رسامون شعبيون مصريون ينثرون مراسم الحج على الجدران

تم نشره في الجمعة 28 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً

 الاقصر- كانت أعواد الغاب ذات الاطراف المبرية والفراجين الصغيرة المصنوعة من ليف النخيل وأقداح الماء. ولوحات مزج الالوان المصنوعة من الاصداف أو قطع الفخار المكسورة هي عدة المصور المصري القديم للتصوير على الجدران بالاصباغ المحلولة في الفراء وزلال البيض.

     وعلى خطى أجدادهم الفراعنة وتخليدا لذكرى أدائهم لمناسك الحج ينشط عدد كبير من الفنانين المصريين ومعظمهم من التلقائيين في رسم ما يعرف برسوم أو جداريات الحج وهي الفريضة التي تتميز بطابع خاص في صعيد مصر وتكون موسما لازدهار سوق الرسامين والمغنين الشعبيين.

    حيث تستعين أسرة الحاج أو الحاجة قبل أيام من عودتهم من الاراضي السعودية برسام يصور على جدران المنزل وواجهته ذلك الحاج أو تلك الحاجة وهي تؤدي الشعار وتطوف حول الكعبة وتصلي في الروضة النبوية الشريفة أو وهي تصعد إلى الباخرة أو الطائرة وتهبط منها مع بعض الايات القرآنية والنصوص النبوية الشريفة.

       والطيب محمد النجار الذي تعلم الرسوم منذ الصغر على يد أستاذه محمد عبد الملك هو واحد من فناني رسوم الحج وأكثرهم شهرة وقدما في ممارسة هذا الفن الشعبي المصري الذي يقاوم الاندثارعلى حد قوله.

يقول الطيب أن فن جداريات الحج له جذور فرعونية هي تلك الرسوم والنقوش الدينية التي تنتشر في المقابر والمعابد المصرية القديمة بجانب عثور علماء المصريات على العديد من الادلة الاثرية التي تؤكد وجود نقوش على جدران بعض المنازل وذلك على غرار الرسوم التي تزين واجهات منازل سكان النوبة في أسوان. أما أول رصد لرسوم وجداريات الحج في العصر الحديث فكان على يد بعض الرحالة الاجانب الذين زاروا مصر في نهاية القرن التاسع عشر.

      وأشار فنان الجداريات محمد الطيب  إلى أن جداريات الحج كانت بدايتها عبارة عن كتابات بخط بارز تعلن عن أداء صاحب البيت أو أحد أفراده لفريضة الحج ثم تطور الامر إلى أن أصبح فنا وظاهرة شعبية تلفت أنظار الباحثين الاجانب أمثال آن باركر وأفون نيل اللذين أصدرا كتابا وثائقيا حوى تسجيلا للعشرات من جداريات الحج في صعيد مصر.

وطالب الطيب النجار بمشروع وطني مصري لتسجيل وتوثيق جداريات الحج ورسوماته المعرضة للزوال ودراستها كظاهرة فنية شعبية وتقديم الدعم والرعاية الفنية لفناني جداريات ورسوم الحج.

      وكما تقول الباحثة المصرية نرمين محمد نجدي فإن الرسومات التي تسجل مناسبة الحج صارت اليوم أوسع خيالا وأدق تفصيلا وأكثر ازدهارا عبر مواهب فردية، وتحسنت أكثر في الوقت الذي يسعى فيه مبدعوها لتحقيق أفكارهم الخاصة، وتشير أن الذين يرسمون هذه الجداريات أغلبهم يعملون كخطاطين وكتاب لافتات وقليل منهم من يحترفون الرسم، وينشطون في مجال جداريات الحج في أعقاب نهاية موسم الحج كل عام.

واعتاد أهل صعيد مصر القيام بتزيين منازل الحجاج برسوم للكعبة المشرفة وصور أخرى تسجل طرق الانتقال للاراضى الحجازية عبر الزمان بدءا من ركوب النوق والجمال ومرورا بالسفينة والطائرة،وتسجيل مظاهر الفرح التي تصاحب سفر الحاج وعودته مثل وداع الاحبة وتقديم "الشربات" عند العودة.

ويبدأ فنانو جداريات الحج في نسج وإبداع لوحاتهم بإعداد الجدران والواجهات لذلك عبر تجديد "محارتها" بوضع طبقة من "الطين" أوالجبس والاسمنت عليها. وفور أن تجف يبدأ الرسم من خيال الفنان أحيانا. وأحيانا أخرى حسب رغبات أصحاب المنزل ويتداخل خيال بعض الفنانين مع واقعية  فنانين آخرين فيصنعون سويا لوحات ذات طابع فني شعبي منقطع النظير وتكوين تراث شعبي له خلفيات تاريخية بالطبع.

       وعلى الرغم من أن كل فنان من هؤلاء الفنانين له خطوطه وطابعه الفني الخاص إلا أنه يهيأ للناظر للوحات وجداريات الحج في الصعيد بأن الذي رسمها وخطها هو شخص واحد وذلك يرجع إلى تشابه مضمون هذه الرسومات واستخدام ذات الالوان وذات التكنيك والتصميم على الاغلب في تنفيذها. وبرغم ان جداريات الحج سريعة الزوال إلا أنها لا تزال تقاوم الاندثار لتجددها في كل عام. 

التعليق