عمر عبد العزيز تحدى العتمة وفتح أبواب الانترنت للمكفوفين

تم نشره في الاثنين 4 نيسان / أبريل 2005. 09:00 صباحاً
  • عمر عبد العزيز تحدى العتمة وفتح أبواب الانترنت للمكفوفين

فقد بصره صغيرا لكنه لم يفقد عزيمته


  عمان -

 جرب أن تغمض عينيك لدقيقة، وتتحرك في غرفتك التي تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب: ستتخبط وتصطدم بما حولك.

 
هكذا كان حال عمر عبد العزيز. فقد بصره لنحو الثلاثين عاما، واصطداماته كانت مع كل العالم من حوله، وليس في غرفته الصغيرة. وهو رغم هذا وذاك، استطاع أن يسطر النجاح بحبر الأمل ويفتح أبواب المعرفة لكل فاقدي البصر.


يتحدث عمر قائلا "الكفيف يعامل في العالم العربي معاملة تخلو من الكرامة، فيشعر بأنه عبء على كل من حوله: في المدرسة يتعرض لكثير من المواقف، وفي المرحلة الثانوية لا يستطيع أن يدرس إلا الفرع الأدبي وبالضرورة ذات الأمر في الجامعة، ولا يوجد أي مناهج أو اهتمام بتوفير المناخ التعليمي للكفيف.

ففي ليبيا مثلا، حيث ولدت، لا يستطيع الكفيف أن يعمل إلا كأستاذ مدرسة أو خطيب مسجد أو على الأكثر ككاتب، وهذا بالطبع في أحسن الظروف. وبدلا من أن يكون طاقة انتاجية في المجتمع، يتحول إلى عبء استهلاكي رغما عنه".


   هذا فيما يخص الناحية الأكاديمية والصعوبات التي يواجهها الكفيف. أما من الناحية الاجتماعية، فتظهر نظرة المجتمع العربي الخالية من أي منطق أو تقدير إلى فاقد البصر بشكل جلي. يقول عمر عن هذا: "يعامل فاقد البصر ممن حوله على أنه عاجز تماما، وينظر إليه بحزن وشفقة. لذلك اصطلح على تسمية فاقد البصر في معظم هذه الدول بالمعاق أو العاجز بدلا من أصحاب الاحتياجات الخاصة وهو ليس كذلك. وعلى سبيل المثال وليس الحصر لا يستطيع الكفيف في بعض المجتمعات أن يتزوج من فتاة عادية يختارها كأي شاب عادي، بل عليه أن يذهب إلى مناطق نائية وفقيرة من الريف ولنقل أنها ليست في صلب الحضارة حيث يتم تزويجه من احدى الفتيات هناك ممن  لا تتناسب مع مستواه الفكري و تأتي من خارج بيئته".


إلا أن عبد العزيز تحدى هذه النظرة غير المبررة، وهو اليوم متزوج ولديه ثلاث بنات ويتعامل مع عائلته كأب وزوج نموذجي.


   شعور عمر باختلافه عن أقرانه من فاقدي البصر لم يكن أمرا مستحدثا تولد لديه عقب مغادرته ليبيا، بل هو أمر تولد لديه منذ الطفولة. وإضافة إلى كل ما ذكر فقد استأنس بالأسماء اللامعة في التاريخ العربي والعالمي ممن شكلوا قدوة له في طريقه الذي لم يعرف خلاله اليأس، ومنهم عميد الأدب العربي طه حسين، والأديب عبد الحميد عبد الحكيم، وهيلين كيلر الطفلة التي ولدت في القرن التاسع عشر وفقدت سمعها وبصرها وبالضرورة نطقها في مرحلة مبكرة جدا من طفولتها - وهي التي خرجت من قوقعة الوهم بأن فقدان احدى الحواس يتسبب بفقدان الاتصال مع العالم الخارجي، وأتقنت اللغات الانجليزية فالفرنسية والألمانية، وحصلت على شهادة في التاريخ وصارت موقع تقدير واهتمام لكل من حولها.


الحكاية في الصف الرابع


   وقصة عمر مع التكنولوجيا بدأت في زيارته لإحدى كليات العلوم وهو في الصف الرابع الابتدائي، وعقب هذه الزيارة بدأ عشقه لها. ويذكر قصة طريفة أنه فكر هو وأحد أصدقائه في اختراع سيارة خاصة للمكفوفين.


وعن قصة حدثت معه، وكان لها أثر كبير في تصميمه على تغيير مسار حياته وعدم القبول بالوضع المفروض عليه بحكم علته، يقول عمر: "تقدمت لمنحة من وزارة التربية، بحكم ارتفاع تحصيلي العلمي، للخروج والدراسة في احدى الدول الأوروبية، وبمجرد موافقة الوزير عليها حدث تغيير وزاري وجاء وزير آخر، وبعد تأجيل المعاملة نظر إليها ثم رأى أنه من الأولى أن يحصل على البعثة شاب مبصر بدلا من كفيف قد لا يستفيد منها - بحسب رأيه".


ويكمل: "إلا أنني حصلت لاحقا على قبول في احدى الجامعات الأوروبية في تخصص الكمبيوتر، وهناك أحسست بالفرق الواضح بين ما يعاني منه أمثالي في الوطن العربي والخارج، في أوروبا حيث أستطيع دخول أية مكتبة للقراءة، وأستطيع ببساطة أن أقطع الشارع، وأستطيع كذلك أن أدرس التخصص الذي أرغب به دون أن يشكل فقداني للبصر أي عائق أمامي. إلا أن أكثر ما أبهرني هو امكانية دخولي على الانترنت وقراءتي للمواد المعروضة عن طريق ترجمتها بطريقة بريل، وقررت أن أسعى للبدء بتغيير حياتي وحياة كل فاقدي البصر في الوطن العربي. وعقب معايشتي للاهتمام الذي يوليه الغرب لفاقدي البصر بهدف تسهيل حياتهم وإعطائهم الفرصة ليكونوا أشخاصا منتجين في المجتمع، عدت إلى ليبيا بأمل جديد، فوجدت اثنين من أصدقائي الكفيفين لاقوا حتفهم أثناء محاولتهم لعبور الشارع".


   ويضيف: "معاملة الكفيف في شكل تهميشي ومحاولات إرضائه بالفتات من المهن أو المجتمع بات أمرا مرفوضا كليا. وفي الوقت الذي تسخّر فيه العديد من القوانين الغربية لصالح هذه الفئة وتسهيل حياتها، لا يزال الكفيف العربي يعامل بذات العقلية التي كان يعامل بها منذ مئات السنين. بحكم قوانين الرياضيات، فإن كل التكاليف التي سيتم صرفها لتحويل الكفيف إلى طاقة بدلا من استهلاكه لها هي لا شيء بالمقارنة مع  المردود الذي ستحصل عليه الدول. هذا من ناحية. من ناحية أخرى، فإن التاريخ حافل بهؤلاء الذين تمكنوا من تخطي علتهم والانتقال إلى مراحل عليا من الإبداع لم يبلغها كثير من المبصرين".


نقطة التحول


   أما نقطة التحول الأهم في حياة عمر فكانت حين رآه شاب عربي يعمل في مجال الكمبيوتر. هذا الشاب سأل عمر عما يمكن أن يقدمه لمساعدته، وقادهما الحديث إلى مناقشة فكرة إنجاز مدخل للمكفوفين في عالم التكنولوجيا، ومن ثم قاما بزيارة معرض خاص لتقنيات المكفوفين وعرضا على أصحابه فكرة تعريب الأجهزة.


أنشأ كل من عمر ووائل شركة "فيزيوتك" في دبي، ومن ثم صدرت النسخة الأولى من برنامج قارئ للشاشة يدعى "فيرغو" الذي يمكّن الكفيف من قراءة أي نص مكتوب على الكمبيوتر (أو الانترنت) بتحويله إلى لغة بريل الخاصة للمكفوفين. أما فيما يخص الصور فيقول عمر أن البرنامج يحتوي على امكانية مبسطة لتعريف الصور، إلا أن تطويرها سيحتاج إلى بعض الوقت.


   ومما أنجزته الشركة أيضا في هذا المجال كان الأجندة الالكترونية "نوت تيكر" التي تمكن الكفيف من تنظيم مواعيده، إضافة إلى شاشة الكترونية تقرأ بطريقة بريل، يمكنها بتوصيل هذا الجهاز بالكمبيوتر جعل الكفيف يقرأ أي ملف على الكمبيوتر. كذلك أنجزت الشركة "المكتبة الالكترونية" التي يتم تحميل الكتب عليها وتنسيقها وازالة الفراغات في شكل يجعلها ممكنة للقراءة بلغة بريل بكل بساطة للمكفوف.


ومن انجازات الشركة كذلك جهاز "برنتو" الذي يسجل الصوت، ويمكّن الكفيف أو ضعيف البصر من قراءة رسائل الهاتف الخلوي وارسالها، إضافة إلى مجموعة من الخيارات الأخرى كمعرفة درجات الحرارة وقراءة البوصلة.


ويشير عمر إلى أنه قام بهذا المشروع بجهود فردية، وأنه كثيرا ما كان يمر بمراحل وأزمات صعبة وأحيانا كان يقوده الى التفكير بالانسحاب، كما أن تصميمه على إكمال معركته كان يشكل دائما حافزا رئيسيا للاستمرار.


ويؤكد عمر أن الربح لا يشكل هدفا أساسيا للشركة، إلا أن تكاليف هذه الأجهزة  ليست بسيطة وتصل أحيانا إلى ستة آلاف دولار. وبما أن معظم المكفوفين ليسوا من ذوي الدخل المرتفع، فإن شراء هذه الأجهزة  التي تشكل نقلة نوعية في حياتهم، كثيرا ما يتوقف على المساعدات من أطراف أخرى.


ويضيف عمر: "في الخليج لا يقابل المكفوفين مشكلة تمويل هذه الأجهزة، إذ أن كثيرا من الأمراء والقادرين هناك يقدمونها مجانا ويتكفلون بكافة مصاريفها. إلا أن المشكلة تكمن في البلاد العربية الأقل دخلا. فكثيرا ما يلجأ المكفوفين إلى الجمعيات الخيرية والجهات التي يأملون في أن تقوم بشراء هذه الأجهزة لهم. غير أن كثيرا منهم يقابلون بالصد".


ويأمل عمر في أن تكبر شركته لتتمكن من تقديم هذه الأجهزة ضمن تسهيلات مالية للمكفوفين. إلا أن هذا الأمر في غاية الصعوبة حاليا، خصوصا وأن الشركة في مرحلة تأسيسها، لذلك، فإن عمر يتوجه إلى كل إنسان قادر على تغيير حياة مكفوف وتوفير هذه الأجهزة له بأن يقدم على عمل كهذا.


أما حلم عمر، فهو في النهاية مساعدة المكفوفين الذي عاش حياتهم، طفلا وشابا، ويقول: "أثرت فيّ بشدة رسالة وجهتها احدى المكفوفات الى فاعل خير وفر لها هذه الأجهزة. استخدمت الكفيفة في رسالتها كلمات في غاية الجمال وكانت متأثرة وممتنة إلى أبعد حد إلى الرجل الذي غيّر حياتها وفتح لها آفاقا غير محدودة. أتمنى أن يستوعب كل المبصرين من القادرين وغير القادرين أهمية هذه الأجهزة للمكفوفين، خصوصا وأن الحكومات لا تتبنى تزويدهم بها بشكل مجاني".

التعليق