الدباغ: "المرتزقة" حولوا المسرح في القدس إلى تجارة

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 09:00 صباحاً
  • الدباغ: "المرتزقة" حولوا المسرح في القدس إلى تجارة

يرى أن المسرحيات المصرية "الهابطة" أفسدت الذوق العام
 


    رام الله -  تنقل الفنان الفلسطيني إسماعيل الدباغ، منذ أول مسرحية قدمها في مطلع الثمانينيات، بين عدة فرق مسرحية في القدس، حيث يعيش، من بينها "السنابل"، و"الجوال"، و"الحكواتي"، التي عمل معها منذ العام 1985 حتى 1990، وقدم فيها أول عمل مسرحي "محترف" له "الاستثناء والقاعدة".


    وخلال تلك الفترة تدرب الدباغ مع مسرح "الشمس" الفرنسي لستة أشهر في باريس، ليؤسس وعدد من المسرحيين مسرح "الرواة"، الذي تمحورت مجمل أعماله في إطار مسرح الطفل، إلا أنه قدم أيضاً أعمالاً أحدثت أثراً كبيراً لدى الجمهور، كمسرحية "أنصار"، التي تحدثت عن معتقل "أنصار 3" في النقب، وتجولت المسرحية التي ترجمت للإنكليزية لأربعة شهور في الولايات المتحدة، وكندا، وبريطانيا.


    وقدم الدباغ في العام 1991 مع مسرح "الرواة" مونودراما "الزبال"، التي لاقت استحساناً كبيراً عند الجمهور وقتها، وتتحدث عن زبال القدس القديمة، وعن هذا العمل يقول: "الزبال" مسرحية نابعة من تجربتي الشخصية في القدس، من منطلق أن "الزبال بعرف الناس كيف عايشة من زبالتها"، وتتحدث المسرحية عن الفلكلور المقدسي، والطقوس الاجتماعية المختلفة لأهل القدس، وعند العثور على حجر بلوري يخرج منه مارد، تتوالى الأحداث بحيث يتقزم المارد، فيكتشف أنه هو المارد، وأنه هو من يجب أن يصنع الحرية، وألا ينتظر كائنات غريبة مجهولة لتصنع له حريته.. والمسرحية من إعداد الدباغ نفسه ودرويش أبو الريش، الذي أخرج المسرحية، وقد لاقت نجاحاً كبيراً في الجليل .


    ويرى أن تجربة "الرواة" كانت تجربة مهمة في تاريخ العمل المسرحي الفلسطيني، مشيراً إلى أن "العمل الإداري، والتمويل" كانا وراء تفكك هذه الفرقة.ويؤكد الدباغ على أهمية عمله مع "الورشة الفنية" (مسرح القصبة لاحقاً)، حيث قدم سلسلة من الأعمال من بينها "موتى بلا قبور"، و"الشاطر حسن"، وغيرهما.


مسرح مظلوم


    ويوافق الدباغ على أن "الفنان المسرحي، والفنان الفلسطيني عموماً، مظلوم"، خاصة مع فرص الإنتاج الشحيحة، وغياب أية مؤسسة مسرحية وطنية، شبه حكومية على سبيل المثال، تدعم الأعمال المسرحية، علاوة على عدم وجود أية جهة نقابية تدافع عن حقوق الفنانين، كما أن المواطن الفلسطيني، وبشكل عام، غير مرتبط بالمسرح، ولا يدرك أهميته، خاصة في إيصال معاناة الفلسطيني في الخارج.. ويقول: المسرح لم يعد عادة عند الفلسطينيين، كما هو حال السينما وغيرها من الفنون.


    ويشير الدباغ إلى أن اعتياد الجمهور الفلسطيني على المسرحيات المصرية "الهابطة"، جعله يتوقع من المسرح الفلسطيني تقديم حالة مشابهة، أو ربما مستنسخة، من تلك المسرحيات التي تعتمد على النكتة الخالية من أية مضامين، أو رؤى فنية.. المسرح الفلسطيني ليس مسرح "نكت"، وهذا، للأسف، ربما يكون سبب ابتعاد الناس عنه.


في القدس


    وعن خصوصية المسرح المقدسي، خاصة في الأوضاع التي بدأت تعيشها المدينة بسبب سياسات الاحتلال الإسرائيلي، يقول الدباغ: باتت القدس تنام في الخامسة مساء، ومن المعروف أن العروض المسرحية لا تقدم قبل السابعة ..

مع الحصار المفروض على المدينة، ومع الحواجز العسكرية الكثيرة، وجدار الفصل العنصري (وهو محور العمل الأخير للدباغ مع مسرح القصبة)، لم يعد ثمة جمهور يرتاد المسرح، ما جعلنا نتجه إلى "المسرح المدرسي"، أي تقديم مسرحيات تربوية لطلاب المدارس في الفترة الصباحية.


    ويضيف: صحيح أن هناك دعماً مادياً لا بأس به يأتي إلى جهات تدعي أنها "راعية المسرح" في القدس، إلا أن هذا الدعم يذهب في تقديم أعمال هزيلة دون المستوى، وللأسف المنظمات غير الحكومية تلعب دوراً سلبياً في هذا الاتجاه، لاسيما في القدس، وذلك لغياب أية رقابة يمكنها ضبط الأمور..

كثير من المؤسسات العاملة في مجالات فنية بعيدة عن المسرح، كالموسيقى مثلاً، اتجهت إلى العمل المسرحي، للحصول على الدعم المقدم لهذا القطاع من جهات دولية عدة، ولذا تعمل على استغلال مجموعة من الشبان والفتيات ممن لا علاقة لهم بالمسرح، متكئين على أحلام هؤلاء باقتحام عوالم جديدة، وللأسف، يتحولون هؤلاء إلى نجوم في يوم وليلة.. المشكلة ليست في هؤلاء الشباب، بل في من يستغلهم، ويشعرهم بأنهم "فنانون حقيقيون"، مقابل الاستمرار في دفع "أجور بخسة" لهم .. هؤلاء "المرتزقة" حولوا المسرح إلى تجارة، واستطاعوا تحقيق أرباح طائلة في فترات قياسية.


أدوار سينمائية


    وقدم الدباغ العديد من التجارب السينمائية، كان أولها فيلم "بعل والموت" للبنانية رنا اصطيفان، ويتحدث عن بعل وآلهة الخصب والموت، ورغم أنه فيلم صامت، إلا أنه "قدم بلغة سينمائية راقية".


    الفيلم الثاني للدباغ، كان "حياة عامل" للمخرج الإيطالي الشهير "تشيكو"، ويتحدث عن معاناة عامل فلسطيني، في ظل حواجز الاحتلال.


    وعن مشاركته في فيلم "زواج رنا" لهاني أبو أسعد، يقول الدباغ: أقر بأن موضوع الفيلم كان ركيكاٍ، وأن القدس هي من أسعفته ..

لابد ألا نظلم المخرج أبو أسعد الذي بذل مجهوداً كبيراً في الفيلم، الذي لم أشاهده حتى اللحظة .. قد تتساءل لماذا إذاً تشارك في فيلم تراه "ركيكاً"، وهنا أقول لأنني أحببت أن أكون جزءاً من فيلم ربما هو الفيلم الروائي الأول الذي يتحدث عن القدس .. عموماً الفيلم لم يكن سيئاً لهذه الدرجة، وأعتقد أن الناس ظلمته، رغم أن القدس، كما أشرت، تحتمل تقديم أفلام روائية أكثر عمقاً.


    وشارك الدباغ في فيلم "كأننا عشرون مستحيل" للفلسطينية آن ماري جاسر، والذي حصل على عدة جوائز دولية.


دراما


    ويرى الدباغ ضرورة إيلاء الاهتمام إلى الدراما التلفزيونية، كونها الوسيلة الأنجع لنقل صورة الفلسطينيين إلى العالم، لاسيما مع شح الإنتاج السينمائي، مشيراً إلى أنه خاض بعض التجارب الدرامية، منها "عيلة وهليلة"، وهو مسلسل كوميدي من تأليفه، قدم على الفضائية الفلسطينية، و"قلوب مهاجرة"، وعرض على شاشات المغرب العربي .." الدراما من شأنها تثبيت نجومية الفلسطينيين على الخريطة العربية ..  العالمية ليست طموحي ، خاصة أنني أرى الانتشار على المستوى العربي هو الأهم".


    وحول الخلل في انتشار الدراما الفلسطينية، يقول: لا يوجد من يشعر بالمسؤولية في هذا الاتجاه، لاسيما المؤسسات الرسمية، التي تخلت عن المبدع الفلسطيني، وجعلته "يباطح لحاله" ..

 كما أنه وقبل الانتفاضة كان المنتج العربي يتعاطى مع الأعمال ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، على أنها أعمال "قد تغضب أميركا والعالم الغربي وحتى إسرائيل"، وبالتالي كانت تبتعد عن هذا النوع من الإنتاجات، فالدراما السورية العظيمة، "التغريبة الفلسطينية"، على سبيل المثال، والتي أعدها الفلسطيني د.وليد سيف، بقيت دون منتج لأكثر من 17 عاماً.


ويلفت الدباغ إلى أن الفلسطيني مبدع في مجال التمثيل منذ القدم، إلا أنه لم يجد الحاضنة التي تدفعه لتفجير هذه الإبداعات، مشيراً إلى أن الأخوين لاما، وهما فلسطينيين من "بيت لحم"، هما من أسسا السينما المصرية، عبر شركتهما في الإسكندرية، في العشرينيات من القرن الماضي.

التعليق