"لواء القصر" واحة تغفو في حضن الجنوب

تم نشره في الثلاثاء 15 شباط / فبراير 2005. 09:00 صباحاً
  • "لواء القصر" واحة تغفو في حضن الجنوب

 

 
وانت ترحل الى الجنوب في يوم شتائي الايقاع, وسط غيوم مسافرة, ومطر مدرار تعانق كثبان الصحراء, وتلوح لقلعة القطرانة ثم تأخذ درب الكرك باتجاه الجنوب, وقبل ان تصل الى مثلث الثنية توجه نحو اليمين حيث قرى "جديدة واللجون ثم الربة", من هناك تتابع السير الى منطقة القصر , حيث الهدوء والسكينة والحقول الخضراء المترامية, اشجار الصنوبر, طيور في الدرب تحط على الحصى ثم تحلّق في السماء, شمس تبزغ من بين الغيوم, تابع السير , انت في صلاة وسكينة في حمى الله وسط اهل الجنوب الذين افاض الله عليهم من طيب القلوب.


وتعتبر القصر مركز لواء يمتد من وادي الموجب الى مثلث بلدة "راكين" ويضم عددا من المناطق مثل الربة والياروت, السماكية, مجلس قروي الحمد, مجلس قروي دفنة, الرشايدة, شيحان, والروضة ويبلغ عدد السكان حوالي خمسة وعشرون الف نسمة, وتضم عددا من العائلات مثل المجالي والسماهدة .


وقد سميت بهذا الاسم نسبة الى قصر نبطي موجود هناك يعود تاريخه الى الالف الاول قبل الميلاد, وقد كان بمثابة استراحة للقوافل, وربما كان معبدا نبطيا حيث تنتشر المعابد هناك في الجنوب , مثل خربة الذريح جنوب الطفيلة, وقلعة سلع, ويقع على الطريق السلطاني الذي يمر من عمان ومادبا ويجتاز الموجب ويمر في منطقة البالوع.


وكان القصر مركز استراحة ما بين جبال مؤاب , وهناك تسمية اخرى وهي" بيت كرم" ولهذه التسمية دلالة بمعنى الجود والكرم, او انها مأخوذة من كروم العنب, التي كانت محيطة بالمنطقة .


نشأت في مطلع القرن العشرين وبدأت تشهد العمران حول اثار القصر نفسه, ثم بدأت تزحف باتجاه الاراضي الزراعية التي اخذت بالانحسار .


ويضم اللواء عددا من المواقع الاثرية اشهرها اثار "ابو لب", و"الربة", "تدوم", "وراس شيحان", "البالوع" و"الحمة"" .


 التجوال في ربوعها , شارع يقسم المنطقة تصطف علي جانبيه الحوانيت ومباني المؤسسات الحكومية, حيث  مديرية ا لزراعة ومركز للدفاع المدني , مكتب اشغال, اخر للتنمية, وعدا عن البنوك هناك مبنى المتصرفية , ومبنى البريد, ومديرية التربية, بحيث تقدم هذه المؤسسات خدمات للمنطقة بكاملها .


دخلت مبنى البلدية الجميل, حيث اطلالة بهية, وخدمات جيدة تقدم للمواطنين , تحدثت الى رئيس البلدية المهندس بهجت الرواشدة , كان يحدثني عن القصر بحب وشغف كبير, رؤية رجل يريد التقدم الى الامام بمنطقته, تحدث عن اماله بتحسين احوال المواطنين, تطرق الى منطقة الموجب وهي من المناطق الحساسة الجميلة والتي يأمل ان تقام بها شاليهات, وتحدث عن حاجة لواء القصر الى مشاريع استثمارية تخدم المنطقة , وتساهم في تخفيف حدة البطالة بين الشباب, وتطرق الى موضوع حاجة المنطقة الى مشروع كامل للصرف الصحي, حيث بدأت تتشكل بعض المكاره الصحية هنا وهناك .


كما ان المواطن يعاني من وجود خلل في شبكة الكهرباء, وانقطاع التيار الكهربائي.


وتمنى لو يقام في المنطقة مدينة ترويحية, تخدم السكان وتبعث الفرح والسرور في قلوب اطفال المنطقة الذين يتطلعون باستمرار الى العاصمة على انها المكان الوحيد للترفيه!


ثم تحدث عن وضع المرأة هنا والتي حظيت بنسبة عالية من التعليم حيث بدأت تدخل مجال الحياة العملية , وتقلدت بعض الوظائف في القطاع الحكومي .


تركت البلدية ورئيسها , واتجهت الى اطلال القصر القديم الذي سيتم اعادة ترميمه من قبل جهات اجنبية بالتعاون مع البلدية .


بين البيوت تغفو حجارته, سياج يزنر المكان, ثم بقايا قصر قديم, تحمل حجارته حكايا قديمة, لكن البعض قد نقش اسمه على جدران القصر ليذكر الناس بطفل او شاب مر على المكان في احد الايام. قربه محل عطارة قديم, قوارير زيوت, اعشاب ذابلة , بوابة خشبية عتيقة ومحل العطارة مغلق عن حكايا وقصص الناس .


قناطر وحجارة وبيوت مهجورة، تجاورها اخرى عامرة، وكأن اهل البيوت القديمة يتركونها لتظل ذكراهم ماثلة على الارض، امامهم وليس فقط في الوجدان.
تلوح امامي يافطة تشير الى جمعية القصر الخيرية التي تأسست في عام 1998 ادخل الى المبنى, نساء ثلاث, وجوه جميلة تحكي قصة كفاح المرأة  يتعلمن في صفوف محو الامية, وهناك واعظة تأتي لتلقي دروسها الاسبوعية داخل المبنى بقايا اشغال يدوية, مطرزات, ازهار  صناعية, سلال القش اثواب مطرزة وتتحدث احداهن بان الجمعية الان بلا تمويل او دعم مادي.


يطل وجه الحاجة" ام ياسر" وهي من مواليد عام 1920 فم سقطت اسنانه في حجرات الزمن, وظلت العزيمة قائمة, فهي ام لولدين واربع بنات, عملت كثيرا في حياتها, نسجت" المفارش


 خبزت "الشراك", وصنعت بيوت الشعر من الصوف، هذا شقاق, ورواق, وشق عرب.


بيوت تركتها للماضي يتحدث عنها ثم قدمت الى صفوف محو الامية وهي تتمنى امنيتها الاخيرة بان تحج, فهل لوزارة الاوقاف الخيرة من منحة لهذه الحاجة, حتى تقضي آخر  ايامها في لقاء رب العزة في بيته الحرام بعدما قضت عمرها كانسانة مكافحة تنتظر غياب شمس عمرها.


ام عبدالسلام سيدة اخرى تتحدث عن الحياة سابقا ، كانت الحياة فقيرة لكنها جميلة والناس سواسية, يعطي الغني منهم الفقير, والمرأة تعمل في زراعة الارض, واعداد الطعام من الزبدة, والجميد واللبن تخبز على الصاج والطابون, كانت العائلة كبيرة تضم جميع الافراد الذين يعيشون في غرفة واحدة, ويضم البيت عدة عائلات تعيش بود وحنان ومحبة.


الان تغير الزمن, صار القرش هو السيد المطاع, وحجم البشر يقاس بما يمتلكون من النقود, والبركة صارت غريبة ووحيدة , كان الطبق الرمضاني الازكى هو المجدرة, عدس وارز وبصل, وصحون تمتد وسط الموائد, وتعبر الاسوار الى الدور المجاورة ثم هناك طبق" الرشوف", جميد ، وعدس, وفي السحور تمر وحلاوة وخبز العويص.


نساء وحكاية, وجمعية تبحث عن  دعم مادي كي تستمر في العطاء. اترك المكان واسير في السوق الصغير, عيادة طبيب تقع في داخل حانوت, عيادة طبيبة اسنان, مكتب  محامي واخر للهندسة قاعة للمرحوم القاضي عطا الله المجالي.


اسير صوب تجمع المدارس, فهذه مدرسة عبدالوهاب المجالي التي تأسست في عام 1950 وتلك مدرسة القصر الاساسية للبنين, اخرى ثانوية للبنات, وثانوية للبنين ويوجد في المنطقة مدرسة خاصة مختلطة هي مدرسة الفاروق الاسلامية.


اعرج على المركز الصحي وهو مركز اولي تأسس في عام 1999 فيه مركز للامومة والطفولة, ويداوم فيه طبيب عام, وآخر للاسنان, ولا يوجد فيه مختبر ولا اشعة مع ان المنطقة بحاجة الى مركز صحي شامل يقدم خدماته لابناء المنطقة.


انهي جولتي في مركز شابات القصر التابع للمركز الاعلى للشباب وهو يقدم نشاطاته المختلفة لفتيات تتراوح اعمارهن ما بين 12 - 14 سنة حيث يقدم برامج اجتماعية, ثقافية, ورياضية, وتعليمية اذ تعقد فيه عدد من الدورات مثل دورة اللغة الانجليزية, والرياضيات والكومبيوتر اضافة الى تعليم المهارات, والفنون اليدوية مثل التطريز وغيرها كما يتعاون مع المجتمع المحلي لاقامة ندوات ومحاضرات تثقيفية ويهدف الى تعبئة اوقات  الشابات بما يخدم المجتمع.


تقول مديرة المركز بان النشاط صيفا يكون اكثر فعالية بسبب العطلة الصيفية, كما ان اقبال الفتيات ليس كما يجب بسبب العادات والتقاليد التي تحد احيانا من اقبال المرأة  على المشاركة في النشاطات العامة.


كما ان موقع المكان في الطابق الثاني من المبني, يقلل من الاقبال عليه, وتطالب الفتيات بضرورة وجود خدمة الانترنت  في المكان وفي الصيف يشارك المركز في معسكرات الحسين للشباب.


هذه هي القصر, جميلة بموقعها, وسكانها, وقصرها, تتطلع الى السير قدما نحو   الاعلى, ونحو البناء المستمر, فلتظل ابدا  بهية تغفو في حضن الجنوب.

التعليق