الأسماء الجغرافية علم هوية الانسان والمكان

تم نشره في الأربعاء 27 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً

      هاني عبد الرحيم العزيزي


 تُعرّف معاجم اللغة الاسم بأنه لفظ يطلق على شيء  لتعيينه وتمييزه عن غيره.

ويفترض أن يكون لكل شيء اسم أو رمز أو رقم على الأقل يُعرف به، ومن ذلك أن للأماكن أسماء تعرف بها، ويتم التعامل معها بعلم  أسماء الأماكن place –name أو علم الأسماء الجغرافية toponymy  حيث يعني الشق topo  من هذا المصطلح اليوناني مكان place ، ويعني الباقي أي  onymia تسمية أي إطلاق اسم، كما تعني كلمة onyma اسم  name.


 ولدراسة الأسماء الجغرافية أهمية كبيرة تكاد - إن لم تكن فعلا – تتصل بكل مناحي الحياة، إذ ترد في معظم الوثائق الشخصية للفرد كبطاقة إثبات الشخصية وجواز السفر وعقد الزواج، وكذلك الشهادات المدرسية والجامعية وغيرها، حيث تبين البلدة الأصلية ومكان الولادة وما نحو ذلك. وتتداول وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة مرئية ومسموعة أسماء أماكن الأحداث ومواقعها، حيث تبعث بمراسليها ومصوريها، ويدرس الطلاب التاريخ والجغرافيا بما فيها من أسماء جغرافية متنوعة. 

وللأسماء الجغرافية جذورها التاريخية ، وما تشير إليه ، فهي دليل هوية وانتماء لا بد من معرفته جيداً، والتأكيد عليه وتعزيزه عبر السنين، وتعريف الأجيال الصاعدة والواعدة به.   فهذا العلم يمكنه الكشف عن معلومات تاريخية هامة لمكان بعينه عبر حقبة زمنية انقضت ومضت في حضارة بادت، ذات لغة اندثرت، وذلك من خلال تتبع أصول الأسماء الجغرافية، ومصادرها اللغوية، ولعلم الأسماء الجغرافية أهميته البالغة في صناعة الخرائط والأطالس حيث تعتبر الأسماء عنصرا أساسيا فيها.


  علم الأسماء الجغرافية هو دراسة تصنيفية taxonomic study لأسماء الأماكن، ويقوم على معلومات اشتقاقية وتاريخية وجغرافية. ويقسم هذا العلم أسماء الأماكن إلى فئتين رئيسيتين:


الفئة الأولى: أسماء المراكز العمرانية (المناطق المأهولة ) habitation names ويقصد بها المدن والقرى والمناطق والشوارع، وترجع مسميات الأماكن المأهولة إلى بداية نشأتها وحتى إلى ما آلت إليه.


الفئة الثانية: أسماء المعالم  feature names ويقصد بها أسماء المعالم الطبيعية أي ظاهرات سطح الأرض، وهذه تقسم بدورها إلى:


1.معالم مائية hydronyms كالبحار والبحيرات والمستنقعات.


2.معالم تضاريسية oronyms كالجبال والتلال والسهول.


3.مناطق نمو النبات الطبيعي كالغابات والآجام والمروج.


  يُعنى علم الأسماء الجغرافية بالتطور اللغوي من حيث الاشتقاق etymology لأسماء الأماكن، أي البحث في أصل الكلمة وتاريخها، والسبب الذي سُميّت لأجله سواء من حيث الجوانب التاريخية والجغرافية، ويقال: أن معظم دراسة الأسماء الجغرافية تركزت على الدراسة الاشتقاقية لأسماء المراكز العمرانية، وعادة ما تهمل دراسة أسماء المعالم، والدوافع وراء تسمياتها.


  تكون أسماء المراكز العمرانية والمعالم الطبيعية إما عامة generic أو محددة specific أو مزيجا من النوعين معا. إذ يرجع الاسم العام إلى صنف من الأسماء كجبل أو نهر أو بلدة، أما الاسم المحدد فيعّين أو يوضح معنى اسم المعلم أو الظاهرة كأن يقال: نهر الأردن.


 وتسير دراسة هذا العلم عادة ضمن مسلّمات ثلاث:


1. إن لكل اسم مكان معنى، بما في ذلك أسماء الأماكن المشتقة أو المأخوذة عن أسماء أفراد أو عائلات أو عنصر سكاني.


2. تبين أسماء الأماكن الوضع site وتوضح بعضا من صفاته، كما توثق بعض الأدلة والبراهين على الاستيطان والعمران والمُلكية.


3. عند ظهور أو نشوء اسم مكان ما فإن تطور النظام اللفظي phonetic لهذا الاسم سيسير موازيا ومصاحبا لتطور لغة الاسم نفسها.


  ودرجت هيئة الأمم المتحدة منذ نحو أربعة عقود على عقد مؤتمر دولي دوري في إحدى المدن العالمية كل سنتين للأسماء الجغرافية يحضره خبراء من مختلف الدول المعنية بهذا الموضوع الهام، حيث تقدم أوراق عمل تتم مناقشتها. ومما تهدف إليه هذه المؤتمرات: التعريف بالأسماء الجغرافية وأهميتها، وتبادل الخبرة والمشورة والوثائق، واعتماد نظام نقحرة (نقل حروف ) transliteration إذ يُعنى علم الأسماء الجغرافية بتوحيد كتابة أسماء الأماكن في اللغة الواحدة، وكيفية نقل الأسماء الجغرافية من لغة إلى أخرى بالحروف الرومانية، كما تقوم الدول المشاركة بالتعريف بمنجزاتها في مجال الأسماء.


  إن البحث والعمل في مجال الأسماء الجغرافية وإن كان شيّقا وممتعا إلا أنه يتطلب قدرات ومهارات علمية يمكن إجمالها في أمرين أساسيين - إلى جانب حب البحث والرغبة فيه - أولهما المعرفة الجيدة والكافية باللغة العربية من حيث القواعد واللهجات، وثانيهما المعرفة الجيدة والكافية بالجغرافيا الطبيعية والإقليمية، لأن الباحث لا يستطيع القيام بالعمل بعيدا عن مجال البحث وميدانه الرئيس وهو الجغرافيا ، كما يمكن للعاملين في مجال المساحة وخصوصا العمل الميداني منها, القيام بجانب كبير من البحث الخاص بالأسماء. وبذلك يستطيع الباحث القيام بعمل مثمر ومفيد. ولا بد هنا من الإشارة والإشادة بكتيب "أسس الأسماء الجغرافية" الذي وضعه الباحث الجغرافي إبراهيم موسى الزقرطي، وصدر عن المركز الجغرافي الملكي الأردني عام 1997، فقد أوفى الباحث الموضوع حقه، رغم صغر حجم العمل كمادة مطبوعة (62 صفحة)، ويحسن بطلاب الجغرافيا في الجامعات العربية، وطلاب المساحة في المعاهد المختصة الاستفادة منه، وإن كان من الأفضل أن يُدَرس موضوع الأسماء الجغرافية كأحد مساقات الجغرافيا نظرا لأهميته التي لا تقل بحال - إن لم تكن تزيد - عن بعض المساقات.


  ولا بد من الإشارة إلى أعمال علمية قيّمة في مجال الأسماء الجغرافية ومنها "أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها" دراسة لغوية, والذي وضعه أنيس فريحة، وقد صدر الكتاب عام 1956 من منشورات كلية العلوم والآداب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ويقع الكتاب في نحو 370 صفحة، رغم أن واضعه ذكر في مقدمته أنه جهد لجعل البحث في متناول الناس لأن الكتاب للناس، إلا أنه حافل بالتعريف والتفسير والتعليل. كما وضع د.سلطان عبد الله المعاني كتاب "أسماء المواقع الجغرافية في محافظة الكرك دراسة اشتقاقية ودلالية" عام 1994 من منشورات لجنة التراث/ عمادة البحث العلمي في جامعة مؤتة، ويقع الكتاب في 88 صفحة.

   إن صدور هذين الكتابين إضافة إلى كتيب الزقرطي آنف الذكر عن هيئات علمية متخصصة لدليل على أهمية موضوع الأسماء الجغرافية، وان القيام بوضع مرجع أو كتاب أكاديمي فيه أكبر من ان يقوم به فرد بإمكانياته الشخصية، وعليه فإن أضيف العمل الميداني الذي يستحق لتكتمل الدراسة لتطلب الأمر مؤسسات علمية ذات مخصصات مالية لشؤون البحث حتى تتكفل بنفقاته المختلفة. وما على الجغرافيين والمهتمين إلا انتظار وترقب صدور دراسات وكتب مماثلة ومشابهة لما سبق، وتغطي أسماء مدن وقرى وعالم الأرض الأردنية، فالمهمة شاقة وممتعة، ومجزية على الصعيد الوطني.   


باحث جغرافي

التعليق