مشروع متحف الديسة: نموذج لكفاح الإنسان مع الطبيعة عبر آلاف السنين

تم نشره في الأحد 3 نيسان / أبريل 2005. 10:00 صباحاً
  • مشروع متحف الديسة: نموذج لكفاح الإنسان مع الطبيعة عبر آلاف السنين

    عمان-

على بعد 38 كم إلى الشرق من مدينة العقبة، تواجهك القباب الرمادية البديعة والقمم الشامخة لجبال رم، كما وصفها لورنس العرب. وتقع هضبة وادي رم على ارتفاع 800 متر فوق مستوى سطح البحر وتمثل القسم الجنوبي الأقصى من صحراء الأردن حيث ترتسم أشكال الجبال المتكونة من الجرانيت الأحمر. وقد كانت منطقة وادي رم صرحا تجتازه القوافل التي تحمل التوابل والبخور والمرّ، أو تمُر به الجيوش متجهة إلى أراض بعيدة عبر العصور.


    يعود تاريخ الصخور في وادي رم إلى 500 – 600 مليون سنة تقريبا، وتتناثر فيها الجبال وكثبان الرمل الأحمر في كل مكان. وكانت تمر من تلك المنطقة دروب القوافل القادمة من اليمن والجزيرة العربية لتصل إلى وادي الأردن بالإضافة إلى قوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة والتي كانت تنشد الاستراحة.


     نشأت فكرة إنشاء متحف الديسة الذي سيعرض فيه الاكتشافات في تلك المنطقة والذي يقع قرب منطقة القاع في وادي رم، الذي سيعرض فيه الاكتشافات في تلك المنطقة،  وتبلورت على مدى ربع قرن منذ بدء البعثة الإيطالية الموفدة من قبل جامعة فلورنسا في ايطاليا بإجراء دراسات في منطقة وادي رم ابتداء من العام 1978 والتي استمرت حتى يومنا هذا بقيادة الأستاذ ادوارد بورزاتي القادم من جامعة فلورنسا عاصمة عصر النهضة الإيطالية.


    وعملت البعثة على جمع الأدوات التراثية والفلكلورية والمكتشفات التي تم انقاذها لتكون نواة للمتحف المتخصص في وادي رم. بالإضافة إلى ذلك، تقوم بنشر أبحاثها العلمية سنوياً. وهكذا تحقق الحلم الذي توقعه الرحالة السويسري يوحنا لودفيك بوركهارت والذي توقع بأن تصبح منطقة جنوب الأردن منطقة سياحية نشطة.عندما زار وادي القمر ( وادي رم ) في العام 1812 والبتراء والعقبة ليوثق زيارته برسوم جميلة ودقيقة التفاصيل.


    تأتي البعثة الإيطالية إلى منطقة حسما (الديسة) في وادي رم سنوياً للقيام بأعمال تنقيب جيولوجية للعصور والحقبات التاريخية القديمة والتي أدت إلى بعض الاكتشافات الهامة التي قام بها الفريق. وكان آخر الأبحاث التي تم إعدادها حول الكتابات الجدارية وأهميتها مقارنة بالكتابات القديمة المعروفة في هذه المنطقة.
   وقد عين مجلس المفوضين في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الدكتور والمهندس علي الغول المستشار الهندسي المنتدب من الجامعة الأردنية، والذي تخرج من جامعة فلورنسا الإيطالية، بالتنسيق من قبل سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة مع هذا الفريق لدعوة مجموعة من الباحثين والاكاديميين الأردنيين والتنسيق معهم وتسهيل الاتصال بينهم للقاء يتم فيه بحث الاكتشافات التي توصل إليها الفريق الإيطالي.


    والفكرة وراء القيام بتلك الدراسات من قبل طاقم البعثة، والتي تكونت صداقة بينها وبين السكان المحليين في منطقة رم خلال عملها، هو أن يتم حفظ ثروة المنطقة التاريخية ليشكل هذا المتحف بؤرة جذب للسياحة في المنطقة، الأمر الذي يعمل علي مساعدة سكان الديسة في توفير وسيلة للدخل وفرص للعمل على حسب قول بورزاتي.


     ويقول علي الغول" سيشكل المتحف الذي شرع العمل به في يوم 14 آب 2004 والذي يتوقع الانتهاء من بنائه في العام الجاري، حيث أن مساحته 600 متر مربع، خطوة واسعة في سبيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسكان منطقة الديسة في وادي رم بحيث يشكل قطبا سياحيا مرادفا لمركز الزوار في قرية رم".

ويضيف الغول " وقد تم الأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل أثناء تصميم المتحف ومن أهمها أن لا يكون مصدر إزعاج أو تلوثا للبيئة الموجودة فيها بحيث يحافظ على التشكيل الطبيعي لها.


    كما كان من المهم أن يتناسب مع اللغة الحضارية والثقافية للمنطقة. ولهذا السبب فقد تم اختيار موقع المتحف ليكون داخل وادي رم بحيث لا يظهر مباشرة للأنظار لكي لا يسبب اضطرابا للمنظر الطبيعي للمنطقة ويسمح للمنطقة المحيطة بأن تحافظ على تراثها التاريخي وشخصيتها الطبيعية، دون تخريب".


    ويتابع انه قد تم اكتشاف الكثير عن المكان الذي تتواجد فيه علامات من الفن الصخري الذي سمح لنا بجني نبذة عن حياة الأقوام القديمة. وهذا الفن هو فن واقعي وروائي يقرأ سواء على كتل صخرية منعزلة أو على جدران ملاجئ تحت الصخور أو في الكهوف".


   وتمثل النقوش التي وجدت في المنطقة مشاهد الصيد وصعوبة الحياة البرية آنذاك كمشهد رجل متسلح بقوس يرمي سهامه على نعامة، أو صياد يفر من أمام أسد مفترس، أو مشاهد الفرسان أو الجمال العربية ذات السنام الواحد. وقد تم الاستعانة بتكنولجيا القوالب أو تكنولوجيا التصوير من قبل البعثة الإيطالية منذ عام 1978 حتى اليوم، لاستخراج هذه المشاهد التي وصل عددها إلى حوالي 24 ألف رسمة (مشهد) متناثرة على مدى ثلاثة آلاف من الكيلومترات المربعة. ومن أهم الاكتشافات في تلك المنطقة هي الخارطة الحجرية الموجودة في جبل عامود في منطقة الديسة والتي يعود تاريخها إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد.


    ويقول رئيس البعثة الإيطالية البرفسور بورزاتي " يمثل هذا المتحف النموذج الأول لما استطاع أهل المنطقة تحقيقه دون دعم من السلطة ليكون المكان الذي يعرض فيه أهل المنطقة كنوزهم التي قاموا بجمعها من المنطقة". وتشمل الأشياء المجموعة أشياء تقليدية أو أشياء مستخرجة من الصحراء كحجارة تعود إلى العديد من السنين، ذات أهمية سواء من الناحية الجيولوجية أو من ناحية ثقافية إعطاء الموجودات الأثرية للزائر فكرة وافية عن المحفوظات الهائلة للفن الحجري وللأعمال اليدوية التي يمكن إيجادها في الصحراء.


    بالإضافة إلى الموجودات الحجرية الأثرية، تحتوي منطقة وادي رم على أنواع نباتية وأحياء جيولوجية لم تكن معروفة من قبل تم إيجادها من قبل البعثة الايطالية. وعن ذلك يقول بورزاتي" يوجد حاليا 13 نبعا من الماء في بيئة تتيح فرصة فريدة للبحث الجيولوجي والنباتي. فتلك النباتات المتنوعة التي على الباحث أن يتغلغل في ممرات الأودية لاكتشافها، تعيش كشهود حية على أقاليم غابرة في الزمن".

ويضيف " وقد كانت منطقة وادي رم مأهولة في العصر الحجري (6000-4000 ) فبل الميلاد بمزارعين وأصحاب قوافل وعمال مناجم النحاس".


    ويقول الغول "لقد كانت المنطقة في ذلك الزمان مأهولة بالسكان وتتمتع بنشاط اقتصادي عظيم حيث مناجم النحاس الأولى وملتقى القبائل والنشاط الزراعي بالإضافة إلى المخيمات السياحية المنتشرة في المنطقة".


    ويقول بورزاتي "من نتيجة الدراسات لهذه المنطقة، هو اننا اكتشفنا بان هذه البقعة من الشرق الأوسط تشكل البؤرة المركزية للثقافة البشرية في العهود القديمة، فهنا التقت أهم حضارات الماضي بما تشمله من مزارعين ورعاة رحل وأنباط وعثمانيين، إضافة إلى سكان البادية".


    وتعتبر سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الجهة الداعمة لهذا المشروع الريادي فنيا وماديا. كما ساهم في تحقيق هذا المشروع الرئيس السابق لمجلس المفوضين في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة،  نادر الذهبي ومفوض شؤون الخدمات والبنية التحتية محمد خير بلقز والمستشار الهندسي المنتدب من الجامعة الأردنية الدكتور علي الغول والمدير التنفيذي للمشروع حسين الشرع والمصمم المعماري للمشروع فارس عبد الرحمن ورئيس بعثة الاستكشاف من جامعة فلورنسا الإيطالية ادواردو بورزاتي.


     وقامت البعثة الإيطالية منذ ربع قرن بقيادة الأستاذ ادواردو بورزاتي القادم من جامعة فلورنسا، عاصمة عصر النهضة الإيطالية، بدراسة المنطقة ومسحها جيولوجيا واكتشاف مواقع تاريخية لها قيمتها. وتقوم هذه البعثة بنشر أبحاثها العلمية سنويا كما يحتفظ الفريق بقدر من المكتشفات التي تم إنقاذها كي تكون نواة للمتحف المتخصص بوادي رم.  وكان آخر تلك الأبحاث التي تم إعدادها حول الكتابات الجدارية وأهميتها مقارنة بالكتابات القديمة المعروفة في هذه المنطقة. ويضيف " تلقى المشاريع التنموية في وادي رم والديسة اهتماماً كبيراً من قبل جلالة الملك عبد الله الثاني الذي يزور هذه المنطقة باستمرار ويتفقد شؤون أهلها ويطمئن على أحوالهم. كما يعمل على متابعة سير العمل في مشاريعها والانجازات بنفسه".


    يذكر انه يوجد في المنطقة محمية تعرف بمحمية "وادي رم" وتوجد فيها قرية رم. وتقع قرية الديسة على حدود المحمية وهي منطقة زراعية وسياحية وآهلة بالسكان. وتحتوي المنطقة على الكم الأكبر من الآثار تقع فيها ويؤمها السواح بكثرة ويوجد فيها عدة مخيمات سياحية مزودة بوسائل الراحة.

التعليق