حكاية تمثال الحرية.. والسفر إلى نيويورك بدلا من قناة السويس

تم نشره في الأربعاء 27 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً
  • حكاية تمثال الحرية.. والسفر إلى نيويورك بدلا من قناة السويس

      رأفت سارة


 .. "إن تمثال الحرية موجود في الولايات المتحدة بالذات، ودون أي مكان آخر في العالم؛ لأن البشر عادة لا يقيمون التماثيل إلا للموتى"!


    هكذا يقول الأديب البريطاني الساخر جورج برنارد شو عن التحفة الفنية التي تعتبر نموذجا مغايرا لما قد تلمسه من سياسات الولايات المتحدة تجاه "ولايات الله" التي تخرج عن المسار الذي ترسمه.


    إن دهشتك من سياسة أميركا تجاه "عباد الله" على الطرف الآخر من القارة قد لا توازيها دهشتك إن علمت أن تمثال الحرية كان من المقرر ان يكون في مصر.وفي الحقيقة أن زيارة أميركا وما تعج به من آلاف وربما ملايين المباني والمناظر الطبيعية التي تبهرك، لن تجعلك قانعا بما رأيت، إن لم تكن قد رأيت، ما ينبئك بعراقة وتاريخ تلك البلاد التي أقيمت على أنقاض الهنود الحمر والعمال المستضعفين في الأرض.


    ومن هنا فإن الأميركيين يعتزون كثيرا بالهدية التي جاءتهم من الشعب الفرنسي في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1886وهي عبارة عن تمثال "مستورد" من الفكرة وحتى التصميم والتنفيذ، حيث أقيم بعقول وسواعد فرنسية، اكتفى الأميركيون معها بلعب دور "الكومبارس" بجدارة.. ورغم كل ذلك فهم يعتبرونه من مقتنياتهم الجديرة بالفخر.. وذلك وسط ما يعانونه - كنتيجة طبيعية لحداثة دولتهم - من فقر في أية آثار عتيقة/ كتلك التي تزخر بها بلدان أخرى تمتد حضاراتها لآلاف السنين، كبلاد الشام ومصر والعراق.


شموخ ليبرتي


     ويطل التمثال بشموخ على مدخل جزيرة ليبرتي (كان اسمها سابقا جزيرة بيدلوز) بمدينة نيويورك، وعليه عبارة تقول: "الحرية تنير العالم".

 ومع أنه ليس أثرا عتيقا من الناحية الزمنية إذا قورن بآثار الشرق الأوسط أو الصين، فقد جاء في وقته مبهرا للأميركيين لضخامته وإبداع صنعه ودقة تصميمه وعبقرية فكرته وتنفيذه.

وربما أحسوا أنه كان من الواجب في ذلك الوقت (ولم تكن فيه أميركا بعد دولة عظمى) أن يأتيهم هدية من شعب آخر أعرق منهم بكثير في حضارته وهو فرنسا، فكان أن رحبوا بالهدية شاكرين.


    وتمثال الحرية يحكي قصة طويلة وطريفة، وهو الذي اعتبرته الولايات المتحدة مَعلما وطنيا وأثرا قوميا لها في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1924، في الوقت الذي أعلنته الأمم المتحدة – بعد نحو ستين عاما - موقعا من مواقع التراث الإنساني العالمي عام 1984. 


فقبل أكثر من 118 عاما كانت الصداقة  بين الشعبين الفرنسي والأميركي، في أوجها، لأن الفرنسيين وقفوا إلى جوار الأميركيين في نضالهم ضد الإمبراطورية البريطانية - المنافس التقليدي لهم - والتي كانت تتمسك بالسيادة على مستوطنات أميركا باعتبارها من مستعمراتها ووقفت في وجه كل محاولات استقلالها، واعتبرت إعلان الاستقلال في 4 تموز (يوليو) 1776 "وثيقة خيانة".


     وبادل سكان الولايات المتحدة "الوليدة" يومها هذه المشاعر الفرنسية المتعاطفة معهم بمثلها، لا سيما أن هناك مقاتلين فرنسيين ذهبوا إلى أميركا للقتال معهم في سبيل الحرية والاستقلال. ولا شك أن اندلاع الثورة الفرنسية في 1789 أدى إلى تنامي علاقات الصداقة بين الثورتين.


    كان من الطبيعي أن يفكر الفرنسيون في شيء كبير وله قيمة يشاركون به في مناسبة احتفال الأميركيين بمرور مائة عام على استقلالهم، أي في عام 1876.

ولكن واحدا بعينه فقط من كبار الشخصيات الفرنسية، وهو المؤرخ والمفكر الفرنسي البارز إدوار دي لابولاي، هو الذي شغله هذا الخاطر مبكرا، ورأى أنه لا بد من الاستعداد له قبل حلول التاريخ المذكور بفترة كافية، فاقترح في عام 1871 على مجموعة من زملائه وأصدقائه إعداد مشاركة فرنسية متميزة في احتفالات الولايات المتحدة الأميركية بذكرى استقلالها المائة.


    كان من بين الحاضرين بارتولدي الذي كان يحتفظ بتصميم التمثال ولا يجد الجهة المناسبة لوضعه موضع التنفيذ؛ فاقترح تنفيذ فكرته الخاصة بتمثال الحرية، وبعض المصادر تجعل لابولاي نفسه هو صاحب الاقتراح من البداية وتغفل تماما - ربما عن قصد - قصة عرض التصميم أولا على الخديوي إسماعيل ليقام التمثال على مدخل قناة السويس في مصر.


ثمن باهظ ويد يمنى


    تحمس لابولاي لفكرة تمثال الحرية، وتحمس الحاضرون؛ ولأن التكاليف المرتقبة كانت باهظة، كان لا بد أن يؤسس لابولاي "الاتحاد الفرنسي الأميركي لتمويل المشروع".

 ولكن توفي لابولاي قبل أن يتم المشروع، فحل محله المغامر المشهور فرديناند ديليسبس الذي ارتبط اسمه بمشروع قناة السويس، كما توفي المهندس الفرنسي يوجين - إيمانويل فيوليه - لو- دوك الذي كان مكلفا بإنجاز بعض نواحي المشروع الفنية، وبالذات تصميم الإطار الذي يضم دعامات الصلب الضخمة للتمثال، فكان أن حل محله في ذلك المهندس الفرنسي الأشهر ألكسندر جوستاف إيفل المشهور بتصميمه لبرج إيفل الذي يحمل اسمه حتى الآن في باريس، وصار من أشهر معالم الدنيا هو الآخر.


     الطريف أنه مع حلول الذكرى المئوية الأولى لاستقلال الولايات المتحدة، لم يكن قد أُنجز من التمثال سوى اليد اليمنى فقط، ولكن حماسة الجانبين للفكرة أدت إلى إرسال هذه اليد اليمنى إلى الولايات المتحدة، حيث عرضت في معرض بفيلادلفيا في مناسبة العيد المئوي، ترقبا لاكتمال المشروع في وقت لاحق.


    واجه تنفيذ المشروع عقبات كثيرة، كان من أهمها تمويل تكاليفه الضخمة، وكان الجانبان الفرنسي والأميركي قد اتفقا على تقاسم التكاليف، بحيث يتحمل الفرنسيون نفقات بناء التمثال نفسه، على أن يتحمل الأميركيون تكاليف إنشاء القاعدة، وهي لمن لا يعرف بناء ضخم ومكلف جدا أيضا.


     ولجأ الجانبان لكل السبل الممكنة للتمويل، من تبرعات وضرائب وحملات دعائية وترويجية، ونجح الفرنسيون في تغطية ما يخصهم، واكتمل صنع التمثال في فرنسا في تموز (يوليو) 1884، ولكن الأميركيين هم الذين وقعوا في حيص بيص.


     وذلك لأن التمثال تم بالفعل شحنه إلى أميركا بعد تفكيكه ووضع داخل 214 صندوقا تضم 350 قطعة ووصل إلى ميناء نيويورك في حزيران 1885 على متن الفرقاطة الفرنسية Isere. كل ذلك والقاعدة لم تكتمل!.


هنا بيت الحرية


    ولما لم يكن من الممكن عمليا إقامة التمثال دون القاعدة التي ستحمله، ولم يكن لدى الحكومة الأميركية أموال كافية، فقد سارع جوزيف بوليتزر (الذي يحمل اسمه أكبر وأشهر جائزة أدبية في أميركا حتى الآن) لنشر افتتاحية في صحيفته The World جعل عنوانها "العار الوطني"، قال فيها إنه سيكون من العار على نيويورك والولايات المتحدة أن تقدم لها فرنسا هدية فتكون عاجزة عن إقامة قاعدة لها.


     وكانت هذه الافتتاحية بداية حملة للاكتتاب الوطني العام لهذا الغرض، وتمكن بوليتزر خلال أربعة أسابيع فقط من جمع 25 ألف دولار، وكان يشجع المتبرعين بنشر أسمائهم في لوحة للشرف في جريدته. واستمر الاكتتاب والتبرعات - والتمثال قابع في الصناديق منذ وصوله - لما يقرب من عام كامل!


    اكتمل التمويل الأميركي لبناء القاعدة في آب (أغسطس) 1885، وتم وضع آخر حجر في القاعدة يوم 22 نيسان (ابريل) 1886، وهكذا لم يعد باقيا وقتها سوى الانخراط في العمل بهمة وجدية لإعادة تركيب التمثال ونصبه فوق قاعدته.


     بعد ذلك، وفي احتفال مهيب وكبير أقيم في نيويورك في 28 تشرين الاول (اكتوبر) 1886، وبحضور نخبة من كبار الشخصيات الفرنسية والأميركية، قام الرئيس الأميركي في ذلك الوقت، جروفر كليفلاند، بتدشين التمثال رسميا، وألقى كلمة أعلن فيها بالنيابة عن الشعب الأميركي قبوله لهذه الهدية العظيمة المقدمة من الشعب الفرنسي الصديق، قائلا: "لن ننسى أن الحرية قد اتخذت لها بيتا هنا..."!


    وفي عام 1892، تم افتتاح جزيرة إليس Ellis الملاصقة لجزيرة بيدلوز لتكون محطة الوصول الرئيسية للمهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة، وبالفعل استقبلت هذه الجزيرة - التي صارت الآن مزارا أيضا - وعلى مدى 32 عاما فقط ما يزيد على 12 مليون مهاجر كان أول ما تقع عليه عيونهم لتحيتهم والترحيب بهم وهم يلجون إلى العالم الجديد من خلال ميناء نيويورك هو مشهد هذه السيدة الشامخة، "السيدة ليبرتي"!


الخديوي والتكاليف


     تبدأ القصة بنحات فرنسي عبقري هو فريدريك أوجست بارتولدي الذي جاءته أولا فكرة التمثال دون أن تكون أميركا قد خطرت على باله، بل كانت فكرة إنسانية عامة تجسد الحرية والحضارة الإنسانية في شكل امرأة تحمل شعلة تنير بها جنبات الدنيا، وإن كان التصميم قد قصد به أن يطل التمثال على موقع ساحلي؛ لأن التاج الذي يعلو رأس المرأة له سبعة أسنة (تبدو كسبعة مصادر مشعة)، وهي ترمز للبحار السبعة التي تطل عليها قارات العالم.


     وعندما وضع بارتولدي تصميم تمثال الحرية، أخذه إلى الخديوي إسماعيل في مصر، في أعقاب افتتاح قناة السويس للملاحة (1869)، واقترح عليه أن ينصب على مدخل القناة ليكون رمزا لحرية الملاحة أمام العالم، وباعتبار أن التمثال يمثل مصر وهي تحمل شعلة الحرية.


ولما سئل الخديوي إسماعيل عن تكاليف بناء التمثال (كان حتى ذلك الحين مجرد تصميم على الورق) قدرها بارتولدي بستمائة ألف دولار، وهو ما اعتبره حاكم مصر مبلغا هائلا وضخما لا يقدر عليه بعد ما أنفقته مصر على حفر وافتتاح قناة السويس. وهو ما أوقع البلاد بعد ذلك في الديون كما هو معروف.

وكان أن اعتذر إسماعيل لبارتولدي مقدرا له حبه لمصر وحماسته لتمجيد المكانة العالمية لقناة السويس.


بالأرقام


- ارتفاع التمثال من الكعب للرأس 33.86 متر.


- ارتفاعه من القاعدة حتى الشعلة 46.05 متر.


- ارتفاعه من الأرض حتى أقصى طرف الشعلة 92.99 متر.
- طول اليد 5 أمتار.


- طول الإصبع السبابة 2.44 متر.


- طول الرأس من الذقن إلى الجمجمة 5.26 أمتار.


- طول الأنف 1.37 متر.


- وزن النحاس في التمثال 31 طنا.


- وزن القاعدة الخرسانية 27 ألف طن.


- الوزن الإجمالي للصلب في التمثال بكامله 125 طنا.

- توجد تماثيل أخرى تحمل نفس الاسم "تمثال الحرية" في بلدان أخرى، منها فرنسا وإيطاليا ولاتفيا والهند وسان مارينو.

 

 

التعليق