مهرجان برلين ..احتفاء بسينما الشرق والافلام الاميركية المغايرة

تم نشره في الأحد 20 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • مهرجان برلين ..احتفاء بسينما الشرق والافلام الاميركية المغايرة

لم يكن قد مضى على انتهاء الحرب العالمية الثانية سوى ستة أعوام حين كانت ألمانيا عام  1951تخضع لبرنامج إعادة الأعمار والتأهيل بقيادة الولايات المتحدة. وفى هذا الإطار تقدمت الحكومة الأميركية بمبادرة تدعو لإقامة مهرجان سينمائي دولي فى مدينة برلين. بعد سنوات كان فيها الإنتاج السينمائي الألماني متوقفا بالكامل تقريبا.


وكان الهدف الإمريكي يعنى بإدخال ألمانيا - ذات التاريخ السينمائي العريق -من جديد في دائرة السينما العالمية . وكالعادة باركت بريطانيا وفرنسا هذه المبادرة ، وأقيم بالفعل مهرجان برلين السينمائي الدولي فيما بين 6 و18 حزيران/يونيو 1951 وتشكلت له لجنة تحكيم ألمانية بالكامل برئاسة فريتز ?وديل.


تم تقسيم المهرجان طبقا للمفهوم الهوليوودي جدا للسينما : جائزة لأحسن فيلم موسيقي،وفاز بها فيلم الرسوم المتحركة الأميركي" سندريللا". وجائزة لأحسن فيلم وثائقي وفاز بها فيلم " في وادي حيوانات الفراء ".


وجائزة أحسن فيلم درامي وفاز بها الفيلم الألماني "ميدان الحبيب" . وجائزة أحسن فيلم جريمة أو مغامرات وفاز بها الفيلم الفرنسي "تم احقاق العدل" ، وأخيرا جائزة أحسن فيلم كوميدي وفاز بها فيلم فرنسي أيضا هو " بدون ترك عنوان".


مرحلة الستينات


ظل الطابع الأميركي غالبا على المهرجان طوال سنواته التالية ، بينما كان الواقع الاجتماعى والسينمائي يتغير. ففي سنة 1964 تكونت الحركة المسماة السينما الألمانية الجديدة ، وكان بيانها الذى صدر خلال مهرجان أوبيرهاوسين - ولهذا دلالته فى حد ذاته -  يبشر بنوع آخر من السينما أبعد ما يكون عن المفهوم الهوليوودي.


وقد حملت الستينيات في طياتها حرب ?يتنام ،وحركات السلام، ومظاهرات الطلبة ،وتنامى المد اليساري فى العالم كله ، وكان لهذا انعكاساته السينمائية ، إذ زادت الفجوة بين السينما الهوليوودية التقليدية وبين البراكين التى يموج بها الواقع الثقافي العالمي. كل هذا أفضى إلى محطة درامية جديدة فى مهرجان برلين.


فى سنة 1970 وقد كانت لجنة التحكيم برئاسة المخرج الأميركي الكبير ?ور? ستي?ينز ، كان يعرض فى المسابقة الرسمية فيلم أميركي اسمه (O.K) . وهنا ثارت ثائرة السينمائيين والصحافة وحتى الجمهور . ثار الجميع على إدارة المهرجان لعرضها ما رأوا فيه فيلما ضعيف المستوى يتبنى المنظور الأميركي لحرب ?يتنام.


تصاعدت الاحتجاجات يوما بعد يوم وانتهى الأمر باستقالة لجنة التحكيم ،بل واضطرت الإدارة لأخذ قرار بعدم إتمام المهرجان . حيث أنهيت أعماله قبل يومين من الموعد الختامي الرسمى المقرر.


الاحتفاء بالشرق


جاء مدير جديد للمهرجان هو ?ول? دونر ليحل محل ألفريد باور المدير المؤسس للمهرجان والذى تولى رئاسته لعشرين دورة كاملة . عكف دونر على صياغة كاملة جديدة للمهرجان .وأعلن أن هدف المهرجان الجديد هو تحقيق اللقاء بين الشرق والغرب ،وهو الشعار الذى لا يزال قائما حتى اليوم .وقرر تأسيس تظاهرة جانبية تحت اسم الملتقى الدولي للسينما الجديدة ،خصصت للانتاج السينمائي من كل أنحاء العالم وبالأخص البلاد المجهولة سينمائيا من دول العالم الثالث . وأمعانا فى استقلالية هذا البرنامج تقرر فصل إدارته عن ادارة المهرجان وتم اختيار أولبريج جريجور مديرا له .


ظهر المهرجان فى ثوبه الجديد فى 25 حزيران/يونيو 1971 وفاز بجائزته الكبرى فيلم "حديقة فينزي كونتيني" من اخراج ?يتوريو دي سيكا أحد أعلام السينما الواقعية الإيطالية .


فى سنة 1973 فاز فيلم هندي بالجائزة الكبرى وكان هذا أكبر تطبيق عملي للشعار الذى أعلنه المهرجان قبل عامين . العام التالى 1974 شهد خطوة جديدة فى هذا الاتجاه ،وهي اشتراك أول فيلم سو?يتي فى المهرجان . فى العام التالى 1975 توسع المهرجان فى قبول أفلام الدول الاشتراكية ،فعرض فيه فيلم من ألمانيا الشرقية ، وكان بداية لسياسة الانفتاح على الشرق التى تبنتها الحكومة الألمانية بدءا من تلك الفترة .


فى سنة 1978 حدث تطور شكلي مهم فى مهرجان برلين هو تغيير موعده من آواخر حزيران/يونيو الى شهر شباط/فبراير ، وعقدت دورته الثامنة والعشرين فى 22 شباط/فبراير 1978 ، وهذا أعطى المهرجان بعض القدرة التنافسية أمام مهرجان كان الفرنسى.


صائد الغزلان


على أن العام التالي 1979 كان المهرجان فيه على موعد مع صدام جديد ، وأيضا كانت ?يتنام هى السبب . توجه المهرجان للانفتاح على الشرق يبدو أنه فهم لدى بعض ضيوف المهرجان على أنه يجب أن يعرض بالضرورة الأفلام ذات التوجه اليساري.


لذا كرر الضيوف ما فعله ضيوف سنة 1970، وانسحب معظمهم من المهرجان ومسابقته احتجاجا على مشاركة الفيلم الأميركي" صائد الغزلان" وهو الفيلم الذى فاز بعد أسابيع من المهرجان بجائزة الأوسكار لأحسن فيلم .


لكن الانسحاب كان جزئيا واستمرت فعاليات المهرجان وجوائزه ، وفاز بالجائزة الكبرى فيلم "دي?ير" وهو فيلم ألماني عن صبي يهودى يفلح فى النجاة من ملاحقة النازيين . كما كانت فى نفس السنة فسحة للفيلم المصري "اسكندرية ليه" الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة .


فى سنة 1989 وقعت الحادثة الفريدة من نوعها بدخول فيلم - سيقدر له الفوز بجائزة أوسكار أحسن فيلم -في المسابقة. هوليوود لم تكن راضية تماما عن فيلم" رجل المطر" لداستن هوفمان وتوم كروز بل أنها جعلته حبيس أدراجها  لفترة قاربت العشر سنوات ، لذا لم تجد غضاضة فى التقدم به لمسابقة مهرجان برلين لتحقيق بعض الدعاية له .


لكن ما حدث أثناء ذلك أن  الفيلم  عرض تجاريا وحقق نجاحا كاسحا، أذهل أول ما أذهل صاحبته شركة" يونايتد آرتستس" ثم جاء فوزه بجائزة الدب الذهبي فى برلين وبعدها احتفاء الأوسكار الكبير به.


رغم أن الجائزة في العام التالى كانت من نصيب الشرق بفوز الفيلم التشيكي الممنوع لسنوات طويلة "صندوق البلابل" أو "صندوق الموسيقي" . إلا أن ما حدث مع "رجل المطر" كان لمهرجان برلين من ورائه أهداف أخرى . هي تحديدا جذب اهتمام استديوهات هوليوود له،ولغيره من الافلام الهامة.فقد منح في ما بعد جائزته الكبرى لفيلم "جراند كانيون" سنة 1992 ولفيلم" باسم الأب" سنة 1994 وفيلم" Sense and Sensibility "سنة 1996 وفيلم "الشعب ضد لاري فلينت" سنة 1997 وفيلم "الخط الأحمر الرفيع" سنة 1998 وفيلم" ماغنوليا" سنة 2000 .
ونجحت الخطة وأصبحت الاستديوهات الأميركية ترى فى مهرجان برلين وسيطا جيدا للترويج لأفلامها، على الأقل تلك الأقل شهرة نسبيا، أو التى قد تروق على نحو خاص للمذاق الأوروبي . وأصبح مفهوما أن شعار لقاء الشرق والغرب يطبق أساسا من خلال برنامج ملتقى السينما الجديدة .


هوليوود مرة اخرى


هذا العام وصل ما يمكن تسميته (عودة المهرجان إلى قواعده ) أى الانتماء من جديد للسينما الهوليوودية إلى ذروته . ففى العام الثاني والعشرين والأخير لإدارة موريتز دي هادلين للمهرجان، استطاع أن يحقق سابقة لا مثيل لها فى تاريخ كل المهرجانات وهى إقناع أحد مسئولى هوليوود التنفيذيين برئاسة لجنة التحكيم .. ويليام اوبلل ، أحد ألمع مديري هوليوود فى السنوات الأخيرة ،والذى كان مديرا للإنتاج فى استديوهات ديزني وانتقل مؤخرا مديرا لستديوهات فوكس.  مهرجان القاهرة استطاع ذات مرة إقناع أحد أساطير هوليوود برئاسة لجنة التحكيم وهو ايريك ?ليسكو لكن هذا كان بعد تقاعده .


حاليا أضيفت لمهرجان برلين الكثير من التظاهرات الجانبية مع اتباع نفس منهج الاستقلال الإدارى . تشمل بجانب المهرجان الأصلى وبجانب الملتقى الدولى للسينما الجديدة ، المهرجانات والبرامج التالية : مهرجان سينما الأطفال… ال?انوراما وهي ما يمكن اعتباره البرنامج خارج المسابقة ، رغم أن للمهرجان الأصلى اختياراته الخاصة لخارج المسابقة وللتكريمات، لكنها عادة ما تكون محدودة العدد جدا .و سوق الفيلم الأوروبية وهى أكبر مناسبة لتداول الأفلام أوروبية الانتاج . وأخيرا هناك برنامجا خاصا للسينما الألمانية .


تضم المسابقة الرسمية للمهرجان أيضا قسما للأفلام القصيرة ،على ألا يزيد طول مدة الفيلم عن 10 دقائق.


الدب الذهبى


هو الجائزة الكبرى لمهرجان برلين منذ بدايته وهو أحد الرموز الشهيرة لمدينة برلين، وهو يطابق تمثال قديم من العشرينيات لإحدى فنانات النحت الشهيرات من المدينة وهى رينيه سينتينيس .


تمنح لجنة التحكيم الدولية أيضا جائزة الدب الفضى لأفضل فيلم، ولأفضل مخرج، ولأفضل ممثلة، ولأفضل ممثل، ولافضل فيلم تختاره لجنة التحكيم الخاصة .


وجائزة الملاك الأزرق لأفضل فيلم أوروبى ،وهى تشمل أيضا منحة قدرها 50 ألف مارك المانى . وجائزة ألفريد باور لأفضل فيلم أول ، وألفريد باور هو مؤسس المهرجان ، وأخيرا جائزة الدب الفضي لأفضل انجاز فني ، بجانب جائزتي الدب الذهبي والدب الفضي للأفلام القصيرة .


خارج الإطار الرسمى للمهرجان توجد الكثير من المؤسسات التى تمنح جوائزها وتكون عادة لكل الأفلام المشاركة وليس لأفلام المسابقة، فقط وأبرزها جائزة اللجنة الكاثوليكية ( سيدالك ) وجائزة اتحاد الصحافة السينمائية ( فييريسى ).
 

التعليق