الطيران هروب من قيود الأرض.. لحرية الطيور

تم نشره في الخميس 14 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • الطيران هروب من قيود الأرض.. لحرية الطيور

إرث عربي وإسلامي هائل يؤكد تميزهم فيه


     عمان - رغبة الإنسان بالتخلص من قيود كوكب الأرض ومحبته لحياة الحرية والإنعتاق التي تحظ بها الطيور التي تحلق في السماء ساعدت كثيرا على ما يبدو في أخراج فكرة الطيران من حيز الخيال والحلم الى حيز الحقيقة والواقع!
ضحايا وقرابين كثيرة تم تقديمها للسماء كي تنجح أفكار أهل الأرض بالوصول إلى الحلم وفي الطريق وقبيل نهاية القرن الثامن عشر قدم الرسام العالمي ليوناردو دافينشي تصميما لنوع من الباراشوت عبارة عن خيمة من الكتان على شكل هرم مدعيا أن في مقدور الإنسان أن يهبط بها من أي ارتفاع شاهق دون أن يصاب بأذى، وقد تمت أولى التجارب الناجحة في 18 أب (أغسطس) عام 1709 على نموذج للبالون كوسيلة للطيران، حيث قام مارتولو ميودي جوسماد بعرض بالون مملوء بالهواء الحار الذي يسخن بواسطة مادة شمعية تشتعل في صفيحة معلقة في البالون وارتفع البالون إلى اثني عشر قدما.


    قامت محاولات بدائية لتحقيق فكرة الطيران، كما وضح من كشف حضاري جديد، قام به العالم الطبيب هافير كابريردارك، الذي درس حضارة الإنسان القديم في بيرو، ورأى أن إنسان "النياندرتال"، قد أفلح في تدجين الحيوان الطائر المعروف بـ "الرتيلاء" حيث استخدمه في الطيران، وافترض أن تكون هناك في أراضي بيرو شوارع منظمة تشبه المطارات اليوم.. وهذه فرضية علمية لو صحَّت، لغيرت معالم تاريخ الحضارة البشرية؛ إذ إن تاريخ نشوء هذه الحضارة يعود إلى 150 - 200 ألف سنة.


طيران ليس في الخيال


    ثم عرفت حضارات أخرى عالم الطيران، وذلك في دنيا الخيال والأسطورة كما هو الشأن في الأسطورة اليونانية، التي تقول إن رجلاً يدعى: "ددالوس" وولده "أكاروس" حاولا الطيران، واستعمل كل منهما جناحين من أجنحة الطيور، وثبتاها في جسميهما بالشمع، وطار "ددالوس" بأمان إلى أن صُهر الشمع، فسقط في البحر ومات غرقاً.


فعليا صنع كايلي طائرته الأولى عام 1804 وكانت نموذج منزلقا مثل الطائرة الشراعية اعتبرها كثير من المؤرخين الطائرة الأولى في التاريخ. وأثبتت تجارب الطيران قدرتها على الطيران مما دفع كايلي إلى بناء طائرة كبيرة الحجم لا تحمل إنسانا مساحة أجنحتها حوالي عشرين مترا مربعا، وحاول كايلي إضافة محرك لطائرته الشراعية، إلا أن المحرك البخاري الذي كان شائع الإستخدام في ذلك الوقت كان ثقيلا جدا لا يمكن استخدامه في الطيران.


    وحاول هينسون أحد كبار المعجبين بكايلي تصميم مركبة هوائية بخارية ضخمة ولكن واجهته ذات العقبة التي واجهت كايلي من قبل ألا وهي وزن المحرك البخاري.


وعاود المحاولة واستعان بمهندس يدعى جون وبنى الرجلان نموذجا طوله ستة أمتار للمركبة البخارية وزوداه بمحرك بخاري صغير خفيف الوزن نسبيا وطار النموذج في شكل أو آخر في أحد الإختبارات عام 1848 فكان هذا الإختبار أول محاولة لإستخدام الدفع الميكانيكي في الطائرة أخرج الفونس بينو رائد الطيران التالي لهينسون أول تصميم لطائرة لها استقرار ذاتي وطارت طائرته المسماة بلانوفور البالغ طولها نصف متر التي استمدت القدرة من شريط من المطاط يدير مروحة في ذيلها بنجاح أمام المشاهدين عام 1871.


   وأهتم بينو بعد ذلك بالطائرات الحاملة للبشر فصمم طائرة برمائية من طراز بالغ التقدم لها كثير من صفات الطائرات الحديثة مثل المروحة التي في المقدمة وإرتفاع الجناحين إلى الأعلى وموجه واحد للتحكم في عملية الطيران كلها. وقدر بينو سرعة طائرته بمائة كيلومتر في الساعة، لو أنه حصل على الدعم المالي، لكنه لم يحصل عليه ولم تصنع الطائرة.


    ولم يعلم بينو طبعا عند مماته أنه أسهم إسهاما غير مباشر في مستقبل الطيران، فقد أشترى شخص يدعى ميلتون رايت أحد نماذج بينو التي تستمد قدرتها من شريط المطاط وأعطاه لولديه ولبور وأورفيل، ومن هذه اللعبة الصغيرة التي دارت في مخيلة الغلامين بدأ التفكير في نماذج أكبر، حيث صمم الأخوان رايت محركا خاصا بهما يزن 82 كيلوجرام ويولد 13 حصانا وبنيت أول طائرة مزودة بمحرك في صيف 1903 وكانت مزدوجة الأجنحة طول باعها 12 مترا وبلغ وزنها 275 كيلوجرام وكانت مروحتها تدور بواسطة عجلات مسننة من النوع المستعمل في الدراجات وتتصل بمحور المحرك بواسطة سلاسل حديدية وكانت تتكىء عند إطلاقها على مركبة صغيرة ذات عجلات.


    وقام ولبور في 14 كانون أول (ديسمبر)  1903 بالمحاولة الأولى، وتحركت الطائرة على قضبان الإنطلاق وأرتفعت فترة قصيرة ثم انخفضت سرعتها عن سرعة الطيران وسقطت على الشاطىء الرملي. واعترف ولبور الذي لم يصب بأذى بأنه هو الملام وليست الطائرة، ولم تصب الطائرة سوى بأضرار طفيفة، وكانت معده لتجربة طيران أخرى بعد ذلك بثلاثة أيام، وكان هذا دور أورفيل حيث تركت الطائرة المركبة التي تستند إليها بعد أن جرت مسافة قصيرة على القضبان وترنحت مسافة 36.5 مترا فوق الرمال.


    وقال أورفيل أن هذا الطيران لم يدم سوى 12 ثانية، إلا انه كان على الرغم من ذلك أول طيران في التاريخ رفعت فيه طائرة تحمل رجلا نفسها في الهواء معتمدة على قدرتها الذاتية.


    ولقد مرت الطائرات بتطورات كبيرة وكثيرة في السنين التي تلت التجارب، واستطاعت طائرة الأخوان رايت أن تصل سرعتها إلى 50 كيلومتر في الساعة ،بينما تزيد سرعة الطائرات الحربية اليوم عن 3200 كم في الساعة والطائرات التجارية عن 1000 كم في الساعة.


العرب والطيران


    بقي غزو الفضاء عند الإنسان ضربًا من الخرافة، وعاش في عالم الأحلام والأساطير، حتى عرفت الحضارة الإسلامية عالم الفضاء وفق أسس علمية مدروسة، منزهة عن ترهات الخرافة والأوهام.


فكانت ابحاث أولاد موسى، وثابت بن منصور والخوارزمي والبتاني، ويحيى بن منصور بداية لتطور علم الفضاء عند المسلمين، ثم شد من أزرهم جهد علماء الفلك.


ومن هؤلاء الرواد الأوائل الذين تدين لجهودهم العلمية حضارة اليوم بالفضل، عالم مسلم فذ، عالج فنونًا من شتى أبواب المعرفة، واشتغل في صناعات مختلفة، حتى عرف بـ "حكيم الأندلس" والحكمة تطلق عند المسلمين على الاشتغال بصنعة الكيمياء والطب. فمن هو حكيم الأندلس؟


هو أبو القاسم، عباس بن فرناس بن فرداس، من أهل قرطبة، وابن فرناس، رجل متعدد المواهب العلمية، فهو فيلسوف، وكيميائي، وفيزيائي، وفلكي، ذاع نجمه في الأندلس، وفي قرطبة، وعايش ثلاثة من خلفاء بني أمية، وهم الحكم بن هشام، وولده عبد الرحمن بن الحكم، وحفيده محمد بن عبد الرحمن.


ومن الواضح أن ابن فرناس لم يقم بتجربته الرائعة بوحي من الخيال، وإنما قام بها على أساس من البحث والدرس في ميادين العلم، وبخاصة في الفلك والفيزياء. وكان كثيراً ما يقوم بشرح نظريته في الطيران لرواد منتديات الخلافة في قرطبة. ونتيجة لدراساته في الرياضيات والفلك قام بتجربته الخطرة، أمام جمٍّع غفير من أهالي قرطبة، وفيها ما فيها من إيماءات علمية نادرة، فضلاً عن كونها مغامرة بارعة "فاحتال في تطيير جثمانه، وكسا نفسه الريش على الحرير، فتهيأ له أن استطار في الجو، فحلق فيه حتى وقع على مسافة بعيدة". وهذا النص يكفي لتفسير أبعاد هذه التجربة العلمية الفذة، حيث إن ابن فرناس بناها عل دراسة فائقة في الفيزياء والفلك.


وفي العصر الحديث، نتذكر أمر الطائرات الشراعية، واتخاذ مظلات الهبوط من الحرير. ومحاولة ابن فرناس هذه بداية الطريق لولوج عالم الفضاء، وربما كان أثر الحسد الذي ناله من بعض معاصريه قد منعه من إعادة تجربته على أساس جديد من العلم، حيث إنه لم يحسن الاحتيال في هبوطه، فتأذى.


ولبراعة ابن فرناس في علم الفلك، تمكن من صنع هيئة السماء في بيته، وخيل للناظر فيها النجوم والرعود والبروق والغيوم. وتبع ابن فرناس، عالمان عربيان آخران، الأول أبو العباس الجوهري، العالم اللغوي صاحب معجم (تاج اللغة وصحاح العربية/ الصحاح) المُتَوَفَّى سنة 393هـ فقد قام الجوهري بتجربته الفريدة هذه في نيسابور؛ حيث صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل، وصعد سطح مسجد بلده، وحاول الطيران، أمام حشد من أبناء مصر، إلا أن النجاح لم يحالفه فسقط شهيدا للعلم.


والعالم الثاني عاش في مدينة القسطنطينية، فدرس التجارب التي قام بها من سبقه من الرواد فتوصل إلى أن أجنحة الريش لا تصلح لطيران الإنسان، ورأى أن يصنع أجنحة من القماش فقام بتجربة أمام الناس، وكان من بينهم الإمبراطور البيزنطي كوفينوس ونخبة من حاشيته فحاول الطيران من رأس برج عال، إلا أن أمله تحطم بعد أن أسلم نفسه للريح، حيث إن جناحي الخشب لم يقويا على حمله، وكان ذلك في حدود سنة 1100م.


فهؤلاء الثلاثة، هم رواد الفضاء، ولهم يعود الفضل الكبير في تقدم علوم الفضاء، التي أخذت تتطور طيلة ثمانية قرون، حتى تمكن الأخوان أورفيل ويلبار رايت من الطيران بواسطة الطيران الآلي.

التعليق