أومبير بلزان الارستقراطي الجميل الذي راهن على السينما العربية

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً
  • أومبير بلزان الارستقراطي الجميل الذي راهن على السينما العربية

   أهل الفنّ السابع المجتمعون في «مهرجان برلين» لم يصدّقوا الخبـر الذي وقـع عـليـهم كالصاعقة يوم الخميس الماضي. قبل سنتين تحديداً، في برلين، وخلال المهرجان نفسه، ظهر المنتج الفرنسي أومبير بلزان بطلّته التراجيدية، وقف منكسراً على المسرح، تكلّم بصـوت متـهـدّج يرثي زميله وصديقه المنتج الفرنسي توسكان دو بلانتييه الذي كان وصل للتوّ، من باريس، نبأ موته منتحراً. وها هو السيناريو السوداوي نفسه يتكرّر من جديد أمام الوجوه المشدوهة والنظرات التي سمّرها الذهول، ويكون بطله هذه المرّة... أومبير بلزان نفسه!


    وفي الحقيقة، كان يصعب على المرء أن يتوقّع لهذا المنتج الذي يغرّد خارج سربه على امتداد السينما الأوروبية، تلك النهاية المفجعة. من عرف بلزان، أو التقاه في شكل عابر خلال احدى المناسبات التي تقترن بالسينما العربية، أو حتّى لمحه من بعيد خلال احدى زياراته إلى القاهرة أو بيروت، بقامته الفارعة، وملامحه القريبة إلى القلب، وطلّته الارستقراطيّة الأنيقة المحاطة بهالة النجوم، لا يمكنه أن يتصوّر الدقائق الأخيرة في حياة الرجل: ترى أي أرواح شريرة رافقته صباح ذلك اليوم القاتم من شباط (فبراير) وهو يدخل مكتبه في قلب باريس، حيث يدير شركة «اونيون بيكتشرز» للانتاج؟ بماذا كان يفكّر حين أغلق الباب بهدوء، ونصب المشنقة التي انتزعت أنفاسه الأخيرة؟


    يمضي هذا الفارس المغامر، بعد أن صفق خلفه الباب، حاملاً معه أسراره. لكنّه يترك لنا تاريخاً فنيّاً مثيراً وحافلاً، ومسيرة سينمائيّة صاخبة اعتاد خلالها ركوب الصعاب، وارتياد الطرق الوعرة، وخوض المغامرات غير المضمونة النتائج. يقف بلزان الذي عمل أيضاً ممثلاً في ادارة روبير بروسون، وجاك ريفيت، وجيمس إيفوري، وفولكر شلوندورف، وراء بعض الأفلام الفرنسية اللافتة من جان لوي ترينتينيان إلى كلير دوني... لكنّه سيبقى في ذاكرتنا بصفته الشخص الذي راهن على السينما العربية، حتّى صار أبرز منتجيها المستقلّين، والتصقت به صورة صديق المخرجين العرب الذين يغرّدون خارج السرب. هكذا كان له الدور الأوّل في ظهور بعض أبرز الاعمال التي شهدتها شاشاتنا خلال العقدين الأخيرين، من يوسف شاهين إلى يسري نصر الله، ومن مارون بغدادي إلى رنده الشهّال وإيليا سليمان.


    مسيرة هومبار بلزان تكاد تقوم على مبدأ الشراكة والوفاء، وغالباً ما كانت شخصيّة المخرج الذي يجلس أمامه هي العامل الحاسم في اختياراته، قبل السيناريو الذي يحمله هذا المخرج. في العام 5891 أنتج فيلم يوسف شاهين «وداعاً بونابارت»، وبقي، منذ ذلك الحين، حاضراً في جلّ أعمال صاحب «الأرض» و«العصفور». نذكر على سبيل المثال: «اليوم السادس»، «المصير»... وصولاً الى آخر أفلام شاهين «اسكندرية... نيويورك».ولعلّ علاقة بلزان بالسينما العربيّة بدأت بصداقته بالسينمائي اللبناني الراحل مارون بغدادي الذي أنتج أوّل أفلامه الروائيّة «بيروت يا بيروت» (5791). وبقي صديق بغدادي، وشريك أبرز أفلامه، حتّى رحيل صاحب «الرجل المحجّب»... في بيروت كما في القاهرة، كان له اصدقاؤه وعاداته وأماكنه الأثيرة... وكان يطلق عليه أصدقاؤه في بيروت خلال الحرب لقب «أبو اللولو».


   ولولا بلزان لما أبصر النور، ربّما، فيلم إيليا سليمان «يد إلهيّة» الذي حقق نجاحاً عالمياً... كما شارك في انتاج فيلم رنده الشهّال «طيّارة من ورق»، وأخيراً ملحمة يسري نصر الله عن رواية إلياس خوري «باب الشمس». وكان حتّى لحظة رحيله، مشغولاً بمشاريع عدّة، لعلّ أبرزها - على الصعيد العربي - الفيلم الجديد الذي يعمل عليه المخرج الفلسطيني إيليا سليمان. لكنّ طموحه وحماسته قاداه ربّما إلى مآزق ماليّة، ومصاعب كثيرة... حتّى أن معارك قانونيّة وخلافات عدّة فرّقته خلال الأشهر الأخيرة عن بعض اصدقائه من السينمائيين العرب... ولا شكّ في أنه، بانسحابه العنيف من دائرة الضوء، يوجّه رسالة اعتذار صارخة إلى كلّ الذين أحبّهم، ويترك عدداً من المخرجين في حالة يتم وضياع، ولعلّه يطوي صفحة استثنائيّة في تاريخ السينما العربيّة عن الحياة .

التعليق