امجد ناصر.. الخيال السحري ومسألة قديمة عن الشعر في النثر

تم نشره في السبت 19 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • امجد ناصر.. الخيال السحري ومسألة قديمة عن الشعر في النثر

 

 
    بيروت - مجموعة الشاعر الاردني امجد ناصر الجديدة  "حياة كسرد متقطع" قد تعيد طرح سؤال قديم عن الشعر والنثر لا من باب التناقض بين الاثنين بل نتيجة اكتشاف امر معروف وهو ان هناك احيانا شعرا في ما يوصف بانه نثر.

 
   ويبدو لقارىء المجموعة التي صدرت في 140 صفحة متوسطة القطع عن دار رياض  الريس للكتب والنشر في بيروت ان الشاعر نجح عمليا في الخروج من اسر شكل تعبيري  واحد او اكثر مما اتبعه سابقا.. فزرع في مجموع نصوصه الاخيرة حرارة وروحا  شعريتين عرف بهما في نتاجه عامة.


    إلا أن مقدمة المجموعة التي كتبها ناقد بارز هو صبحي حديدي وجاءت اقرب  الى دراسة ورأي جديين.. قد تبدو كأنها تتكلم عن شان اخر لا يبدو انه يتفق  كليا مع ما جاء في المجموعة اذ تتكلم عن شكل جديد كليا عند الشاعر.


 وقد تفيدنا هنا العودة قليلا الى اعمال امجد ناصر الشعرية التي صدرت قبل  مدة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وضمت ست مجموعات كتبت بين عام 1979  وعام 1999 لنلاحظ ان كثيرا من نتاجه في تلك الحقبة راوح في قصائده المختلفة بين واقعي ورمزي وسوريالي حينا و"ماغوطية" متجددة في البدايات وبين شعر حر وشعر  تفعيلة واجواء قصيدة النثر.


    وتبدو قصائد الشاعر في مجموعته الجديدة كانها توقفت عن "المراوحة" فهي  تحمل هذه السمات مجتمعة في القصيدة الواحدة اذ اننا نلمح هذه السمات كلها او كثيرا منها في عمل واحد بعد ان كانت قصائده الماضية تعكس اساليب واشكالا  متعددة.


    قال حديدي في المقدمة "تسجل هذه المجموعة نقلة مميزة وذات اهمية خاصة ليس  في سياق تطور تجربة امجد ناصر الشعرية الشخصية بل على صعيد تطورات قصيدة  النثر العربية المعاصرة بصفة اعم... ولم يعد خافيا الان وقد انقضت اربعة  عقود ونيف على ولادة "قصيدة النثر" العربية ان الشكل الذي يسقط الوزن ويعتمد النثر ولكنه يحافظ على تقطيع للاسطر شبيه بشكل قصيدة التفعيلة وقع  اسير الرتابة والتماثل وبات ساكنا جامدا."


 ويضيف ان قصيدة النثر "تستخدم النثر ولكنها لا تعترف تماما بكل الطاقات  الهائلة التي يمكن ان يفجرها هذا الوسيط النبيل اليومي والانساني." وقال ان  ناصر في "حياة كسرد متقطع" يحاول ان ينحاز مباشرة وبوضوح تام "الى النثر كوسيط تعبيري والى شعرية النثر او الشعر في النثر بالاحرى."


    وقد يكون هذا القول صحيحا لكن اذا فهم منه انه شأن جديد. فالامر هذا  يشكل اغفالا لتراث طويل متعدد ومتنوع نجد بعض سماته في كتابات ادباء كثيرين منهم "مهجريون لبنانيون" مثل جبران خليل جبران وامين الريحاني وصولا الى شكل  من الكتابة الفنية التي سبقت "تطوير" نظرية قصيدة النثر العربية وقد عرف  باسم "الشعر المنثور" الذي حمل عليه رافضوه واطلقوا عليه ساخرين تعبير "النثر المشعور".


     كما تجدر الاشارة هنا الى كتابات بارزة اتسمت بتفجير طاقات شعرية في  الكتابة النثرية وبرفع امور من الحياة اليومية الى مستوى الشعر ومن  امثلتها العديدة ..من قديم وحديث.. الشاعر والصحافي اللبناني فؤاد سليمان  الذي عرف باسم "تموز" وصولا الى قسم من نتاج محمد الماغوط والى بعض الكتابات  "القصصية" لزكريا تامر وقد جمعت بين "الفانتازيا" والواقع احيانا. ويكاد  القارىء يحار في تصنيفها ففيها سمات كثيرة وقوية من "الشعر في النثر" ومن  القصة القصيرة.


    وقد لا تكون هذه النماذج شددت كما فعل ناصر وبقدر من النجاح على خفض  "نبرة" الكلام الشعري النثري. كل هذه الامور لا تجعل تجربة ناصر على قوتها  الشعرية وتاثيرها الايحائي الكبير امرا جديدا تفرد به وان يكن نفخ فيها  "روحه" الخاصة.


في "نجوم لندن" يقول ناصر "نفسا وراء نفس تدفعني الايام قدما لكن عيني ظلتا ورائي تبحثان عن علامة تراءت لي وانا مستلق ذات ليلة على سطح بيتنا في المفرق اعد النجوم واخطىء." وبعد ذلك يعود الى نمط هو بين قصيدة النثر والشعر المنثور فيقول "لا تبحث عن العلامة/ لا تعترض طريقها/ دعك من الشقوق والخرائب/ لا تتبع انجما ضللت قبلك رعاة وعاشقين/ فالعلامة تاتيك من حيث لا تحتسب/ او يخطر لك على بال".


   وفي بعض الحالات وفي سعي الى تطويع بعض الموسيقى الداخلية التي يدعو حديدي الى التخلص منها نجد ناصر لا يعود الى قصيدة النثر بل الى مرحلة سبقتها هي مرحلة شعر التفعيلة عند شعراء مجلة "شعر" خاصة في لجوئهم الى ادخال " ال " على الفعل استنادا الى ان هذه اسم موصول فنجده في "فتاة في مقهى كوستا" يقول ويبدع "دوامة الهواء الماتزال تحت الطاولة" وفي قصيدة "طريقة اردنية" يقول "رغم الحدود والمواضعات التي عبرتها بقلمي البدوي".


    ولعل رائعة "فتاة في مقهى" في لندن تشكل نموذجا اخاذا لقدرة امجد ناصر الشعرية ومهاراته في رسم عالم ضائع بين الحلم والتخيل والواقع وفي ما قد يصح ان يعطى اوصافا مختلفة منها "الشعر في النثر" و"القصة في الشعر" او "القص الشعري" ولكن الاكيد ان فيه كثيرا من "الشعر" وان يكن ظهر في "اشياء" اخرى. قيمته الاولى هي في التوتر الشعري والقدرة على نقل تجربة من يترجح او يضيع بين عالمي الحلم السحري والواقع واي منها هو الحقيقي.


    يقول "في مقهى كوستا بهمرسمث جاءت وجلست الى الطاولة امامي مع ان المقهى خال من الرواد في ضحى يجاهد عبثا لانتزاع شعاع من سماء لندن الطلساء. كنت افكر في قصيدة فيها فتاة تاتي وتجلس امام شاعر يحاول ان يكتب قصيدة عن فتاة تاتي وتجلس امامه في مقهى خال من الرواد... اشعلت سيجارة واخذت ترشف قهوتها وهي تنظر الي بزاوية منحرفة من عينيها. اكثر من مرة همت ان تقول شيئا ولم تفعل واكثر من مرة هممت ان اتحدث اليها واتراجع.


     "بلوزتها الزرقاء نصف الكم التي تكشف زنديها المبرومين وبكتفيها اللذين تنط منهما فهود صغيرة وبقدمها التي تتحرك تحت الطاولة على شكل مروحة. كانت تشبه فتاة القصيدة. كل الاشارات تدل عليها. كان وزن الهواء وحركته يتغيران تحت الطاولة. اوقعت قلمي كما لو سقط عرضا على الارض لارى ما الذي يجري وما ان التقطته ورفعت راسي حتى اختفت الفتاة. كان على الحائط ملصق اعلاني كبير لفتاة تجلس وحيدة تدخن وتحتسي قهوة وتنظر بزاوية منحرفة من عينيها في مقهي يشبه هذا المقهى."


    يختم ناصر عالمه السحري بما يجعلنا نتساءل.. هل نحن امام الصيني الذي حلم بانه فراشة ولم يعد يعرف اهو فعلا كذلك ام انه فراشة تحلم بانها ذلك الصيني. او نتساءل.. هل ننقل فعلا التجربة الشعورية التي نمر بها ام اننا بعد التعبير عنها نجد انها اخرى وان تشابهتا.


يقول "دوامة الهواء الماتزال تحت الطاولة/ فنجان القهوة الساخن/ السيجارة المدخنة على حافة المنفضة/ المنديل الورقي المبقع بأحمر الشفاه/ قلبي الذي تسمع دقاته من بعيد/ القصيدة التي فكرت بقصيدة اخرى وكتبتها".

التعليق