البحر الميت.. أغنية الثلج وترانيم المعجزة

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2005. 10:00 صباحاً
  • البحر الميت.. أغنية الثلج وترانيم المعجزة

     تلامس شلالات الضوء الطالعة من شمس الغروب اطراف الهضاب البعيدة عند الافق, فتعكسها مياه البحر الميت الرابض فوق اخفض بقعة على سطح البسيطة (يصل انخفاضها الى 410 متراً عن مستوى سطح البحر) اشرطة من لهب ونار. تلك الهضاب وهذه الاودية هي بوابة الطريق الى لقاء اكثر البحار ملوحة (تصل ملوحته الى اربعة اضعاف ملوحة البحار الاخرى) بصخر الشاطئ التي تكسوها الامواج القليلة الوادعة بلون الثلج وتغطيها الاملاح بطبقة كثيفة لامعة تمنح المكان طابعاً سريالياً غريباً. وكما نوازل وطوالع مغارة جعينا في لبنان تبدو نوازل وطوالع الملح والكربون والكالسيوم والبروميد والمغنيسيوم والبوتاسيوم والكلور والصوديوم, ويرجع العلماء التشكيلات الملحية على ضفاف الميت الى مادة الاراجونيت المتكونة من كالسيوم كربون المعدني, ويستطيع العلماء تحديد تواريخ تلك الترسبات الملحية المعدنية في حال تشكلها قريباً من الخرائب والمندثرات الاثرية عند حوالي 330 متراً تحت مستوىسطح البحر, وهي شرائط وتشكيلات تكون اكثر سماكة في المناطق الاكثر انخفاضاً.

      تشير معظم الدراسات الجيولوجية والمائية ان منسوب مياه البحر الميت في تراجع مستمر وان ارتفاع مياهه هبط اكثر من 21 متراً منذ العام 1930 وحتى العام 1997 مما يعني ان تواصلاً ثابتاً لهذا التراجع قد يجعل البحر الميت اسماً على مسمى بحلول العام ,2050 اي ان الزائر المتوجه نحوه بلهفة عبر طريق الزارة، او عبر ماعين، او العدسية، او وادي شعيب باتجاه الشونة الجنوبية والجوفة وسويمة سيفجع عند وصوله عتباته بأن لا بحر هناك ولا ماء مشبعا بأملاح تطفو الاجساد عليها دون عناء, وستمحى من الذاكرة تلك الصور المرتبطة ببحرنا الوحيد حيث سائح او سائحة مستلق او مستلقية فوق مخدته الملحية وبين يديه او يديها جريدة. ولاحتساب نسبة مئوية لهذا الانخفاض السنوي في منسوب مياه البحر الميت، استخدم العلماء اكثر من وسيلة واعتمدوا اكثر من دليل, مثل دليل حلقة الشجرة والمطر والتي تم خلالها قياس حلقات شجرة الفيونية العرعرية المقطوعة من اجل ذلك في العام 1968. وتبين ان معدل التغير في عرض الحلقات لفترة تمتد حتى العام 1115 ميلادي تتوافق مع بعض المؤشرات الاخرى حول منسوب المياه, كمؤشر الترسبات والمؤشرات التاريخية التي درسها علم الاثار, حيث وجدت الدراسات التاريخية ان الجفاف والوفرة بالنسبة للحضارات التي عاشت حوله ارتبطا بمنسوب المياه, فالعام 76 ميلادي سجل وفرة في المحاصيل الحلقية والحبوب لارتفاع منسوب مياه البحر في ذلك العام, في حين اضطر هيرود العام 25 قبل الميلاد - حسب جو سيغس فلافيوس - الى بيع كنزه من اجل شراء القمح من مصر للسكان, وارتبط الجفاف الذي اضطره لفعل ذلك بحدوث انخفاض لمنسوب المياه.

     يعاني البحر في عمق وادي التصدع التاريخي (حفرة الانهدام) من تراجع منسوب مياهه, وهو تراجع اسهمت فيه عوامل كثيرة يتعلق جانب منها بقيام الاحتلال الاسرائيلي بتجفيف منابع الاودية والانهار التي تغذي البحر المليء بالسحر والمناظر الخلابة والخصائص العلاجية والسياحية الفذة, واقامت مؤسسات الاحتلال ما يزيد عن 18 مشروعاً لتحويل مياه نهر الاردن المغذي الرئيسي للبحر الميت, وتحويل الاودية الجارية التي تتجمع فيها مياه الامطار وتجري باتجاهه الى المناطق المحتلة وخصوصاً المستوطنات, ووصلت نسبة المياه المحجوزة والمحولة عنه - حسب الصحفي الفلسطيني اياد الفرا - الى حوالي 90% من مصادره, كما قامت اسرائيل - حسب نفس المصدر بحفر زهاء 100 بئر غائر لسحب المياه الجوفية من المناطق القريبة التي تغذي البحر بالمياه.

     الا ان اصحاب الرأي الاخر، يقللون من حجم المشكله، ويربطون تقلص مياه البحر الميت بتحولات طبيعية ليس للعامل البشري دور فيها, ويعتقدون بإمكانية عودته لزاهر عهوده في حال تركت المياه تجري نحوه دون تدخل بمسارها, فهل يبعث الميت من جديد؟

     فوق صفحة من السر والغموض والامم البائدة يسترضي البحر الفريد من نوعه, ومع هديل مياهه الواسن تطلع حكايات, وفي فوران عيونه الساخنة يشتق الف علاج, وتعافى مفاصل وترتاح اوصال, فهناك على مسافة 55 كيلومتراً الى الغرب من عمان ينتظر البحر الصامت قاصديه ليقول لهم كلمة السر وليمنحهم القليل من الهدوء والتأمل والعافية, ومن طينة تعجن اشياء الجمال والنضارة.

    وهادئ بحر الحمم البركانية الممتدة على طول الفوالق المحيطة به من كل الجهات. وهادئ في اطلالته على هضاب اريحا ومادبا وماعين, فهل نخفف من وطأة احساسه بالضمور والغياب لنبقي على هدوئه ممكنا, او ان يد العبث البشري ستقلب الطاولة, وتجعله يعاود هواية ابتلاع الشرور الثاوية في اعماقنا. وللبحر شؤونه, وشؤون بحرنا ليس كمثلها شؤون, وعلينا ان نصغي لأناته جيداً, وان نحسن الاستماع في حضرته. فربما يأتي اليوم الذي نكتشف ان كائناته لا تقتصر على الطحالب ذاتية التمثيل الغذائي, والاخرى وحيدة الخلية (دونالييلا), وبعض الميكروبات الحمراء الهوائية واللاهوائية المحبة للاملاح (هالوفيليه او هالوتوليرانتيه), واوليات واميبيات وهدبيات تسرح في بحر الملك الساكن في وادي الارض السحيق.

    البحر ذات البحر, والصخر النازل مثل اغنية الثلج الفيروزية ذات الصخر, والمخطوطات ذاتها بما تحمله من اشارات وبشائر وطقوس تواتر, والانبياء جميعهم مروا من هناك, ربما خرج بعضهم من جهة البحر مغضباً, ولكن لا احد يستطيع ان يدعي ان الحقيقة لها وجه واحد. فكما النص هو البحر حمّال وجوه.

التعليق