محمود درويش: "حاء الحديقة والحبيبة حيرتان وحسرتان"

تم نشره في الأحد 10 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • محمود درويش: "حاء الحديقة والحبيبة حيرتان وحسرتان"

رحل بجمهور رام الله إلى حيث "زهر اللوز" و"الكمنجات"

رام الله – "ميم المتيّم والميتم والمتمم ما مضى ..حاء الحديقة والحبيبة حيرتان وحسرتان .. ميم المغامر والمعد المستعد لموته الموعود منفياً مريضاً المشتهى .. واو الوداع الوردة الوسطى ولاء للولادة أينما وجدت ووعد الوالدين .. دال الدليل الدرب دمعة دارة درست ودوري يدللني ويدميني" ..


    محمود درويش أنار سماء رام الله بقمر الأغنيات، ورحل بقصائده مع قرابة ألف من الفلسطينيين، من بينهم الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، إلى حيث "زهر اللوز"، و"الكمنجات"، و"مرتفعات الدخان عند درج البيت".


     بدأ درويش أمسيته في قصر رام الله الثقافي، مساء الخميس الماضي، باعتراف مفاده أنه لا يكتب "ليحاول الإجابة على إذا ما كان الوطن لا يزال بحاجة إلى براهين شعرية، أو الشعر لا يزال بحاجة إلى براهين وطنية"، لكنه يكتب كي يسدد "بعض هذا الدين .. بعض ما غمرتموني به من عواطف"، لعله يتمكن من القول بأن "الاحتلال لن يقهر روحنا، ولن يمنعنا من التعبير الحر عن إنسانيتنا الحرة"، مؤكدا بشعره أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة .. تردد إبريل .. رائحة الخبز في الفجر ..تعويذة امرأة للرجال .. كتابات أسخيليوس .. أول الحب .. عشب على حجر .. أمهات يقفن على خط ناي .. وخوف الغزاة من الذكريات .. نهايات أيلول .. سيدة تترك الأربعين بكامل مشمشها .. ساعة الشمس في السجن .. غيم يقلد سرباً من الكائنات .. هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين .. وخوف الطغاة من الأغنيات".


    وتابع بصوت يظلله الياسمين: "على هذه الأرض .. سيدة الأرض .. أم البدايات .. أم النهايات .. كانت تسمى فلسطين .. صارت تسمى فلسطين .. سيدتي أستحق لأنك سيدتي .. أستحق الحياة".


اتفاق واختلاف


    وتحدث درويش ببلاغة الفراشات، ووضوح النهار عن "حقيقة" فلسطينية، حين قال: واقفون هنا .. خالدون هنا .. ولنا هدف واحد واحد: أن نكون، ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء .. على صورة العلم الوطني، ستحسن صنعاً لو اخترت يا شعبي الحي رمز الحمار البسيط .. ومختلفون على كلمات النشيد الجديد، ستحسن صنعاً لو اخترت أغنية عن زواج الحمام .. ومختلفون على واجبات النساء، ستحسن صنعاً لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن".


    ووسط تصفيق حاد من الجمهور، وجه درويش كلامه مداعباً إلى جبريل الرجوب، مستشار الرئاسة لشؤون الأمن القومي، والذي كان بين الحضور، قائلاً: "مع الاعتذار للأخ جبريل .. بس ممكن هوّ يعنيها".


    وتحت عنوان "إلى قاتل"، وجه درويش رسالتين إلى جندي الاحتلال، قال في الأولى: لما تأملت وجه الضحية وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز .. كنت تحررت من حكمة البندقية، وغيرت رأيك .. ما هكذا تستعاد الهوية".


    وانتقد درويش الصمت العالمي إزاء الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، حين قال: "الشهيدة، بنت الشهيدة، بنت الشهيد، وأخت الشهيد، وأخت الشهيدة، كنة أم الشهيد، حفيدة جد شهيد، وجارة عم شهيد، الخ ... ولا شيء يحدث في العالم المتمدن، فالزمن البربري انتهى، والضحية مجهولة الاسم عادية، والضحية مثل الحقيقة نسبية، الخ ...".


شكراً


    ووجه درويش "شكراً تلو الأخر"، أولها لعمال القمامة، وليس آخرها للهوية، حين قال:"إن مشيت إلى شارع لا يؤدي إلى هاوية قل لمن يجمعون القمامة شكراً .. إن رجعت إلى البيت حياً كما ترجع القافية بلا خلل قل لنفسك شكراً، إن توقعت شيئاً وخانك حدسك فاذهب غداً لترى أين كنت وقل للفراشة شكراً .. إن صرخت بكل قواك ورد عليك الصدى من هناك فقل للهوية شكراً .. إن نظرت إلى وردة دون أن توجعك وفرحت بها قل لقلبك شكراً .. إن نهضت صباحاً ولم تجد الآخرين معك يفركون جفونك  قل للبصيرة شكراً .. إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك كن ولداً طيباً ليقول لك الرب شكراً".


هواجس


    ولم يغفل درويش الحديث عن هواجسه، بعد دخوله عقده السادس، فقال: "الآن في المنفى، نعم في البيت، في الستين من عمر سريع يشعلون الشمع لك، فافرح بأقصى ما استطعت من الهدوء، لأن موتاً طائشاً نسي الطريق إليك من فرط الزحام فأجلك .. قمر فضولي على الأطلال يضحك كالغبي، فلا تصدق أنه يدنو لكي يستقبلك، هو في وظيفته القديمة مثل آذار جديد، إذ أعاد للأشجار أسماء الحبيب وأهملك، فلتحتفل مع أصدقائك بانكسار الكأس .. في الستين، لن تجد الغد النادي لتحمله على كتف النشيد، ويحملك .. قل للحياة كما يليق بشاعر متمرس: سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهن وكيدهن، لكل واحدة نداء ما خفي: هيت لك ما أجملك .. سيري ببطء يا حياة لكي أراك بكامل النقصان حولي .. كم نسيتك في خضمك باحثاً عني وعنك، وكلما أدركت شيئاً منك قلت بقسوة: ما أجهلك.. قل للغياب نقصتني وأنا حضرت لأكملك".


وسط القصيدة


     وخلال قراءته "أسير في يومي .. أحملق في منامي .. لا أرى أحداً ورائي .. لا أرى أحداً أمامي .. كل هذا الضوء .. أمشي .. أخف .. أطير .. أصير غيري في التجلي .. لا مكان، ولا زمان"، دخل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى قاعة قصر رام الله الثقافي، حيث الأمسية، وسط تصفيق حار من جمهورها، فما كان من درويش إلا أن قال: هذه الخربشة الخفيفة أسبابها جميلة، فقد وصل الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، لذلك سأكون مضطراً لإعادة قراءة القصيدة، وإن ضجر أحد فليتهم الرئيس".. إلا أن درويش لم يرق له التحركات التي قام بها أحد حراس الرئيس، ما منعه من إتمام قصيدته مرة أخرى، فقال: السلطة موجودة في كل مكان .. حتى وسط القصيدة"، وأعاد قراءة "في القدس" للمرة الثالثة، التي ختمها بـ"... وأما بعد، صاحت فجأة جندية، ألم أقتلك؟! .. قلت: قتلتني، ونسيت مثلك أن أموت".


يوم الأحد


    وقدم درويش قصيدة ساخرة بعنوان "يوم الأحد"، التي كان يبدو أنه يتحدث من خلالها عن الرئيس الأميركي، جورج بوش، وجاء فيها: في البيت أجلس لا حزيناً لا سعيداً .. لا أنا أو لا أحد ..كتبي مبعثرة، وورد المزهرية لا يذكرني بمن أهدته لي، فاليوم عطلة كل ذكرى، إنه يوم الأحد .. يوم نرتب فيه مطبخنا وغرفتنا كل على حدة، ونسمع فيه نشرة الأخبار هادئة، فلا حرب تشن على بلد ..

"الامبراطور السعيد يداعب اليوم الكلاب ويشرب الشامبانيا في ملتقى نهدين من عاج، ويسبح في الزبد .. الامبراطور السعيد، اليوم، في قيلولة مثلي ومثلك، لا يفكر في القيامة، فهي ملك يمينه، هي والحقيقة والأبد .. كسل خفيف الوزن يصنع قهوتي، وكأنني وحدي: أنا هو، أو أنا الثاني .. رآنا، واطمأن على نهاري وابتعد .. يوم الأحد، هو الأول الأيام في التوراة، لكن الزمان يغير العادات، إذ يرتاح "رب الحرب" في يوم الأحد.


دمار شامل


    واستطاع درويش، الذي وصفه أحد الحضور بـ"سلاح دمار شامل ضد الإحباط واليأس"، أن يخرج الفلسطينيين من همومهم، لا بل حتى من أنفسهم .. يقول الطالب أحمد كمال: أنا سعيد للغاية .. يكفي أن أقول ذات يوم أنني حضرت أمسية لدرويش .. إنه روح فلسطين، وتقول منال القاسم (ربة بيت): تربينا على أشعاره، حتى باتت جزءاً منا .. وجوده بيننا يشعرنا بالأمل، وبنشوة غريبة، كأنه أبي، أم أخي الأكبر، كأنه أحد أبنائي، أو ربما أنا"، في حين قال يحيى يخلف، وزير الثقافة الفلسطيني، أن درويش، الذي يرقى حب الفلسطينيين له إلى درجة "الأسطورة"، بات مظهراً من مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية، تماماً كالعلم، والنشيد الوطني.


    وخاطبته رائدة طه، رئيسة الهيئة الإدارية لمركز خليل السكاكيني، منظم الأمسية، التي أكمل فيها سمير ووسام جبران اللوحة الخرافية بنغمات عوديهما، قائلة: محمود .. حبيبتك اعتادت أن تنهض من نومها كي تستنشق أنفاسك .. أشعارك .. كي لا تموت عصافير الجليل، وكي تمنحك الفرصة لتنشد لها مرة تلو أخرى .. ألا تدرك أنك معشوق فلسطين، ورقم بطاقتها ستة ملايين، يرفعون شعار التحدي خريفاً بعد خريف، وربيعاً بعد ربيع، مرددين: لا تعتذر عما فعلت!

التعليق