رواية مصرية عن توريث الرئاسة

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2005. 10:00 صباحاً

   القاهرة   - وسط جدل سياسي وشعبي افضى الى تعديل دستوري مقترح يسمح بتعدد المرشحين للرئاسة في مصر صدرت أخيرا رواية للكاتب المصري أحمد صبري أبو الفتوح تتناول مسألة توريث السلطة والصراع عليها.


في زمن غير محدد تتناول رواية (جمهورية الأرضين) لأحمد صبري أبو الفتوح خفايا صراع أسري في منزل الحاكم مع قرب احتفاله بالذكرى الأربعين لتوليه الحكم في حين تسعى أطراف من داخل العائلة نفسها لعزله وتنصيب ابنه رئيسا.


   وشهدت مصر في الأشهر الأخيرة معارضة متزايدة لتولي الرئيس حسني مبارك الرئاسة لفترة خامسة أو تولي ابنه جمال الحكم خلفا له. وطالب المعارضون أيضا بتعديل الدستور للسماح باصلاحات عدة منها تنافس أكثر من مرشح للرئاسة في اقتراع مباشر بدلا من الاستفتاء على مرشح واحد يسميه البرلمان. واقترح مبارك هذا الاسبوع تعديلا دستوريا يسمح بأكثر من مرشح وهو ما رحبت به المعارضة وإن وصفته بأنه مقيد وغير كاف.


على غلاف الرواية الذي صممه الفنان أحمد اللباد يبدو الحاكم وزوجته في صورة رئاسية رسمية تجمع الزي الفرعوني والعصري. وفي الخلفية طاولة اجتماعات وقف حولها ثلاثة شبان في ملابس عصرية وهم يتناقشون.


   "جمهورية الأرضين" الصادرة عن دار ميريت بالقاهرة في 364 صفحة تبدأ  بحادث غامض مثل مشهد ليلي في فيلم مثير ويتمثل في مؤامرة شعبية سلبية تختفي فيها مظاهر الحياة من البلاد التي غرقت في صمت أقرب إلى الموت وخلت من البشر والحيوانات والسيارات "ولم يكن يقطع الجمود إلا هزهزات الصور الضخمة لسيد الأرضين المثبتة فوق الأرصفة وأسطح العمارات."


و"سيد الأرضين" هو لقب الرئيس نجم الدين الحواط الذي تولى الحكم بعد  ظهوره يوما في لحظة استثنائية حين كان ضابطا برتبة عقيد وأخبر "الرئيس الأب" بمؤامرة فاختاره نائبا له. وفي الليلة التالية لمصرع الرئيس الأب أصبح الحواط رئيسا واختاروا له لقب "سيد الأرضين".


أبو الفتوح الذي نوه إلى أن "الأرضين" اسم قديم لمصر اختار أسماء فرعونية للأماكن والمدن التي تدور فيها أحداث روايته ولكن الصراع الأخطر ظل يدور في القصور الرئاسية بالعاصمة التي سمهاها "سيدة الأقواس التسعة".


   ولا يحدد المؤلف زمنا لأحداث روايته ولكن أبطالها يعيشون عالم ما بعد اختراع الهواتف المحمولة فضلا عن إشارات إلى أشخاص يعتبرهم الرئيس "إخوته" ويخشى أن تكون نهايته كارثية مثلهم ومنهم الرئيس الروماني الأسبق  شاوشيسكو وشاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي والرئيس المصري السابق أنور السادات.


 بطل الرواية الرئيس الحواط الذي بلغ الثمانين وحكم بلاده أربعين عاما لا يصدق أن يكون للجمهورية أو للشعب وجود بدونه "كما يصنع الرب مخلوقاته صنعتكم على عيني وكما يصطفي أنبياءه اصطفيتكم. شكلت هيئاتكم وعقولكم وأفكاركم وأحلامكم."


في رواية ابو الفتوح استطاع سيد الأرضين المحافظة على حكمه بالدهاء فكلما شعر بضعف موقفه أعلن اكتشاف مؤامرة للاستيلاء على الحكم ويتم إلهاء الناس بخفايا المؤامرة واعترافات المتآمرين ومحاكمتهم.


   تصور الرواية غياب الشعب بأنه محنة للدكتاتور الذي ارتدى ملابس الميدان ووضع الأوسمة والنياشين والميداليات استعدادا للاحتفال وصعد إلى سطح القصر ونظر من خلال المنظار ورأي عاصمة "الجمهورية العتيدة" ميتة والشوارع خالية حتى من الكلاب الضالة ومكبرات الصوت تشق الصمت "تطلب من  السكان الغائبين الخروج وممارسة الحياة."


وكان سلوك الشعب أكبر من مجرد مؤامرة بالعزوف عن الخروج إلى الشوارع  والاستغناء عن كل شيء. وتساءل أركان النظام: أية مؤامرة تنظم عشرين مليونا من البشر هم سكان العاصمة ؟ وأضاف بعضهم "وهل تشارك الحيوانات والقوارض في المؤامرة" باختفائها أيضا؟


ورغم الفوضى المحيطة بالذكرى الأربعين لاستواء بطل الرواية على عرش "الجمهورية العتيدة" فإنه يشدد على ضرورة أن يحكم أربعين عاما أخرى وتأكد لأركان حكمه أنه يهذي واقترحوا السيطرة عليه. فهو حسب تقديرهم مجنون وتساءلوا "من من الاثنين يبلغونه بالكارثة (غياب الشعب) ؟ الأب الذي سيرحل بعد ساعات إلى جنونه وشيخوخته والذي هو حتى اللحظة سيد الأرضين أم الابن الذي ينتظر الصباح على مضض ليستوي فوق العرش سيدا جديدا؟"


   وكان الابن الأصغر سيف الدين الموعود بالرئاسة يعاني مرضا غريبا يفقد معه الوعي بعد نوبة من التشنجات العصبية. لكن الناس فوجئوا باحتلاله المرتبة البروتوكولية الثالثة بعد الرئيس وزوجته وقبل رئيسي البرلمان والوزراء. أما شقيقه الأكبر الملقب بأمير المال والنساء فمشغول بالامتلاك في حين تلهو شقيقتهما "ابنة أمها" مع كلابها. وكانت زوجة الحاكم واسمها أصل باي مهووسة بابنها الأصغر.


وتغوص الرواية داخل دهاليز القصر حيث كانت أصل باي المشهورة  بالمرأة الأخطبوط تعنف زوجها وتستعجل استخلاف ابنها الذي أصبح يطلق عليه  في الدوائر الضيقة ولي العهد.


واكتشف الرئيس الحواط أن أسرته تخترق أجهزة حكمه. لكنه اقتنع بأن أحدا من ولديه لا يصلح لخلافته واعتبر زوجته وابنه الأصغر سيف الدين في مقدمة أعدائه ولم تمثل له ابنته خطرا هي أو الابن الأكبر المريض بامتلاك الشركات.


وحين يشتد به المرض ويعجز عن أداء مهامه تتمكن أصل باي من القبض على زمام الأمور ويمارس سيف الدين "الدور الرئاسي دون إبطاء. صار يقلد إمضاءه على الأوامر والقرارات الجمهورية."


   وأمام الضغوط الأسرية عليه بالتنازل عن العرش لابنه رضخ سيد الأرضين طالبا ألا يذاع الأمر إلا بعد تدبر ثم اهتدى إلى أن يكون التنازل مواكبا للعيد الأربعين لحكمه وأصر على أن تتم إجراءات التنازل في القصر الرئاسي لا البرلمان. وأعد خطة لقتل الزوجة والابن وأتباعهما لينقلب السحر على الساحر ويتحسر الابن "على ضياع أبدي لفرصته في الاستواء" وينجح سيد المتآمرين في صد انقلاب القصر ويحمل فوق الأكتاف قائلا "ها أنذا يا أبناء مجدي أولد من جديد."


لكن الرواية التي يمكن اعتبارها هجائية للدكتاتور المزمن والصاعد معا تدفع القارئ إلى التعاطف مع حاكم استهلك أربعين عاما من عمر شعبه.


وتستيقظ العاصمة التي أحاطها الحاكم بخندق لحماية نظامه وظن النظام أنها ماتت. ففجأة تلفظ شوراعها ملايين البشر كما تدفقت على المدينة عشرات الملايين من المدن الأخرى في مشهد اختلط فيه ما يشبه ثورة شعبية بانفجار كوني كأنه "جحيم". ولكن الناس يصنعون بأجسادهم جسورا للعبور "إلى مدينتهم المنكوبة" "في انتظار القادم".


   وقال مؤلف (جمهورية الأرضين) أبو الفتوح لرويترز إن "الشعب المصري مستباح" وإن النبوءة في المشهد الأخير تشير إلى أن أي شعب حين يشعر بأنه مستباح ومغرر به يثور ويصنع "المخلص الشعبي الجماعي الذي يعبر عنه ومثل هذا الشعب لا ينتظر حدثا كونيا."


وقال الناقد المصري خالد السرجاني لرويترز إن قضية هذه الرواية "ليست منع التوريث (في مصر) ولو خرج مليون مواطن معترضين فلن يمنعوه لأنه مسألة لها اعتبارات معقدة خارجيا وداخليا في ضوء توازنات القوى السياسية. التوريث ظاهرة عربية تحولت معها بعض الجمهوريات إلى ملكيات وبعضها في الطريق إلى ذلك."


وشدد على أن (جمهورية الأرضين) هي "أول رواية (عربية) تتناول قضية التوريث بصورة متطورة (فنيا) بعيدا عن المباشرة والشعارات ومن الظلم لها أن نعتبرها معالجة لأزمة سياسية تواجهها مصر الآن. هي رواية عن أزمة نفسية لدكتاتور وكيف يواجه أسرته وشعبه."


وقال الروائي المصري علاء الأسواني الذي شدد على أنه ضد توريث السلطة في بلاده إن الرواية "تسجيل موقف وهذا يحسب للكاتب ولكن الأدب لا يغير إلا على المدى البعيد."

التعليق