جماليات مدينة السلط وجرش بعيون فنانين أوروبيين

تم نشره في السبت 30 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً
  • جماليات مدينة السلط وجرش بعيون فنانين أوروبيين

ورشة فنية تزج حضارتين في "الأورفلي"

 

       نسرين منصور

       تصوير: أسامة الرفاعي

عمان - على أنغام موسيقى هادئة، تجلس الفنانة ميري ابراهامسون وهي تضع اللمسات الأخيرة بضربات ريشتها على لوحتها التي تتخذ من مدينة السلط وجرش منطلقها في الرؤية والصياغة.

    وفي الوقت الذي يبدو فيه المكان الأردني للناظر الذي اعتاد عليه مألوفا، تقف الفنانة ابراهامسون القادمة من النرويج وهي تشعر بالدهشة بعد اطلاعها ومشاهدتها لمدينتي السلط وجرش، في زيارة ميدانية للمدينتين نظمها جاليري الأورفلي لمجموعة من الفنانين المحترفين اجتمعوا للمشاركة في الورشة الفنية التي تقام حالياً في الجاليري وجاءت احتفاءً بمدينة رومانية ميتة تحيا.. ومدينة أردنية حية تموت ببطئ.

    وتضم الورشة الفنان ناظم حامد وخالد كاظم من العراق، ومحمد العامري من الأردن، ميرا ابراهامسن من النرويج، غابرييلا من ايطاليا، وآل بريثويت من بريطانيا.

    وكأن هذه الورشة امتداد لتلك الغربية المليئة بالاعجاب والدهشة في تصوير ورسم الشرق وذلك منذ بدأت مجموعة من المستشرقين في منتصف القرن التاسع عشر بتسجيل الأماكن المقدسة والبلاد الأثرية. وتتميز بأنها فرصة مهمة للتقارب والحوار الثقافي بين الفنانين، وخصوصاً أنها تجمع بين تجارب وحضارات مختلفة وهي فرصة للاطلاع ومعرفة مشاعر الفنانين الأجانب تجاه المكان الأردني.

    الفنانة الترويجية ابراهامسون المشاركة في هذه الورشة تعتبرها تحديا كبيرا وفرصة لتشاهد وتطلع على المكان الأردني بنظرة فنانة أوروبية وليس كسائحة، مما يجعلها تتفاعل مع المكان على طريقتها للتعبير عنها عبر الرسم.

    وابراهامسون المولودة العام 1973 ليست فنانة فقط، وإنما كاتبة أيضا. فهي إلى جانب كونها محاضرة وتدرس مواد مختلفة في معاهد فنية وجامعات في النرويج ودول أخرى في العالم، سبق وأصدرت مجموعة مؤلفات شعرية وثلاث روايات أدبية خلال الأعوام 1999-2004 نشرت في أوسلو، كما نشرت لها مئات المقالات في مجلات نرويجية.

     "في ظلال قاسيون" هو عنوان الكتاب الذي كتبته الفنانة ابراهامسون في العام 2002 متحدثة فيه عن عائلة سورية بسيطة وتصف حياتهم وتقدم صورا حقيقية عن هذه العائلة التي ترمز إلى العائلات العربية.وما دفع ابراهامسون للكتابة عن العائلات العربية حبها للمعرفة واكتشاف الشرق وفهمه، في ظل وجود الفجوة التي لطالما كانت بين الشرق والغرب من النواحي السياسية والدينية.

     وتقول ابراهامسون: "الإعلام لعب دوراً في تشويه صورة العرب والغرب من خلال عرض بعض المسلسلات والأفلام التي شوهت الحقائق. لكن الواقع مختلف تماماً".

    وأتت الفنانة ابراهامسون إلى الأردن ملبية دعوة جاليري الأورفلي للمشاركة في الورشة الفنية التي بدأت أعمالها يوم الثاني والعشرين من شهر نيسان الجاري للاطلاع على خصوصية كل مدينة والتعبير عنها بالرسم متغاضية عن فكرة الفجوة بين العرب والغرب في ظل انتشار الفضائيات التي عممت مفهوم العربي العدائي، مبينة أنها في النهاية انسانة تبحث عن الأشياء المشتركة بينها وبين الفنانين العرب المشاركين في الورشة، لأن هذا باعتقادها ما يجعل التفاهم أسرع وأسهل، وبالنسبة للاختلافات وخصوصاً من الناحية الفنية فانها تجعل حياة الفنان غنية.

    والفنانة ابراهامسون الحاصلة على بكالوريوس فنون جميلة من كلية أوتريخت للفنون أقامت عدة معارض شخصية في مناطق مختلفة، بالاضافة إلى مشاركتها في العديد من المعارض الجماعية، ومنها معرض لبرج دبي في الامارات العربية المتحدة في العام 2004 ومعرض في المتحف الوطني للفنون في أوكرانيا ومعرض في أكاديمية فلامبيسترات في هولندا وآخر في سورية.

     ويعبر الفنان آل بريثويت أحد الفنانين الأوروبيين المشاركين عن مدى أهمية هذه الورشة وحيويتها ويقول: "هذه التجربة حقيقية ومميزة لأنني شعرت بالحيوية والنشاط في مدينة السلط مثلاً وهذا غير موجود في بريطانيا التي أعيش فيها".

    وأبدى بريثويت اعجابه بمدينة السلط، لأنها تشتمل على كل معالم الحياة والجمال ابتداء من الحجارة وانتهاء بلعب الأطفال وتجمعهم في الأحياء، اضافة إلى أنه شعر بأنها تعبر عن المكان الأردني بشكل عام.

    وبالرغم من أن الزيارة كانت قصيرة، الا أن الفنان بريثويت تعرف على المكان وتفاعل معه. وما أثار إعجابه الاضاءة والنور في المكان الأردني والتزاوج بين الماضي والحاضر وتلاقي الثقافة مع المجتمع.

    وبريثويت من مواليد العام 1979، وهو حاصل على بكالوريوس في الجغرافيا من جامعة اكسفورد، وقد شارك في العديد من المعارض الفنية المشتركة في مناطق مختلفة من العالم ومنها "جاليري بريغز روبنسون" في نيويورك، و"جاليري البيرتو فيلار" في لندن، وفي العام 2003 أقام معرضا في جاليري "الأورفلي" في عمان، اضافة إلى مشاركته في معارض في ايران وسلطنة عمان.

  

  حاز الفنان آل بريثويت على عدة جوائز ومنها جائزة شركة شل في العام 2000، وجائزة هنري أوليفر بيكيت في العام 2002.من الواضح أن مدينة السلط أثارت اعجاب الفنانين القادمين من أوروبا بعمارتها القديمة وجبالها وطبيعة الناس فيها، وأكثر ما لفت نظر الفنانة جابريلا زنوني في المدينة المزج بين الحداثة والقدم، حيث تتداخل ألوان الحجارة البيضاء مع الصفراء. وهذا الرأي المحدد والدقيق الذي لمسته زنوني ينعكس في لوحاتها، فهي لا تبتعد فيها عن رسومات الشرفات والزوايا التاريخية، فهي تفضل التركيز على أجزاء معينة من المشهد العام، مستخدمة ألوان الاكريليك والزيتية والكولاج.

    وتشعر زنوني أن هناك تشابها بين مدينة جرش وبعض المدن الايطالية من حيث الآثار التاريخية، مؤكدة بأنه أصبح هناك تشابه وتقارب بين الثقافة الغربية والشرقية مقارنة بالأعوام السابقة.

   وترى زنوني أن هذه الورشة تعكس التفاعل بين الحضارة الأوروبية والعربية لأنها تناولت مدينتين أحدهما عربية وهي السلط والأخرى رومانية وهي جرش.

   وجابريلا زنوني من مواليد ايطاليا العام 1956 كانت بدأت حياتها الفنية من منطلق الطبيعة في الفن، ولكنها تحولت من عكس الواقع كما هو، إلى علاقات فراغية وحلول تشكيلية جديدة. وهي حاصلة على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جنوة ايطاليا، وقد أقامت عدة معارض شخصية في جاليريهات مختلفة في ايطاليا من العام 1997 ولغاية 2002، وحصلت في العام 2000 على جائزة بينالي الفنون - رميني.

     تم اختيار مدينتي جرش والسلط بسبب المفارقة الملفتة للنظر، وهي أن جرش، تلك المدينة التاريخية الرومانية المشهورة التي اندثرت منذ أكثر من 2000 عام، يتم الآن ترميمها واحياؤها من قبل الجهات المسؤولة والجهات الآثارية الايطالية، بينما المدينة الثانية، السلط، هي واحدة من أعرق المدن التاريخية الاسلامية في الأردن مهددة الآن بالزوال أو تشويه تراثها المعماري والحضاري المتميز من جراء التطوير العمراني الحديث.

    هذا ما جعل الفنانة النرويجية ميري ابراهامسون ترسم في الجزء العلوي من لوحتها مدينة جرش لأنها تأخذ الاهتمام الأكبر في صيانتها وترميمها، وفي أسفل اللوحة رسمت البساطة والبيوت القديمة في السلط، لانها تتعرض للنسيان.

    يذكر أن جاليري الأورفلي سيقوم بطباعة كتاب يضم السيرة الذاتية للفنانين ومجموعة من أعمالهم، حيث سيصبح هذا الكتاب مرجعية ثقافية للأجيال القادمة إضافة إلى أن الورشة ستثري الحوار البصري من خلال لقاء المشاركين بالفنان الأردني والعربي.

    وستعرض نتائج هذه الورشة خلال معرض شامل يفتتح غداً تحت رعاية الأمير الحسن بن طلال حتى يتسنى للجمهور الأردني والعربي والأجنبي الاطلاع على تجليات وقراءة المشاركين لتلك المدينتين.


 

التعليق