سينما الحرب: من فيتنام إلى مايكل مور

تم نشره في الأحد 6 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً

   لا شك أن فيلم المخرج مايكل مور "فهرنهايت 9/11 هو فيلم مناهض للحرب، لكن ثمة مفارقة لا بد من أن تستوقفنا في سياقه، تجعل منه مؤيداً أو متعاطفاً أو مبرراً لحرب أخرى كانت ولم تزل محور خلاف كبير في أوساط الأميركيين بدءاً من نخبهم السياسية والإعلامية والثقافية وانتهاء بأوسع الفئات الشعبية بما فيها الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب. إذ لم يستطع مور في غمرة انهماكه في الهجوم على الرئيس جورج دبليو بوش وماضيه وعلاقاته إلا أن يشير إلى تهربه من الخدمة العسكرية في حرب فيتنام.


   المسألة التي شغلت حيزاً واسعاً من التجاذبات والاتهامات بين الطرفين المعنيين بالوصول إلى سدة الرئاسة في إطار حملتهما الانتخابية. فأكد الجمهوريون لاحقاً أن كيري كان معادياً للحرب، مشيرين إلى صداقته مع الممثلة جين فوندا إحدى أبرز رموز مناهضيها، ليجيء رد الديمقراطيين قوياً مستنداً إلى شجاعة كيري في الحرب التي أهلته للحصول على ثلاثة أوسمة من القلب الأرجواني ووسامي النجمة البرونزية والنجمة الفضية، غير أن الجمهوريين سرعان ما شككوا في أحقيته لنيلها، وهكذا فتح باب التاريخ على مصراعيه أمام تساؤلات وتأكيدات وتشكيك وجدال الطرفين حول من كان مع ومن كان ضد الحرب.


   طبيعية الصراع نفسها لا تخلو في الواقع من الغرابة، إذ يبدو وكأنها تعكس معياراً أخلاقياً راسخاً في الوعي الجمعي الأمريكي لمفهوم "الوطنية" يربطه مباشرة بالمشاركة في حرب فيتنام التي وقف 48 % من الشعب الأميركي ضدها عام 1968، وهو من القوة بحيث أن مايكل مور نفسه لم يجرؤ على المس به أو على الأقل عدم الاتكاء عليه في مواجهته لسياسات الزعيم الأمريكي وتحديداً في مسألة شديدة الصلة بما يرفضه إلا وهي الحرب على العراق.


هذه التناقضات ليست وليدة اللحظة على الإطلاق، وإنما هي نتاج ثلاثة عقود تم خلالها بلورت نظرة مزدوجة إلى حرب فيتنام في الوعي الأمريكي، أحد طرفيها يعارض هذه الحرب وطرفها الآخر لا يدين المشاركة فيها، ورغم ما تحمله هذه الازدواجية من تناقض واضح بدا هذا الوعي منسجماً تماماً معها، كيف؟


غني عن القول أن السينما لعبت دوراً رئيسياً في تحديد معالم هذا الوعي، لكنها في ذات الوقت باتجاهاتها المختلفة عكست ذات التناقضات التي يعيشها. فإذا كان معظم الأمريكيين يرون اليوم أن الحرب على فيتنام كانت خطأ تاريخياً، غير أن مرد هذا الخطأ كثيراً ما كان يربط بالهزيمة، فهي حرب خاطئة لأنها خاسرة وليس لأنها لا تمتلك شرعية سياسية وأخلاقية. لذلك دأب القسم الأكبر من سينما فيتنام التي يصل إنتاجها إلى أكثر من 500 فيلماً على قلب الوقائع التاريخية وتحويل الهزيمة على الأرض إلى انتصار على الشاشة يحمل معه مبرراته الأخلاقية، ضمن بنى شبه ميلودرامية تختزل الحرب بين شخصيات بمواصفات بشرية بسيطة يسهل التماهي معها وأخرى خارقة شبه أسطورية تستدعي الإعجاب والانبهار بها تمثل الخير ـ الأمريكي وبين الشر ـ الفيتنامي الذي لا بد من أن يندحر في "النهاية السعيدة"، محققاً بذلك رغبة الشعب بما أراده أن يكون وليس بما كان حقيقة.


   لكن رغم الكم الهائل لهذه النوعية وقدرتها على دغدغة عواطف ورغبات الأميركيين، غير أن ضحالتها وسذاجتها لم تؤهلانها لأن تلعب دوراً حاسماً في إعادة التوازن لوعي شعب فقد 57 ألفاً من أبنائه. هذا الدور سوف تؤديه نوعية أخرى من الأفلام، رغم اختلاف نظرتها إلى الحرب وموقفها منها ستحمل جوهراً واحداً يقوم على فصل الفرد عن السلطة، ليمسي الجندي الأمريكي ضحية للقيادة السياسية والعسكرية في البلاد. فيظهر الكولونيل كورتز (لمارلون براندو) المتمرد على الجيش في فيلم فرانسيس كوبولا الشهير «القيامة الآن» 1979، أما في فيلم ستانلي كوبريك «خزنة مليئة بالرصاص» 1987 تبدأ معاناة المتطوعين في معسكر للتدريب على يد المشرف عليهم الذي يمعن في تعذيبهم من أجل تأهيلهم للمعركة حيث يلاقوا حتفهم لاحقاً بصورة شنيعة واحداً تلو الآخر. هذا الرمز للسلطة نجده أكثر تجلياً في فيلم براين دي بالما «خسائر الحرب» 1989، حيث يمثله رئيس فرقة (شون بين) يأمر جنوده باختطاف فتاة فيتنامية من قرية مجاورة ليتم تعذيبها واغتصابها ومن ثم قتلها، أما الجندي الوحيد (مايكل جي فوكس) الذي يرفض المشاركة في هذه الجريمة يقف عاجزاً عن الحيلولة دون وقوعها، وهو ما لن يستطع نسيانه أبداً، ليصبح بدوره ضحية على المستوى الأخلاقي لها.


   في أفلام أخرى يتخذ هذا الفصل منحى مختلفاً يركز على المعاناة الذاتية للفرد ـ الجندي سواء في أرض المعركة حيث يقاتل للحفاظ على أخر ما تبقى من إنسانيته في دوامة العنف العبثي المحيط به كما في «الفصيلة» 1986 لأوليفر ستون، أو بعد عودته إلى الوطن وقد شوهته الحرب جسدياً ونفسياً وبالكاد يستطيع التكيف مع حياته الجديدة كما ظهر في «ولد في الرابع من يوليو» 1989 لستون نفسه، و«العودة إلى الوطن» 1979 لهال أشبي. ولئن أشارت بعض هذه الأفلام في صور واضحة لا لبس فيها إلى جرائم الجيش الأمريكي في فيتنام ـ مما يجعل من إمكانية تصنيفها كأفلام مناهضة للحرب أمراً ممكناً ـ غير أنها لم تركز في المقام الأول إلا نادراً على ما عاناه الفيتناميون من مآس وما تكبدوا من خسائر وصلت على الصعيد البشري إلى ثلاثة ملايين قتيل، وإنما على انعكاس كل ذلك في البنية العقلية والنفسية والسلوكية للجندي الأمريكي الذي رمت به السلطة في هذه الحرب. وانطلاقاً من هذه القاعدة يظهر نوعان من الأعمال، أولهما لا يدين الحرب بقدر ما يدين "وحشية" الفيتناميين كسبب مباشر للانهيارات الأخلاقية التي عانى الجنود العائدون منها، ولعل أبرز نموذج لهذا النوع فيلم مايكل شيمينو «صائد الغزلان» 1978، الذي يحيل السلوكيات الشاذة اللاحقة لأبطاله إلى مشهد مطول يصور أشكال التعذيب البربرية التي مارسها الفيتناميون عليهم. في النوع الثاني تتخذ هذه الانهيارات صورة إدانة مباشرة للسلطة، لكن هذه المرة ليس لأنها دفعت بالشباب الأمريكي إلى الحرب، وإنما لأنها تخلت عنه ولم تسانده فيها كما يجب، فالهزيمة ليست هزيمته هو بل هزيمتها هي وحدها، وكما استطاع هذا المقاتل الذي يدعى رامبو (سيلفستر ستالوني) أن يتغلب عليها بشجاعته وبطولاته الفردية في عقر دارها في «الدم الأول» 1982 كان في مقدوره أن ينتصر على الفيتناميين لولا ترددها وجبنها وخيانتها، وهو ما سيقوم به بالفعل في الجزء الثاني من الفيلم الذي تدور أحداثه في فيتنام.


من كل ذلك يمكننا أن نستشف تقاطعات محددة في الأغلبية الساحقة من إنتاجات سينما فيتنام بغض النظر عن توجهاتها ومواقفها من الحرب، تتمحور حول الفرد ـ العسكري الأمريكي وتخلق في المحصلة صورة تجعل منه في الوعي الجمعي ضحية للسلطة السياسية رغم كل ما قدمه من تضحيات. بينما نكاد لا نلمح أعمالاً تضع في أولوياتها الكشف عن المأساة التي ترتب على الشعب الفيتنامي عيشها نتيجة هذه الحرب وإدانتها أخلاقياً من هذا المنطلق تحديداً.


   لاحقاً سنجد أن هذه الصورة لم تستدع مجرد التعاطف مع الجنود القدامى في فيتنام وإنما أضحت ذات دلالة إيجابية كلياً، إذ صار الالتقاء بهم متاحاً في أي مكان وتحت أي صفة في عدد لا يحصى من الأفلام التي ليس لها على الإطلاق صلة بموضوعة الحرب باستثناء وجودهم كشخصيات أساسية وأبطال إيجابيين فيها، لنكتشف هذه الصلة في تفصيل عابر، الغاية منه إضفاء طابع بطولي ووطني على تلك الشخصيات يعزز من مكانتها وقدرتها وكفاءتها وفعاليتها في سياق الفيلم، وتعميم هذه الصورة عنهم في الوعي والمجتمع داخل الولايات المتحدة.


   وهكذا نجد أن المنهج الذي قام في سينما حرب فيتنام على أساس القطيعة بين الفرد والسلطة ـ وهو أمر له مسوغاته دون شك ـ ونحى بداية إلى تبرئة هذا الفرد من دم الفيتناميين، ومن ثم إضفاء صبغة وطنية على مشاركته في الحرب لا تنطلق من شرعيتها وإنما من كونه ضحية لها تستحق الإحترام والتبجيل من قبل الشعب، انتهى بالتدريج إلى التماهي التام بينهما، طالما أن كل قوة سياسية سواء من داخل السلطة أو خارجها تعد نفسها جزءاً لا يتجزأ من هذا الشعب والمعبر الحقيقي والأصيل عن قيمه. من هنا نستطيع أن نفهم سبب هذا التهافت الذي جرى بين الديمقراطيين والجمهوريين على تأكيد "وطنيتهم" استناداً إلى مرجعية حرب فيتنام. أما إنسياق مايكل مور إلى ذات المرجعية فأعتقد أنه ينطوي على خطورة كبيرة، بل وينسف في الواقع كل فاعلية للسينما المناهضة للحرب والتي ينتمي فيلمه إليها. لأنه بذلك يقوم عملياً بتهميش دور الفرد في المجتمع الأمريكي وتأثيره في القرار السياسي للسلطة وينفي عنه بالتالي أي مسؤولية تاريخية، وهو ما فعلته معظم أفلام حرب فيتنام، وعلى الأرجح ستفعله سينما حرب العراق في المستقبل لترسخ بالتدريج "قيمة وطنية" على أساس المشاركة فيها، الأمر الذي سيتم بسهولة أكبر بكثير مقارنة مع الحرب السابقة ومحصلتها، فحتى الآن استطاعت أمريكا أن تطيح بنظام دكتاتوري وبدأت تفرض سيطرتها على منبع لا ينضب من النفط مقابل ألف جندي أمريكي، وإذا ما سحبت قواتها قريباً وتحول العراق مستقبلاً إلى أحد أكثر البلدان ديمقراطية في الشرق الأوسط، عندها منْ سيتذكر في أمريكا «فهرنهايت 11/9».

التعليق