جمانة فرح.. ليليت المنبوذة الرهيبة تعود منقذة

تم نشره في السبت 12 شباط / فبراير 2005. 10:00 صباحاً

 

     بيروت  - تقدم الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في عملها الاخير "عودة ليليت" نسيجا شعريا نابضا في صراحته ورسالته الفكرية تتداخل فيه وتنضفر متكاملة خيوط من الاساطير والآداب السومرية والبابلية القديمة ومن التوراة والتراث الديني اليهودي الذي تلاها.
 
   وقد يصح ان يقرأ النص قراءة "نفسية" تشير مداورة الى نوع من الانقسام او فلنقل الفصام الذي أصاب الانسان الى ان شكلت عودة ليليت التئاما للنفس البشرية وتوحدا كان يفترض ان يكون هو الاساس.


     ومن ناحية أخرى تبدو صورة ليليت أو ليليث عبرانيا كأنها المقابل الآخر لصورة الشيطان في الاديان التوحيدية او "لوسيفر" الملاك الساقط من الاعالي. وتشبه قضيتها في شكل خاص مشكلة الشيطان في المعتقد الاسلامي وخروجه على طاعة الله بعد رفض الخضوع لادم لان آدم خلق من تراب اما هو الشيطان  فمن نار.  ومنذ السقوط تحول هذا الملاك العاصي الى رمز للشرور والفساد والاغراء والاغواء ودفع الانسان الى الهلاك. وهذا هو شأن ليليت الى حد بعيد.
    الا ان جمانة لا تسعى اساسا من خلال هذا الى ابراز مجرد "التوافق" بين بعض سمات آداب واساطير العراق القديم وبين واليهودية والمسيحية  والاسلام بل الى "قراءة" جديدة لصورة ليليت في الاذهان واعتبارها ثائرة متحررة ومحررة منقذة.


     وهذه الفكرة كما يستخلص من "موسوعة الاديان" الصادرة عن دار ماكميلان في لندن ونيويورك ومن مراجع اخرى تتوافق مع تصورات حديثة بدأت تظهر منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم لدى حركات نسائية تعمل لحرية المراة وبشكل خاص لدى حركات لاهوتية نسائية يهودية في اوروبا والولايات المتحدة.
     كتاب جمانة حداد الشاعرة والصحافية في جريدة النهار اللبنانية والمترجمة التي تتقن سبع لغات صدر في 100 صفحة كبيرة صقيلة عن "دار النهار" للنشر. وهو كتابها السابع في الشعر بعد ستة احدها بالفرنسية.


    تقدم جمانة كتابها "الى النساء السبع " لتنتقل بعد ذلك مستشهدة بالنص الوحيد ذكرت ليليت فيه في التوراة وهو سفر اشعيا 34/21 - 14 حيث ورد "لا يبقى هناك من الاشراف من يدعى للملك وجميع امرائه ينقرضون ويطلع الشوك في قصورها والقراص والعوسج في  حصونها وتكون مأوى لبنات آوى ومسرحا لبنات النعام وتلاقي وحوش القفر الضباع ويصيح الاشعر بصاحبته وهناك تقر (ليليت) وتجد لنفسها مكانا مريحا."


    وقد ورد هذا النص في "الكتاب المقدس - العهد القديم" من نشر دار المشرق في بيروت وجمعيات الكتاب المقدس في المشرق. وقراءة تطور صورة  ليليت عبر الزمن قد تشرح لنا الاختلاف بين ما سلف وما ورد في "الكتاب المقدس اي كتاب العهد القديم والعهد الجديد" الذي اصدرته "دار الكتاب المقدس في الشرق الاوسط." فقد ورد هنا "...وتلاقي وحوش القفر بنات آوى  ومعز الوحش يدعو صاحبه. هناك يستقر (الليل) ويجد لنفسه محلا."


     وقد وصفت "ليليث" في التراث الديني اليهودي الذي جاء بعد التوراة  بانها شيطان انثى اي شيطانة تغوي الرجال وتقتل الاطفال. ووصفت في  مجالات اخرى بانها الزوجة الاولى لآدم وقد جبلت من تراب لتكون مساوية لزوجها.
 
    والاسم ليليت ذو علاقة بالكلمة السومرية "ليل" اي الريح والامر.. وفق قول ايللين م.يومانسكي في الموسوعة المذكورة .. ليس متعلقا كما قال البعض بكلمة "ليله" العبرية التي تعني "الليل."


    ومع ذلك فان ليليت مثل شيطانة الريح السومرية ومثل نظيرتها البابلية اللاحقة "ليليتو" هي شيطانة تجامع الرجال اثناء نومهم. الا ان صورة ليليت قاتلة الاطفال تشبه الى حد بعيد الشيطانة البابلية "لاماشتو" التي خلطت المخيلة الشعبية بينها وبين ليليتو المذكورة.
 
    وفي التعليقات والشروح التوراتية "الفباء بن سيرا" ورد ان الله عندما خلق آدم رأى انه ليس من الحسن ان يبقى آدم وحده فخلق من التراب امرأة كما فعل في خلق آدم وسمى المراة ليليث. وسرعان ما نشب النزاع بين ليليث وآدم لاصرارها على انهما متساويان. واخيرا نطقت ليليث باسم الله الذي لا يجوز النطق به لقدسيته وطارت مبتعدة.


    وقام الله بخلق حواء من ضلع آدم تعويضا له. ومرت ازمنة لم تعد فيها ليليث الى الذاكرة الا في مجالات الدراسات الدينية والخرافات العائدة الى القرون الوسطى الى ان عادت في منتصف السبعينيات في اشكال مختلفة في الشعر والرواية اليهوديين.


   وصدرت مجلة نسائية يهودية سنة 1976 تحمل اسم "ليليث" ونشرت كتابات وابحاثا تعبر عن اهمية استقلال ليليث ومساواتها مع آدم.


    مما وصف به شعر جمانة حداد قول الطاهر بن جلون عنه "لم نألف في العالم العربي ان نقرأ شعرا بالعري العاري الذي تكتبه جمانة حداد.  شعر عار بمعنى انه يصل الى نقطة اللارجوع وبمعنى انه لا هوادة فيه."


     في قصيدة تحمل عنوان الكتاب نفسه اي "عودة ليليت" تقول جمانة حداد بشعرية ونبض فيه من القوة والتحدي والانسياب ما يجعله يبدو اشبه بعودة من يطلب ثأرا لا بالقتل بل بحب عاصف كانه يقول بمنطقه الخاص انه لا يعرف حدودا ولا يرى الخجل الا في النفاق وانه وحده يوحد العالم..


     "انا ليليت الهة الليلين العائدة من منفاها/.../ انا ليليت شيطانة الخلوات (ليليت) انا ليليت العائدة من سجن النسيان الابيض.../ اجمع ما لا يجمع في كأس واشربه لاني الكاهنة والهيكل/ لا اترك ثمالة لاحد كي لا يظن اني ارتويت/ اتجامع واتكاثر بذاتي لاصنع شعبا من  ذريتي ثم اقتل عشاقي كي افسح للذين لم يعرفوني/عائدة من سجن النسيان الابيض للذين لم يعرفوني..."
 
    وتخاطب آدم "جئت اقول../ آدم آدم انت مشغول بأمور كثيرة اما المطلوب فواحد/ اجمعني.. فالمطلوب واحد (تعال في سيول عينيك اجمعني.."وتقول في مكان اخر" انا الملاك الماجنة)الحيية لاني حورية البركان/ لم تحتملني الجنة الاولى/فطردت لارمي فتنة في الارض (وأدبر في  المخادع احوال رعيتي) الحيية واكمن في كلمات داعرة/.الحيية الوقحة واتورد حين تصرخني حممي/صيادة كي اطلق اسهم الكلمات (محترفة كي يعود سهمي مثقلا بخياناته."


     وفي "سبعة رجال متحلقون على الخشبة" هم العشيق والاب والابن والزوج والمعلم والاخ والصديق نقرأ قصيدة "ممسرحة" تخرج فيها من عالم  ليلي نزوات النفس ومشاعرها وتصوراتها الخبيئة ونظرة كل منهم الى المرأة اما هي ليليت فسبع نساء كما قالت في المقدمة.


 انها تسع كل ما في عالم هؤلاء السبعة وتعلمهم ان الفضيلة الوحيدة هي الا تنطفىء جذوة الحياة وان الموت مسافة بين البارد والفاتر. اذن (الجوع خطيئة) الشبع خطيئة. والجمر اولى الوصايا."


    تختم جمانة بقصيدة "أجل سوف في أحد الايام" التي تشبه عاصفة جميلة ومموسقة. انها نزوع الى الاكتمال. يترافق ذلك مع ما يشبه "ندما مقدسا" على خطأ او ما يشبه اعادة تفكير لدى "الخالق" في تصحيح الامور.
 

التعليق