قصر العظم: درة البيوت الدمشقية العريقة

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • قصر العظم: درة البيوت الدمشقية العريقة

 بني على أطلال قصر معاوية

    في وسط مدينة دمشق القديمة, وبجوار سوق (البزورية) بين الجامع الاموي في الشمال وشارع مدحت باشا في الجنوب, وعلى جانب من الرقعة التي كان يقوم عليها قصر (الخضراء) الذي بناه الخليفة الاموي الاول معاوية بن ابي سفيان, يقع بناء قصر العظم, الذي امر ببنائه والي الشام الوزير اسعد باشا العظم سنة 1749م ليكون سكنا له.

    وقصر العظم اليوم من اهم القصور التاريخية في الوطن العربي والعالم الاسلامي, وتبلغ مساحته 5500م2 اما قصة بنائه فلقد ذكرها البديري الحلاق في يومياته في اواخر النصف الاول من القرن الثامن عشر على هذا النحو: (اخذ اسعد باشا دار معاوية رضي الله عنه, واخذ ما حولها من الخانات والدور والدكاكين وهدمهم وشرع في عمارة داره, السرايا المشهورة) ولقد اعتمد الباشا على مواد محلية امر بجمعها من مختلف الانحاء وجند لبنائها اشهر معلمي البناء والنجارين والدهانين (وجد اسعد باشا واجتهد في عمارتها ليلا ونهارا, وقطع لها من جملة الخشب الف خشبة, وذلك ما عدا الذي ارسلوه له اكابر البلد والاعيان من الاخشاب وغيرها) ويشير البديري الى ما جلب من اعمدة وحجارة من طاحونة (دار كيوان) على نهر بانياس, والى سروات ضخمة من بيت (قرنق) في الصالحية بدمشق, واحجار واعمدة رخامية استقدمها من (بصرى) ومن مدرسة الملك الناصر في الصالحية, وانقاض من سوق (الزنوظية) فوق حارة العمارة, واعمدة من جامع (يلبغا) ومن قصر الملك الظاهر في تربة البرامكة بدمشق.وقد ذكر البديري ان القصر وسع في السنة التالية حتى غدا آية من آيات الجمال, جمعت عناصرها من بيوت دمشق العريقة.

     كانت البيوت الدمشقية العريقة, والتي شيدت في مرحلة الحكم العثماني ذات تقسيم ثلاثي الاجنحة, درجت تسمياتها التركية حتى الان وهي: (اكرملك) اي جناح العائلة, و(السلاملك) اي جناح الضيوف, و(الخدملك) اي الجناح الخاص بالخدمة, وكان قصر العظم يتكون من هذه الاجنحة الثلاثة.

     كان جناح (اكرملك) مخصصا لعائلة الباشا, وكان محضورا على اي رجل غريب دخوله ويشغل هذا الجناح مساحة تزيد عن ثلثي مساحة القصر الاجمالية, ويلحق به جناح خاص بالخدم (الخدملك) في زاويته الشمالية الغربية.يمتاز جناح (اكرملك) بأبنيته الفارهة الغنية بالزخارف والمؤلف بعضها من طبقتين, وبفسحته السماوية الواسعة المكتظة بنباتات الزينة الفواحة, الفصلية والدائمة الخضرة, واشجار الحمضيات (النارنج, الكباد, البرتقال, والليمون الحلو والحامض) واشجار السرو السامقة, كما يمتاز بوفرة بالبحرات والفساقي الرخامية والمساقط المائية الخلابة.

    اما جناح الضيوف (السلاملك) فيتكون من فسحة سماوية تتوسطها بركة ماء كبيرة مستطيلة الشكل, ومن قاعتين تقعان عند الطرف الشمالي من الفسحة السماوية, على جانبي الممر العريض المؤدي الى الجناح, ومن قاعتين اخريين تشكلان الجهة الجنوبية من الجناح, يفصل بينهما ايوان شاهق, ولقد انجز ترميم هذا الجناح وجهز كمتحف للصناعات اليدوية والازياء التقليدية في بداية الستينيات من القرن الماضي.

     يتصف بناء قصر العظم ببساطة مظهره الخارجي, كما هي الحال في سائر البيوت الدمشقية الاخرى المبنية في تلك المرحلة, وبفخامة وترف الزخارف على جدران وسقوف قاعاته وواجهاته الداخلية المطلة على الفسحات السماوية.

    تتوزع في انحاء مختلفة من القصر وبخاصة في الاجزاء العلوية الداخلية, ومن جدران القاعات والاواوين وسطوح الاقواس الداخلية زخرفة فسيفسائية كثيرة الانتشار في البيوت الدمشقية تعرف بـ( (الابلق) وهي طريقة تقليدية في مجال الزخرفة المعمارية, اعتمد ايضا في مبنى القصر على فن (المعشق) التقليدي اثناء تصميم وتزيين النوافذ العلوية, وذلك بتنفيذ تشكيلات من الجبصين بينها فراغات تعشق بالزخارف الملونة.

    اما ابواب القاعات فقد نفذت بطريقة الخيط العربي (الارابسك) المدكك بحشوات ذات اشكال هندسية متنوعة, لكن الزخارف الاكثر انتشارا, والتي لا تخلو منها اغلب القاعات والاروقة في المبنى هي الاخشاب الملونة المزخرفة والموشاة بالالوان الترابية والذهب والفضة المعروفة بــ(العجمي).

     واخيرا, يتألف قصر العظم من كتل معمارية ارضية فيهاعدد من الاقبية, وتعلوها في بعض الاجزاء غرف علوية تتألف من (ست عشرة قاعة كبيرة, تسع عشرة غرفة ارضية- وتسع غرف يالطابق العلوي- ثلاثة اواوين, ورواق بخمسة اقواس محمولة على اعمدة ذات قواعد وتيجان مزخرفة), في الفسحات السماوية من المبنى اربع برك كبيرة كانت تستمد ماءها من نهر قنوات, كما يوجد داخل القاعات والاواوين تسع عشرة فسقية ماء, وفي المبنى حمام متكامل الاقسام (براني وسلطاني وجواني) فيه عدد من المقصورات وخزانة بحلتين نارية ودخانية لتسخين الماء, وكان يتبع للمبنى مصلى ألحق بدار ثانية, ومرآب للعربات حول فيما بعد الى مستودع, واصطبل للخيل قبالة مدخل القصر حول الى مخازن تجارية, ولقد تم استملاك كامل القصر عام 1953م بعد الاستقلال, وبعد القيام بأعمال الترميم الضرورية ليصبح متحفا للتقاليد الشعبية والصناعات اليدوية التقليدية, وافتتح في الثالث عشر من ايلول عام 1954م.

التعليق