"ديلاكروا" رائد الرومانطيقية.. ومبتكر النشوة المنظمة في الفن

تم نشره في السبت 26 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • "ديلاكروا" رائد الرومانطيقية.. ومبتكر النشوة المنظمة في الفن

عرض ضمن وثائقيات دارة الفنون:



    عمان- تناول الفيلم الوثائقي الذي عرضته دارة الفنون مساء اول من أمس مسيرة رائد الرومانطيقية الفرنسي أوجين ديلاكروا  Eugene Delacroix) 1798- 1863)، الذي شكلت تجربته قطيعة مع المعطيات الكلاسيكية لفن التصوير في عصر النهضة.


    فمع ديلاكروا والرومانطيقية دخل الفن مرحلة جديدة بتعرفه على الروح الثورية في الفن التي مهدت لها الكلاسيكية الجديدة وتجلّت في الواقعية من بعدها بادخالها الخيال والشعور والاحساس إلى جوهر العمل الفني. وقد تساوقت هذه الخصائص مع معطيات الثورة الفرنسية التي نادت بتحقيق العدل والحرية والمساواة، إذ اتجه الفنان معها إلى التعبير عن ذاته ومشاعره وعالمه الباطني بعيداً عن القيود التي أملتها ترسيمات الكلاسيكية.


    حملت الرومانتيكية معها بذور التحرر من عقلانية عصر التنوير، فاقتربت بالحنين من روحانية العصور الوسطى وفروسيتها.. وكذلك الحنين إلى الشرق الغامض المليء بالاسرار الذي وجد الرومانتيكيون في فروسيته ونورانيته مادة خصبة للخيال والعاطفة، متحررين من أسر العقلانية والمادية التي طالما تغنى بها فلاسفة القرن الثامن عشر.


    كان أوجين ديلاكروا من أوائل الفنانين الذين أصابهم الشرق بلفحة من دفئه، وقبس من الشمس أضاءت ألوانه؛ فكان للبهاء الشرقي مستقر في صميم أعماقه وأعماله.


    تطرق الفيلم، الذي غطى مساحات واسعة من مسيرة ديلاكروا، إلى علاقته بالموسيقى والأدب،وتأثيرهما على تكوينه الفني. ففي صباه درس الموسيقى قبل أن يلتحق بمحترف الفنان بول غيرين، وهو منذ التقاه في العام 1816 أخذت تتكون لديه ملامح اسلوبه الفني المقبل، وخصوصاّ بعد أن تعرف إلى إعمال الفنان فيرونيزي وغويا ورونبز.


     كانت لوحته الكبيرة الأولى " دانتي وفرجيل" فاتحة لأعمال ضخمة سوف يظل يرسمها حتى آخر أيامه وتجعل منه، اضافة إلى رحلته للمغرب والجزائر وتأثيرها عليه، واحداً من كبار الفنانين الرومانطيقين ومبتكر النشوة المنظمة في الفن.


    تعتبر لوحته "الحرية تقود الشعب" التي رسمها في العام 1830 واستقرت في متحف اللوفر منذ العام 1874، واحدة من اهم أعمال القرن التاسع عشر. قال بخصوصها في رسالة بعثها لاخيه :"لقد شرعت العمل بإصرار في موضوع جديد.. إنني لم أحارب قط في سبيل الوطن، لكنني استطيع، على الأقل أن أرسم له".


    تظهر في وسط اللوحة امرأة بيدها اليمنى علم التحرير، وتقبض باليسرى على بندقية وهي تنظر إلى رجال يخترقون الدخان الذي يشكل خلفية اللوحة.. وقد امتلأت أرضية اللوحة بالجثث تعبد الطريق إلى النصر. وتزخر عناصر لوحته هذه بالدلالات التي أراد لها الفنان ان تكون متميزة عن باقي أعماله.


    وضع ديلاكروا المتلقي في بؤرة العمل حين وضع المرأة بصدرها العاري في منتصف اللوحة التي جسّدت الرمز من خلال الواقعية، كما استمدّت بعدها الدرامي من درجات اللون البني.. فيما عملت الاسقاطات الضوئية على تكريس الإيقاع الجمالي للوحة؟


    أنجز ديلاكروا في العام 1839 بفعل تاثره باعمال شكسبير اكثر من 16 محفورة تمثّل هاملت في اوضاع مختلفة. وقام تالياّ برسم العديد من الشخصيات الشكسبيرية في سياق استلهاماته لدانتي واللورد بايرون وباغنيني وحكايات التاريخ القديم. وكذلك استلهامه لمشاهد الشرق، وبالذات رحلاته إلى الشمال الأفريقي.. كل ذلك شكل له مخزوناً رومانطيقيا طبع مجمل أعماله.


    كتب بودلير عن الوجود النسائي في اعمال ديلاكروا نصاً يمكن اعتباره من أكثر النصوص قربا من روحية اعماله، نقتبس منه السياق التالي "بشكل عام، لا يصوّر ديلاكروا نساء جميلات من وجهة نظر الناس العاديين على الأقل. إن كل بطلات ديلاكروا تقريباً سقيمات، لكنهن يشعنّ بنوع من الجمال الداخلي.

وديلاكروا لا يعبّر أبداً عن القوة من خلال رسم العضلات الضخمة، بل عن طريق توتر الأعصاب. وليس الألم وحده هو ما يعرف ديلاكروا أن يعبر عنه بافضل ما يكون.. فهو يعبر عن الألم المعنوي الروحي، ومن هنا يلاحظ كيف ان الكآبة القصوى والجادة تبرق لديه حتى في الألوان، في الكتل اللونية المتساوقة، الفسيحة، البسيطة، الكثيفة، كما هي الحال لدى الملونيين العظام، لكنها أيضاً تلوح شاكية وعميقة كما في الحان فيبر".  

التعليق