التكرار في شعر محمود درويش: توسعة حيز الحدث الكلي للقصيدة

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • التكرار في شعر محمود درويش: توسعة حيز الحدث الكلي للقصيدة


  يرى الباحث فهد ناصر عاشور في كتابه: "التكرار في شعر محمود درويش" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ان النحاة واللغويين العرب اهتموا في معرض مناقشتهم لباب "التوكيد" كباب من ابواب النحو العربي بمصطلح التكرار ومن هؤلاء "ابوالفتح عثمان ابن جني" الذي تحدث عن التكرار في باب الاحتياط وقال: اعلم ان العرب اذا ارادت المعنى مكنته واحتاطت له فمن ذلك: التوكيد وهو على ضربين: احدهما تكرير الاول بلفظه وهو نحو قولك: قام زيد قام زيد و: ضربت زيدا ضربت و: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة, والثاني تكرير المعنى بمعناه وهو على ضربين: احدهما للاحاطة والعموم والاخر للتثبيت والتمكين فالاول كقولنا: اقام القوم كلهم والثاني نحو قولك: قام زيد نفسه.

كما يرى عاشور ان ظاهرة التكرار ليست بالغريبة على الشعر العربي قديمه وحديثه اذ نجدها ماثلة فيه منذ اقدم النصوص الشعرية فقلما يخلو منها شعر شاعر حتى كأنها سمة من سماته وخصيصة من خصائصه.

   ويتطرق عاشور الى ظاهرة التكرار في شعر محمود درويش كتكرار الحرف وتكرار العبارة وتكرار المقطع وتكرار الصورة بدءا بتكرار الحرف مشيرا الى ان درويش يوظف الحرف في شعره على نحو ملحوظ ويهدف من تكراره للحرف الى عدد من الدلالات والمعاني لعل من ابرزها التأكيد حيث تعد هذه الدلالة من اشهر دلالات التكرار واكثرها شيوعا وانتشارا بين اشكاله المختلفة ومثالها في شعره قوله:

الى اين اذهب؟
ان الجداول باقية في عروقي
وان السنابل تنضج تحت ثيابي
وان المنازل مهجورة في تجاعيد كفي
وان السلاسل تلتف حول دمي

حيث يكرر حرف التوكيد "ان" وتكراره هنا واضح الدلالة فقد اراد درويش التأكيد على ان الوطن بتفاصيله الصغيرة ما يزال حاضرا في ذاكرته: جداوله سنابله منازله، وحتى ذكريات الاعتقال والنضال،  لافتا الى ان تكرار الحرف في كثير من الاحيان يؤدي الى توسعة حيز الحدث الكلي للقصيدة وبشكل تدرجي تزداد التوسعة فيه اطرادا بزيادة التكرار ومثال ذلك قوله:

وننشد في الشوارع
في المصانع
في المحاجر
في المزارع
في نوادينا

كما يتطرق عاشور الى تكرار الكلمة الذي يعتبر الكلمة ابسط الوان التكرار واكثرها شيوعا بين اشكاله المختلفة وهذا التكرار هو ما وقف عليه القدماء كثيرا وافاضوا في الحديث عنه فيما اسموه التكرار اللفظي ولعل القاعدة الاولية لمثل هذا التكرار ان يكون اللفظ المكرر وثيق الصلة بالمعنى العام للسياق الذي يرد فيه والا كان لفظية متكلفة لا فائدة ولا سبيل لقبولها.

   ويشير عاشور الى ان درويش يلجأ الى تكرار اسم ما لتعريف القارئ به من جهة ولتوسيع دلالته داخل السياق من جهة اخرى وهو بهذا المعنى يجعل منه نقطة ارتكاز يقوم المقطع في كليته عليها منها هو يفتتح قصيدته "ازهار الدم" بقوله:

لمغنيك على الزيتون خمسون وتر
ومغنيك اسيرا كان للريح وعبدا للمطر
ومغنيك الذي تاب عن النوم تسلى بالسهر

مبينا ان تكرار الاسم "مغني" قد ظل حاضرا هنا ومنذ البداية ورغم اضافته الى الضمير لافتا الى التكرار الشعوري وتكرار المسميات الحسية التي ترد في شعر درويش مما يرتبط بجسد الانسان واعضائه فمن يطالع اعماله يراه شاعر العيون السود بلا منازع والجبين اضافة الى المسميات المتعلقة بالمكان كأسماء البلدان والمدن والقرى وما يتعلق بها من تفاصيل جزئية كسور القرية وبئرها وقنطرتها وهي ان دلت على شيء فانما تدل على تعلقه بالمكان بكل تفاصيله وحيثياته الدقيقة بيد ان اكثر ما يتكرر منها هو تلك المسميات المتعلقة بمنزله القديم كباب البيت وعتبته ثم الدرج الحجري وسطح البيت وحبل الغسيل والتنور وغيرها.

كما يشير د. عاشور الى تكرار الفعل وما يؤديه هذا التكرار من غرض هو تكثيف المعنى في المقطع او القصيدة سواء في ذلك الماضي او المضارع او الامر كقوله:

حلمت بعرس الطفولة
بعينين واسعتين حلمت
حلمت بذات الجديلة
حلمت بزيتونة لا تباع
ببعض قروش قليلة
حلمت بأسوار تاريخك المستحيلة

وتكرار الصورة التي تعد من اكثر اشكال التكرار تعقيدا وصعوبة ذلك ان الصورة كثيرا ما تتخذ شكلا غرويا من حيث سيرورتها وانتشارها فرغم ان طابعها واحد الا ان طبيعة ظهورها مختلفة متشكلة حسب السياق وملونة بأكثر من ايحاء لافتا الى قصيدة "شتاء ريتا الطويل":

لي ماض اراه الآن يولد من غيابك
من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب لي
ماض اراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

الذي علق بعض النقاد على الجملة الاخيرة من المقطع بتحليل الصورة على اعتبار ان درويش يخاطب "ريتا" بقوله: لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كقرب هذه الطاولة منا, ورغم ان دلالة السياق الظاهرة تبدو كذلك الا ان هذه الصورة ليست بهذه السطحية المفرطة مبينا ان هذا التكرار يفيدنا كثيرا في الوقوف على حقيقة المعنى ودقة الاحالة اذ يجلو عن الصورة ما التبس بها فصورة الطاولة في اصلها متعلقة بمشهد للقتل وهو مشهد قديم كان درويش قد كرره في اعمال سابقة مشهد فيه اليهودي قاتل والفلسطيني مقتول مقطع الى اشلاء ممددة يجلس اليهودي قبالتها ضاحكا مبتسما لما فعلت يداه.

التعليق