الاغتراب دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • الاغتراب دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية

 


   يحاول الباحث يحيى العبد الله في كتابه "الاغتراب - دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية" الصادر عن المؤسسة العربية لدراسات والنشر دراسة ظاهرة اغتراب شخصيات الطاهر بن جلون الروائية طارحاً العديد من التساؤلات التي تشمل كل انواع اغتراب شخصياته في رواياته كالاغتراب الذاتي والاجتماعي والاقتصادي والديني والمكاني والوجودي والزماني واللغوي ليشمل رد فعل الشخصية كالانتحار واللا مبالاة والانسحاب والاغتراب المضاد والتطرف الديني والجنون والصرع والتمرد والانتقام فضلاً عن تخصيص فصل يبحث اغتراب المرأة في رواياته.


ويرى العبد الله ان اهمية روايات الطاهر تكمن من خلال تفكيكه بنية القهر في المجتمع العربي وفضح وتعرية المسكوت عنه كالعبودية والاغتصاب العام للحرية والانسان والسلطة الابوية او السياسية او الاجتماعية وانعدام العدالة .


   ويركز العبد الله على اشكال الاغتراب المتمثلة في الاغتراب الذاتي الذي يعني الانسان الذي لا يمتلك ذاته مشيراً الى ان بدايته تعود الى الاتجاه العام في اواخر القرن السادس عشر اذ حدث تحول عن الخضوع للروابط القائمة بين الناس نحو الاحترام المتزايد للفرد الذي يحويه عالمه الداخلي وكذلك الشخصية المستغرقة في ذاته لافتاً الى صوت "محا" الشخصية المحورية لـ "رواية" "محا المعتوه" الاتية من عمق بنية المجتمع كاشفاً نماذج لشخصيات مسلوبة الارادة والحرية والوعي.

وما هو اسوأ من ذلك انها لا تعيش حالة اغتراب فقط بل تقبل بها وتسعى للوقوع فيها وتدافع عن العلاقات الاجتماعية التي تخلفها وتمدحها وتقبلها وتحبها وتخاف التحرر منها وتعدها الوضع الطبيعي والمرغوب فيه مبنياً ان الاستلاب هو تعبير عن حالة الانسان العقلية عندما يدخل في اي علاقة اجتماعية تجبره على ان يسلك وفق ما يريده الاخر في هذه العلاقة وليس وفق ما يريده هو متوهماً احياناً ان ما قد سلكه نابع من ارادته الحرة ومن هنا يصبح سلوكه ووعيه الظاهري غريبين ومنفصلين عن ارادته ووعيه الباطني فالاغتراب يكتنف الوجود الانساني في المجتمعات السلطوية وهو الوصف الشامل للظاهرة الانسانية المراد التحرر من آلامها تحديداً.


ويتابع العبد الله بحثه في الشخصية الهاربة من ذاتها مشيراً الى ان مسببات هروب الشخصية من ذاتها تشكل احباطاً يؤدي الى اقناع الشخصية باستحالة التعايش في عالم صعب وطبيعة شرسة.


   ويتناول العبد الله الاغتراب الجسدي لافتاً الى ان الشخصيات المغتربة تعاني من اتساع الهوة بينها وبين جسدها وذلك حين تشعر الذات ان جسدها هو المسبب لحالة الاغتراب التي تعيشها الشخصية كشخصية "احمد - زهرة" في روايتي "طفل الرمال" و "ليلة القدر" اذ يعد اغتراب احمد - الذات الانية - عن جسد زهرة السبب الرئيس لاغتراب الشخصية فعندما يلمس احمد بشرته يلحظ نمو الجسد الذي لم يعد يعبر عن ذاته الانية الذكورية ليبدأ بالتساؤل :

 من عساني اكون ? ومن يكون الاخر ? قميص يغطي رجلاً ميتاً ? قليل من الدم فوق شفاه منفرجة ? قناع موضوع بشكل سيئ ? ويستشعر ان هذا الجسد مكون من الياف تراكم الالم ويرى ان جسده اصبح كيساً من الرمل او اصبح يرى نفسه فزاعة محشوة بالقش.


ويحلل العبد الله كيفية ازدياد المسافة بين الذات - الجسد بان تحاول الذات الحط من قيمة جسدها او البحث فيه عن اسباب اغترابها ومن ذلك ما دونه احمد في مذكراته حينما تحدث عن تعفن الجسد وعن انحطاط بدني يحتفظ الجسد فيه مع ذلك بصورته كاملة لذا نلمحه يتحاشى المرايا مبيناً ان الشخصية المغتربة قد تتعرف الى جسدها كشخصية السجين رقم سبعة والذي يبدأ بالتعرف الى جسده بعد مضي ثماني عشرة سنة من القطيعة بين الذات وجسدها.

 فبينما كان يستلقي على كرسي طبيب الاسنان المتحرك ابصر شخصاً ما فوقه في المرآة ليخلق حالة من التساؤل بين الذات وجسدها : من كان ذلك الغريب الذي يحدق بي? كنت ارى وجهاً معلقاً بالسقف? او قد تتعرف الشخصية المغتربة الى جسدها عبر شخصية اخرى كشخصية - احمد - زهرة - عندما طلبت العجوز منه الكشف على جسده الذي الغى الاب ملامح انوثة عشرين عاماً مما جعل "احمد - زهرة" تبدأ بالتعرف الى جسدها : لقد تلذذت بذلك الاحساس الجسدي الذي شعرت به عند ملامسات ذلك الفم لنهدي لتبدأ رحلة البحث عن الانوثة المؤجلة .


ويلفت العبد الله النظر الى الشخصيات المتعددة والمتنوعة في روايات الطاهر مشيراً الى تنوع دوافع الاغتراب وتنوع تجاربها الذاتية الامر الذي ينعكس على لغتها اذ نلمس اغتراباً لغوياً لديها من خلال اللغة العارية او المكشوفة لغة القرف والتقزز لغة التشاؤم والتطير لغة الهزء والتهكم لغة الحزن والتعلل والانهزام لغة الهذيان ولغة المفارقة ايضاً.

التعليق