"الخامسة عصرا"..البقاء على قيد الحياة اذ يصبح أقصى الطموح والحلم عرض في "مكان"

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً

      فيلم "الخامسة عصرا" الذي عرض مساء أول من أمس في "مكان" بجبل اللويبدة  هو أول فيلم يصور في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان. وقد جسد بتلقائية ومهارة فنيه ما عاناه الأفغانيون من مشاق ومتاعب وما واجهوه من تقلبات سياسية وأوضاع اجتماعية قاسية، كل ذلك من خلال رؤى إنسانية ولمسات وجدانية جعلت الفيلم واحدا من أفضل الأعمال الدرامية التي تناولت الجوانب الإنسانية في أفغانستان .


     ويروي الفيلم ومدته 102 دقيقة والذي أخرجته الإيرانية المبدعة سميرة مخملباف حكاية فتاة ذات طموح تدعى (نقرة )تعيش مع والدها عبد الغني يوسيف رازي، الملتزم والمتدين والخاضع للاعراف والتقاليد الصارمة للمجتمع الأفغاني، والتي تجعله يبدو متطرفا ،ومع زوجة أخيها مرضية أميري الملتزمة أيضا بنهج الأب وقناعاته.


ويصور الفيلم صراع الاجيال من خلال مجموعة أحداث تواجهها الأسرة ،وخاصة في مواجهة محاولات  نقرة التحرر من الأنظمة والتشريعات التي تحكم مجتمعها، حيث تبحث عن مخرج من السجن الكبير بكل أثقاله النفسية وأعبائه الاجتماعية وضغوطه الروحية.


      وتضطر العائلة الى مغادرة منزلها بسبب الأخطار المحدقة بها نتيجة الحرب، ويستقر بها المقام في مبنى البرلمان المدمر، بينما تعاني من أوضاع معيشية صعبة. تقوم نقرة بالتحايل على والدها وتخبره أنها تذهب الى مدرسة لحفظ القرآن الكريم ،لكنها تلتحق بمدرسة للإناث فتحت أبوابها حديثا لتعليم الفتيات. وفي المدرسة تجد هذه الصغيرة فرصة للتعبير عن طموحاتها القصوى وإطلاق أحلامها. وفي حين تحلم قريناتها في المدرسة أن يصبحن يوما طبيبات أو مهندسات، تختار نقرة أن تصبح رئيسة لأفغانستان، أسوة برئيسة وزراء باكستان السابقة  بنازير بوتو، لذلك تسعى للحصول على خطاب من خطابات بوتو لتتدرب على الخطابة تمهيدا لتوليها الرئاسة ، ويشغل بالها سؤال ملح "ما الذي يمكن ان يقوله رئيس لشعبه ليجعل هذا الشعب ينتخبه؟" .


       ومن المشاهد المحورية في هذا الفيلم المشهد الطريف الذي يجمع بين نقرة والجندي الفرنسي التابع لقوات "ايساف" المكلفة بحفظ الامن والاستقرار في افغانستان، وقد سألته نقرة: "ما الذي قاله او فعله شيراك لشعبه لكي ينتخبه؟" فأبدى الجندي الفرنسي جهله بالأمر .. ولعل المخرجة مخملباف من خلال هذا المشهد أرادت أن تبين أن الجهل السياسي ليس مقتصرا فقط على البسطاء من اللاجئين الأميين ولكنه أيضا يمتد ليشمل العالم الأوروبي.


لم تجد الفتاة نقرة الطامحة لمنصب الرئاسة من يدعم أحلامها ويشد أزرها سوى الشاب الوسيم (راضي محبي) العاشق للشعر والأدب والفنون ،والذي قدم مع لاجئين اخرين من باكستان. وتدور بينهما حوارات حول واقع المرأة والمستقبل المنشود ،وقد عبر عن مساندته لها في تحقيق رغبتها بان تصبح رئيسة لأفغانستان ،وأخذ يحضر لها الصحف والمطبوعات الأخرى التي تحفل بخطابات وتصريحات العديد من زعماء العالم.


      لكن سرعان ما تكتشف الفتاة أن واقع الحال في بلادها وتقاليد مجتمعها المحافظ وما خلفته الحروب والصراعات من مآس وكوارث يحول دون تحقيق طموحاتها ،حيث يتراجع الحلم ويتقلص ليتحول الى مجرد أمل بالاستمرار على قيد الحياة والعيش بأمان. ويحدث كل هذا وسط مشاهد معبرة وإيحاءات غنية بالمعاني والإيماءات ذات الدلالات العميقة التي تغني عن ألف صفحة من الحوار.


      ولم تستعن المخرجة المتألقة بأي ممثل محترف ،ولا حتى لتأدية الشخصيات الرئيسية في الفيلم مثل الابنة والاب وزوجة الاب ،اذ ان كل المشاركين في الفيلم من الناس العاديين الذين التقتهم في ضواحي كابول المدمرة .كما صورت مخملباف فيلمها في المواقع الطبيعية للمدينة، وكانت مشاهد الفيلم تتحول الى لوحات تفيض بالشاعرية رغم بؤسها وقسوتها. ولتصوير هذا الفيلم أمضت سميرة مخملباف مدة طويلة في كابول وضواحيها، وفي منطقة الحدود الإيرانية الأفغانية حيث عملت على تصوير وضع المرأة الافغانية. وتقول المخرجة ان معظم ما ورد في السيناريو الذي شاركها في كتابته والدها محسن مخملباف هو من الكلام الذي التقطته من السوق او الشوارع خلال تحضيرها للفيلم.


وقد حقق الفيلم نجاحا على مستوى عالمي وفازت مخرجته الشابة في العام 2003 بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان "كان" السينمائي الدولي.


ولسميرة مخملباف التي اقترن اسمها بالجوائز العالمية رغم صغر سنها وحداثة تجربتها السينمائية فيلمان شهيران هما "اللوح الاسود" الذي حصل أيضا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان قبل 3 أعوام وفيلم "التفاحة"، وهو أول أعمالها السينمائية.

التعليق