السوداني: السياسي يجلس منفوشاً على كرسي العظمة والثقافي يترنح على دكة المسرح

تم نشره في الأحد 27 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • السوداني: السياسي يجلس منفوشاً على كرسي العظمة والثقافي يترنح على دكة المسرح

قاص عراقي ساخر يرى مهمته قهقهة الرغبة حد اندياح الدمعات


   عمان - عرف القاص والكاتب العراقي علي السوداني بسخريته المرة التي امتدت من الذات الى العام في قصصه وفي بطاقته التي ارادها هكذا: في العام 1961 ولد السوداني في مفتتح نيسان، في يوم الكذبة وسقط على رأسه ببغداد العباسية ليكون ضمن امنية ابيه الذي اراد ان يكون طبيباً فتخرج من معهد النفط وهرب في مفتتح التسعينات من الامريكان وفي العام 1994 حطت حقائبه في غرفة معلقة على اعالي "عمون" ليتابع اصداراته القصصية التي بدأت بمجموعة "المدفن المائي" 1993 ثم و"الرجل النازل" 1996 و"بوككو وموككو" 1997 و"خمسون حانة وحانة" واحتوت على كتابة تجديدية في فن القصة التي تميز بها وشكلت علامة فارقة في فن القصة العراقية والعربية معاً.


 * بداية دعنا نسأل ما هو جديد القاص على السوداني؟


- في اوشال ايامي العمانيات وقبل ان تهب رياح الهزيمة كنت قررت اطلاق اخر الطلقات تحت وهم عشبة جلجامش الخالدة فكانت مجموعة من قصار القصص دفعتها على غلافها الاول فصارت (خمسون حانة وحانة) وتأويلاً للافلاس وحلوزنات النشر كان سعد البزاز حاضراً ليخرجها من بيت ماله الحلال اذ تم الاتفاق مع الناشر ماهر الكيالي صاحب وراعي المؤسسة العربية للدراسات والنشر، واذ قدمناها الى الرقابة عادت لنا بخطوط حمر لا حصر لها فاقترح الكيالي طبعها في بيروت فتم الامر .

وظهرت المجموعة بأبهى حلة ثم بدأت المعضلة الثانية المتصلة بادخال المجموعة المنحوسة الى سوق عمان وكشك "ابو علي" لكن رقابة المطبوعات كانت مصرة على مصادرتها تحت مسوغات انتهاك اللغة القدسية واشياء اخرى وفي النتيجة حصلت على اقل من خمسين نسخة تم توزيعها بطريقة عشوائية.


المجموعة هي تجربة مكرورة كنت انتجتها في مجموعتي الرابعة (بوكيكو وميككو) وهي عبارة عن احدى وخمسين طرفة او حكاية كنت فيها هنا تحديداً (قصحون) الحانات "المطشوشة" على المدن التي اشرقت عليها او سخمتها لا فرق و"المطشوشة" على جغرافيا بغداد العباسية والبصرة وعمان التي اكلت في تسعاً عجفاوات ودمشق والمنامة التي نمت على جسدها شهراً بديعاً اقنعني باعادة النظر بالواقعية الاشتراكية و"طقطوقات" "لينين" .

 ثمة اقتصاد شديد في اللغة وضربات مفاجئة كما فرشاة رسام موتور وتكثيف للحظة تتجسد حتى تكاد تمسك بها وعلى هذه السمة ولدت ايضاً اشكال جديدة واساليب لم اكن اعلم ان مصطلحات نقدية فخمة ستحتفي بها لاحقاً وسيأتيك بعدها حشد من المجانين السكارى وما هم بسكارى فيشدون على يدك المرتعشة ويصنعون معك وهماً جديداً.


* منذ بدأت وانت متورط في السخرية ترى ما هي العلاقة الفارقة التي اردت من خلال مجموعتك الجديدة ان تتقاطع معها؟


- ثمة ورطة حقيقية في هذا النوع من الكتابة التي تسمى ساخرة انا اعتبر نفسي من المهرة الذين يعملون على تصنيع وتصدير "المضحكة" فتقهقهت الرغبة حد اندياح الدمعات.

 الضحك هنا بمواجهة الوجع ولا فرق ان يكون وجعك او وجع الاخر والورطة تكمن في ان الاخر يريد منك بضاعة الضحك في مقالك في الجريدة او في مدوناتك القصصية هو يريد ان يضحك ويسعد وانت عليك ان تدون و"تقفش" حتى لو ماتت نصف عشيرتك المفارقة المؤلمة هنا هي انك كما لاعب سيرك يشكو من مقترح تشمع كبد او مياه تسيح بين الركبة والركبة لكن وصلته يجب ان تتواصل حتى يخرج الناس من "السيرك" وهم غير اسفين على ثمن التذاكر.


* انت قاص امكنة او قاص محكوم بالترحال. برأيك هل استفادت قصتك من التنقل بين المدن العربية؟


- بداية انت حر في تشكيل وعجن السؤال والحق انا لست مغرماً بتأويل المنفى وبمقدوري ان اعيد عليك قولاً شائعاً من انني او اننا منفيون ولو كنا في اوطاننا وهو قول لا يخلو من اشكال ودعاية مبتذلة فمفردة المنفى منذ عشرين عجفاوات صارت وضيعة واظن انني اخبرتك مرة ان صباغي الاحذية وبائعات السجائر والملفعات بالسواد اللاتي يرششن على ارصفة عمان بخور ومسك الصحة والعافية كن استعن بتلك المفردة الملتبسة والمريبة اذ حلت ساعة الحساب امام بوابات المفوضية العليا للاجئين.

الرحلة اذن بدأت في العام 1994 من القرن البائد عندما نشرت احدى المجلات العراقية قصة قصيرة لي عنوانها "اخر اخبار الولد الجميل" وكان بطل القصة المفترض المتخيل الحالم هو السيد الرئيس فتبرع احد المتبرعين من غواة وهواة الرطانة فدبج كتاباً قراءته تحيلك الى تحسس رقبتك والتيقن من انها ما زالت تدور فوق جسدك كانت تلك الرفسة الحاسمة التي ركلتني خارج الحد فكانت عمان التي ولدت ابتداء كأنها محطة ثم استحالت بتراكم الايام الى ملاذ امن بالمحبة واستمر الحال حتى سقوط بغداد.

كان عليك يا ولد ان تستدير الى امكنتك العتيقة فانبثقت من التراب والغبار وقطعت درب الالام صوب بغداد العباسية التي داستها بساطير الاحتلال هناك وجدت بغداد كما امرأة جميلة تجيد لعبة الشد والغواية..

كان عليك ان تعمل بشروطك فاحتملوك اذ كانوا منشغلين بتسويق بضاعة الديمقراطية وعندما خربت الطبخة وانت على مائدة اللئام اشهروا بوجهك المسدس في استعادة سريعة لثقافة العنف والاقصاء والمصادرة ولم يكتفوا بذلك بل رسموا امام عينيك خبز عيالك وكان عليك ان تؤول المشهد فتحضر امامك بالضرورة عمان ثانية.

 والثانية جاءت بعد عقد من الاولى وهي لا تشبهها بالتأكيد فانت الان ابن البلد وتستطيع ان تستدل على محلات "هاشم" الاستطعامية ولن يستطيع "اشطر شوفير تكسي" ان يلف بك فيضاعف "العداد" او ان يخدعك بان امانة عمان قد "شالت" المدرج الروماني وزرعته في خاصرة صويلح.


* كيف تنظر الان الى ورطة المبدع العراقي المعارض ومواقفه السائبة والمجانية؟


- المعضلة هي هي وشروطها لم تتبدل ربما "تمكيجت" لستر الفضيحة فقط. ثمة ازدواجية مستحدثة يعيشها الادب والفن العراقي عموماً تتمثل في ظهور ما صار شائعاً الان بأدب الداخل وادب الخارج ولقد شهدت هذه الثنائية الجديدة خصوصاً في الايام الاول من سقوط بغداد معارك وسجالات ومطاحنات سال حول بعضها الدم فالقادم من الشتات اعطى لنفسه حقاً لا يملكه وصار يصعد ويرتقي المنابر المجانية ليوزع وينشر من فوقها صكوك الغفران على ادباء الداخل الذين فضلوا الكمون ودفع ضريبة التنور. اديب الداخل وفي اخر خطوط الدفاع ارتقى ذات المنبر ورمى على الخوارج تهمة تلميع وترقيع بساطير الاحتلال رداً على ما دفع به من عمالة لصدام حسين.


* يتحدث المبدع دائماً عن قيادة العربة الثقافية الا ترى معي ان المبدع العراقي جرته العربة السياسية وجيرت مواقفه فبقي بلا دور يذكر؟


- انا من الذين لا يعولون كثيراً على دور حشود الكتبة لان المعادلة المتاحة في كل العصور ان السياسي هو الذي يقود الثقافي. السياسي يجلس منتفخاً منفوشاً على كرسي العظمة والثقافي يترنح سكران على دكة مسرح اعدت سينوغرافياها سلفاً.

في تشكيل وجه البلد الجديد من خلال طبخة الانتخابات المتعجلة غاب المثقف وان تسربت بعض الاسماء الى قوائم اللعبة كنوع من اكمال الديكور والمفارقة هي ان المرجعيات السياسية المعروفة خسرت هي الاخرى اللعبة بمواجهة قائمة خلطة تلفعت او بوركت بعباءة ولحية وعمامة.


* كمثقف وقاص وكاتب لماذا هربت من العراق الان ولماذا لم تصمد مع الصامدين؟


- الهروب الاخير لا يشبه الهروب الاول كما لا يشبه العودة وكأن امريكا العبقرية قد نجحت في تقسيط وتقطير الاهانة. في اول ساعات العودة وتحت قوس "طريبيل" الشهير تحسست رباط حذائي في مقترح اولي لقصف الدبابة الامريكية بالحذاء وبعد ازيد من سنة على مشهد المهانة كان عليك ان تتريث قليلاً  فتحول متقرح "الكندرة" الى مقترح هروب بالجلد وبما تبقى من ندى الوجه مخافة مسدس اخر.


* ولكن اين الموقف الشجاع للمبدع في مواجهة المسدس او الظلم او الخوف الذي ادى الى الفرار؟


- اذكر انني في ايام وليالي الحرب مع ايران كنت ابحث عن المناطق الخلفية البعيدة عن دوي المدافع وازيز الطائرات ولعلعة السيد "كلاشنكوف" لم اكن اشعر قط بالجبن او بالعار وكنت اصنع لنفسي مساحة خاصة لمنازلة القبح والظلم فقد يكون هذا من على مائدة "شرب" او مدونة انفلتت سهواً وحطت على ورق الفضيحة او "التواليت".

 انا اكرر المشهد الان لكن ارجو ان لا تنتظر مني موعداً معك على "طقطوقة كلاشنكوفي يسابقني ويطير من شوقي" على سلم الدارج او النبطي.


* في عمان كنت معارضاً لصدام حسين والان انت ضد الاحتلال الذي خلصك من صدام اليس في ذلك فصامية محققة؟


- انا حقاً لا اشعر بأي درجة من الامتنان للعمة امريكا وارى ان هذا السؤال ربما انطوى على عسف شديد وكنت في اول ايام هرس البلد "بالكروز" و"باليورانيوم" قد اعلنت عن مشكلتي التي تريد ان تنتهي من "قصة صدام حسين" لكنها في نفس الوقت تلطم الصدر وتشج الرأس وتلفح الظهر على رؤية بلد استباحه الشواذ واحرقوه وسرقوه

ومرة كتبت تحديداً او قريباً من ذلك انني في تلك الايام المغبرات لو تسنى لي عبر فضائية الجزيرة مشاهدة فيلم يظهر صدام حسين فوق القصر الجمهوري حاملاً رشاشه العتيق ناجحاً في اسقاط طائرة امريكية عندها لا استطيع ان اعمل على موت سعادتي.

التعليق