السرية وتهجير الحرفيين وراء تراجع صناعة السيوف في دمشق

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً

   دمشق - لا يذكر السيف العربي إلا ويذكر معه السيف الدمشقي الذي كان وراء العديد من البطولات العربية حين انطلق الفارس العربي فاتحا لم يعرف التاريخ ارحم منه فالسيف لم يكن لدى العربي زينة يتحلى بها في حله وترحاله بل أداة حرب ورمز للعزة ومجال لاظهار الابداع الفني والبراعة في الصنع حتى غدا السيف بأقسامه الاربعة النصل والمقبض والغمد والحمائل مجالا واسعا للابداع والفن العربي.


    وقد نسب العرب نصل السيف إلى الهند فيما نسبه الغربيون إلى دمشق التي اشتهر فيها الفولاذ المسقي المائل إلى السواد ومنه نوعان احدهما خليط من الفولاذ القاسي والفولاذ اللين وينتج عنه فولاذ أصم لا رنين له وآخر له رنين رائع ويضيف كل حسب لونه الاسود اللامع والاسود الخراساني والشامي.


    وكان صناع السلاح العرب والفرس والرومان يعتقدون أن وراء صناعة السيف الدمشقي سرا وكانوا يحاولون بدون جدوى تقليد السيف الدمشقي معتقدين بوجود طرائق عجائبية في صناعته.ولان واحدا فقط من أفراد العائلة يورث حق الاطلاع على أسرار الصنعة وممارستها استطاع الدمشقيون أن يحافظوا على الهالة العجائبية التي أحاطت صناعتهم.


وقال فياض سليمان السيوفي 43 عاما وهو أحد أشهر صناع السيوف الدمشقية والذي كان قد توارث المهنة على مدى عدة أجيال في العائلة نفسها التي تلقب بها أن عائلته "هي العائلة الوحيدة التي تصنع السيوف وتقوم بتنزيل الذهب والفضة عليها ولا نعلمها إلا لاولادنا حتى تبقى معزوزة.. قد يوجد أنانية في ذلك ولكننا لا نعلمها لاحد".


   وأشار إلى أن له ابنا واحدا يبلغ من العمر ثمانية أعوام ولا يدري إذا سيستمر الولد في مهنة أبيه "ولذلك قمت بتعليمها إلى إخوتي الان وأنا بانتظار المستقبل".
وأضاف أن السيف الدمشقي كان سيف القادة والامراء ومن هنا اتخذ شهرته وهوسيف فعال جدا وقاطع وهو عبارة عن مزيح من معدنين طري وآخر قاسي جدا متحدين معا.


ولفت إلى أن سعر السيف يتجاوز الـ300 ألف ليرة سورية حوالي ستة آلاف دولار وأنه يمكن زيادة سعره وفقا للزينة التي تضاف إلى غمده.


وأضاف أنه يتم تصديره إلى الخارج منوها إلى أن زبائنه هم من السوريين والعرب والاوربيين "عدا الالمان الذين لايحبون السلاح بالرغم من أنها للزينة حاليا وليس للاستعمال".


ولقد اشتهر صانع السيوف الدمشقي إلى جانب صناع الديباج والزجاج والفولاذ الدمشقي بترصيع وتعشيق ونقش السيوف واستعمل لذلك المعادن الثمينة كالذهب والفضة والاحجار الكريمة إضافة إلى النحاس والرصاص والحديد. كما طعم بعضها بالعاج والصدف والعظم بأشكال لا مثيل لها.


    ولقد اشتهرت السيوف الدمشقية على مدى قرون عدة مضت وعرفت بجمالها وقوتها وكانت تصّنع لهواة جمع السيوف.


ويقول المؤرخون السوريون إن هذه الحرفة اليدوية قد تراجعت بشكل ملحوظ بدءاً من القرن الخامس الميلادي عندما اجتاح القائد المنغولي تيمورلانك دمشق وأخذ معه إلى سمرقند حوالي 150 ألفا من أشهر حرفي صناعة السيوف حيث اشتهر هذا الفن هناك وعرف باسم 'ازيميني' والتي تعني بالعربية ' العجمي 'لينتشر بعدها في أوروبا كله.


   ولقد ازداد الامر سوءاً بعد حوالي مائة عام آخر عندما أخذ السلطان العثماني سليم الاول عددا آخر من أشهر المهرة في صناعة السيوف إلى تركيا ومن هناك انتقل السيف العربي إلى يد الفرسان العثمانيين حيث تحتفظ المتاحف بالعديد من تلك السيوف العربية التي كتبت عليها آيات من القران الكريم بأقلام الخطاطين المعروفين كما نوع العثمانيون أشكال السيوف فابتكروا البالا' واليطقان' وغيرهما.


   ويعزو المؤرخون تراجع صناعة السيوف بدمشق أيضا إلى السرية التي يتعامل معها صناع السيوف المشهورين في البلاد، حيث يقوم الاب بتعليم أولاده فقط تقنية صناعة السيوف، وإذا فقد الابن الرغبة والاهتمام في هذه المهنة، فإن هذه الحرفة تتراجع في الجيل المقبل. وهناك مخاوف حقيقية من ضياع هذه الحرفة الجميلة في حال استمرار سلسلة الاب-إلى-الولد فقط.


   ويقول أحد أشهر بائعي السيوف الدمشقية العريقة في دمشق القديمة والذي توارث هذه المهنة على مدى أجيال في العائلة نفسها أن زبائنه قد اقتصروا الان على السواح الاجانب والاثرياء العرب والخليجيين بشكل الخاص لافتا إلى أن العديد من الاجانب قد أبدوا رغبتهم بتعلم هذه الحرفة التي يقولون إن لا مثيل للسيف الدمشقي والمزيج الذي يصنع منه في العالم أجمع.


   ونفى يوسف الداية وهو صاحب أشهر المحلات الدمشقية لبيع التحف الشرقية والسيوف الدمشقية أن تكون صناعة السيوف مهددة بالانقراض وذلك بسبب الطلب عليها وخاصة من العرب مؤكدا أن بعض السيوف يصل سعرها إلى700 ألف ليرة سورية وأن هناك سيوفا لها من العمر 400 عام.


وقال فياض السيوفي إن السر بالجوهر فـفي"الجوهر الدمشقي" تكمن الخلطة الغريبة.


وأوضح أنه يتم في البداية سبك خليطة معدنية فولاذية مضاف إليها نسب دقيقة ومدروسة من شوائب الكربون والمغنسيوم والسيلسيوم والكبريت والفوسفور وبعض المواد العضوية الاخرى ثم يتم طرقها وسحبها بدرجات حرارة متسلسلة لتخرج قضبان الفولاذ البيضاء الرفيعة والتي تجدل مع بعضها جدلاتمتتالية لتشبه الحبل الفولاذي. ثم يعاد إحماء هذه الجدلة الكبرى وتطرق لمرات عديدة ما يؤدي لاعادة التحام هذه الجدلات مع بعضها البعض وكأنها روح واحدة لتصبح صفحة النصل ملساء مزينة بتموجات صغيرة ودقيقة مميزة عن تموجات أي جوهر آخر وبحبيبات ناعمة متقاربة المسافات رمادية اللون مائلة إلى البياض كل ذلك يتم مع بعض العمليات الميكانيكية كالطرق والاحماء والاسقاء عبر تبريده بخلطة دقيقة من الماء والزيت بشكل متكرر لعدد معين من المرات والتحكم في درجة حرارة كل مرحلة.


   ويحتاج باقي أجزاء السيف من القبضة حتى الغمد وتطعيمه بالحلي إلى أربع صناع ومن غير الوارد لا قديما ولا حديثا أن يتكفل صانع واحد بإعداد السيف وأن المقبض يصنع من قرن وحيد القرن وتحتاج صناعة السيف لمدة أسبوع وقد تصل إلى ثلاثة أشهر وفقا للزينة المطلوبة.


   وتخليدا لذكراه رفع الدمشقيون نصبا له في ساحة الامويين وسط العاصمة دمشق كرمز لقوة المدينة ومنعتها ينتصب حاملا ارثها الحضاري ومختزلا تاريخا من المعارك والحروب والانتصارات والانجازات و دليلا على مهارة الحرفي الدمشقي.

التعليق