في الذكرى الخامسة لرحيله "هاني الراهب ومسيرة المهزومين "

تم نشره في الاثنين 21 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً

  على رابية تطل على نهر الكبير الشمالي، في قرية تبعد قرابة 20 كم عن مدينة اللاذقية تدعى (مشقيتا)، هناك حيث تنتشر مجموعة من القبور المبعثرة هنا وهناك، ينتصب شاهدا قبر كتب على أحدهما (هاني الراهب). من ذلك المكان المنسي أطلق هاني الراهب أولى صرخاته على هذا الواقع المتردي، منه خرج إلى النور... إلى الحياة ليبدأ مسيرته الإبداعية الطويلة، ليعود بعدها الى ذات المكان، ولكن بعد أربعة عقود من العمل المضني، ليرتاح أخيرا من صخب الحياة وهمومها، ويرقد بجانب تلك الصومعة التي طالما أحبها والتي كانت ملهمة له في كثير من كتاباته.


  البداية كانت عام 1960 حين أعلنت دار الآداب عن مسابقة للرواية العربية اشترك فيها أكثر من مئة وخمسين كاتبا عربيا وكان هاني الراهب بين هؤلاء ولما يتجاوز عمره وقتذاك الثانية والعشرين، وكان طالبا في جامعة دمشق. وحدثت المفاجأة حين فازت رواية (المهزومون) بالجائزة الأولى ليبرز الراهب كفنان يمتلك رؤيا من نوع خاص... يمتلك حدسا بالمستقبل يقترب من النبوءة في بعض ملامحه.


  "المهزومون" التي غلفتها نفحة من السارترية والعبثية في آن واحد، قدمت تصورا عميقا للحالة العربية التي تعاني التفكك والانعزال وتوقع سلسلة من الهزائم تبدأ بسقوط الشعارات الواهية التي كانت تطلقها الأنظمة العربية آنذاك، هذه الشعارات التي جعلها غلافا لروايته ليخبرنا عن مدى هشاشة هذه الأنظمة وشعاراتها الزائفة، وهذا ما حدث في ما بعد حيث توالت الهزائم العربية داخليا وخارجيا على نحو مأساوي مفجع.


  استمر الراهب في نقد وتعرية الواقع العربي من خلال العديد من الروايات كانت أهمها (الوباء) و(ألف ليلة وليلتان) ثم روايته الأخيرة (رسمت خطاً في الرمال) التي تعتبر من افضل ما كتب خلال مسيرته الروائية حيث تناول فيها الوضع العربي ككل من خلال رسمه لملامح الغزو العراقي للكويت وما تبع ذلك من احتلال الجيوش الأميركية للكويت بذريعة حمايتها من العدو. وقد استخدم الراهب في هذه الرواية نفس الأسلوب الذي استخدمه في (ألف ليلة وليلتان) حيث استعان بالتراث ليستحضر شخصيات منه ويلبسها ثوب المعاصرة ليحمّلها أفكاره الثائرة على الواقع حيث نجده يسخر من الماضي والحاضر والمستقبل عبر شخصيتي بديع الزمان الهمذاني وأبو فتح الإسكندري، لنقرأ معا هذه الصورة الساخرة: واندهش وهتف: ماذا دهاك أيها الاخطل؟ أراك عدت الى عقلية الحجاج بن يوسف. قلت: هات الحجاج بن يوسف وهو يهدم الكعبة فوق رؤوسهم. قال: إما انك أسرفت في معاقرة الخمرة أو انك استمعت الى حكاية من شهرزاد... أقتلهم وهم الحرم الشريف؟ لدينا وسائل أرقى بكثير لعلك نسيت أننا في القرن العشرين. قلت: بل أنت نسيت أننا في القرن السابع.   فنبر بصوت ودود: بئس الشعراء إذ يعاقرون السياسة، حتى انك لا تعرف أن الحجاج فتح دكانا خاصا به ولم يعد يخدمنا".


  بعد ذلك ينتقل الكاتب للحديث عن الواقع العربي والتغير الذي اعتراه بعد حدوث معجزة النفط، وسعي أميركا للحصول على هذه الثروة بأي شكل، في هذه الصورة نرى الأميركي يخاطب ربه ويطلب منه أن يباركه في الحرب التي سيفتعلها بين العرب للحصول على النفط منهم (ويقصد بها حرب الخليج الثانية), يقول: (ماذا نفعل بمعجزة النفط هذه؟ هؤلاء الجمّالون أنفسهم يشترون ويشترون كل مشتقات الجنس والتكنولوجيا والترف، ومع ذلك تبقى لديهم بلايين الدولارات من مشتقات النفط... ويدعون أن هذا فضل منك، يجب أن نجد وسيلة لسحب هذا الادعاء... البترودولار يهدد الدولار. نحن يا أبي مخاطبا الأميركي ربه مضطرون لتصحيح أخطاء المصادفات الجيولوجية. منذ سبعة عشر عاما ومليارات البترودولار تتراكم في حسابات الجمّالين هؤلاء، إننا نجعلهم يشترون ثلث ما يشتريه العالم كله من الأسلحة ومع ذلك لا تنضب ملياراتهم... وإذا حدث وتصالح حاكم واحد منهم مع شعبه فسنكون في خطر، سوف لن يكون مضطرا لطلب حمايتنا ولا لإيداع دولاراته فيمصارفنا.


... وأنا شخصيا لم أجد وسيلة لتعديل هذا الخلل المستطير في الجيولوجيا المالية إلا أن اجعل هؤلاء الجمّالين يتحاربون في ما بينهم كما كانت عاداتهم من قبل محمد، ومن ثم يطلبون المساعدة منا... لأجل هذا يا أبي اعتقد انك ستمنحني بسهولة البركة التي اطلبها لأمضي قدما في هذه الحرب. ليتقدس اسمك. ليتعال ملكوتك كما في السماء كذلك في الأرض". 


  لقد كان هاني الراهب كاتبا استثنائيا امتلك حدسا بالمستقبل، وقد ظل يتناول في كتاباته الشأن العربي العام، لم يقارب الأدب الذاتي قط، ظل مأسورا للحالة العامة للناس... لمآسي البشر في طول الوطن العربي وعرضه.


  أراد أن يقول الحقيقة والحقيقة فقط وقد كلفه ذلك كثيرا. فيوم ترجم رواية (غبار) ليائيل دايان ابنة وزير العدو السابق، أراد أن يدلنا على ما يصوره أدباء إسرائيل للإنسان العربي (الأهبل اللاحضاري الجبان سلاحه خنجر الغدر لا سيف المواجهة) وكان ذلك في بداية السبعينيات، لكن قصيري النظر في ذلك الوقت اتهموه بمحاولة التطبيع مع إسرائيل وبناء على ذلك قام اتحاد الكتاب العرب بطرده من صفوفه لكنه دافع عن وجهة نظره بالقول: (علينا أن نعرف كل شيء عن عدونا حتى في الثقافة، فهذا العدو كان وما يزال متفوقا علينا في كل المجالات حتى في الإبداع وان لم نكن على الأقل في مستواه فإننا لن ننتصر عليه).

التعليق