى عدم تقصير امها بواجباتها البيتية او بحنانها الذي تغمرها به، واللعب والأحاديث التي توفرها لهم.

اما دانيا ابوعلي 10 سنوات ابنة صحافية فتقول: "احب ان تعمل امي، فأنا اؤمن بأهمية ما تقدمه للناس من معلومات وبضرورة ان يدري الناس بما يجري من احداث. فلو لم تعمل امي فمن سيقوم بدورها؟ احب ان تبقى معي دائما بالبيت ولكن كيف ستدعم نفسها على الأقل من الناحية المادية ان جلست بالبيت؟". وتضيف: "تعلمت من امي اهمية العمل ومحبته، فهي لا تشعرنا بغيابها عن البيت ونشعر دائما بوجودها، حتى وهي في العمل، لأنها علمتنا كيف نتصرف بغيابها وكيف نعتمد على انفسنا فيما نستطيع". وتقول: "امي تحاول قدر المستطاع انجاز عملها بأقل عدد من الساعات لتبقى معنا اكثر وقت، وهي ناجحة في عملها ومعنا، فأنا اخرج مع امي بشكل يومي كما اجد وقتا للبوح لها بما اريد واعتمد على نفسي بالدراسة التي اتفوق فيها والحمد لله، كما ان امي تدرسني ايام الامتحانات وتساعدني في المواضيع التي استصعبها. باختصار على رغم عمل امي فهي دائما حاضرة ولا اشعر بتقصيرها نحونا".

 

التعليق